Uncategorized Archives - Awal

(مركز أوال) يوثق الذاكرة الخليجية

أردناها شاهدة على وجودنا حيث ما كان، وكيف ما كان، حيث كان في الهامش أو في السلطة، وفي الحاشية أو في المتن، وكيف كان ظالماً أو مظلوماً.. ليست مهمة الأرشيف أن يجمل الحقيقة، بقدر ما مهمته حفظها وقولها دون أن ينتظر قبولاً أو استحساناً من أحد”*.

“من دون وثائق ينتفي وجود المرء”، ورواية الوجود لا تحفظها إلا الوثائق.. باكراً التفت “مركز أوال للدراسات والتوثيق” إلى المعركة المفتوحة بين الوجود والعدم. الرؤية التي حملت على إنشاء المركز تقول إن التاريخ لا يصادره ممتلكو القوة، ولا يستفرد به كتبة السلطة، التاريخ أكبر من أي لحظة، ومن يحتفظ به يملك الاعتراف بالوجود. وفي وثائق التاريخ لا وجود لــ “ربما”، إما “الوجود” ودونه العدم.

ومنذ ولادته في لندن عام 2012، قرر “مركز أوال للدراسات والتوثيق” أن يواجه معركة مصادرة التاريخ، للانتصار لحقيقة الوجود. في إحدى إصداراته، يقول المركز إنّ العدم يظل “يلاحق الوجود، والغلبة تكون لمن يملك الأرشيف حياً ناطقاً.. هكذا يتحقق لوجود الإنسان الانتصار في الحياة”.

ومنذ لحظاته الأولى إلى اليوم، كان مسار العمل والإصدارات واضح الرؤية، محدد الهدف. يعود اسم “أوال” إلى فترة تاريخية معروفة شهدتها البحرين إبان الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين. الإسم نفسه يوثق هذه الفترة التاريخية، وفي العنوان نفسه يحضر التوثيق جنباً إلى جنب مع الدراسات، تأكيداً على رؤيته، وتصريحاً عن الحقل الذي يشغل المركز ويؤطر مجال نشاطه وفعالياته وإنتاجاته.

والمركز مؤسسة بحرينية أنشئت في لندن في شباط/ فبراير من العام 2012، أخذ على عاتقه تحرير الذاكرة الخليجية. أبرز اشتغالاته تمثلت في حفظ الذاكرة البحرينية وتوثيق الأحداث التي عاشتها منطقة الخليج عموماً، وقد توزعت أعمال المركز على قسمين: قسم يُعني بالأرشيف والتوثيق، وآخر انصبت جهوده على إنجاز مشروع ضخم يهتم بترجمة أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية، وإلى جانب ذلك يُصدر “أوال” مجموعة من الكتب التي أتت في سياق حفظ الذاكرة، وإعادتها إلى الضوء.

في منشور له كتب المركز: “ندرك أن ما من سلطة سياسية دون سيطرة على الأرشيف ورسالتنا في مركز أوال للدراسات والتوثيق هي العمل على تحرير الأرشيف من السيطرة وتسهيل عملية الوصول إليه”.

شكلت أحداث المنطقة منذ ما بعد “الربيع العربي” يقظة لدى القيمين على المركز. في وقت كانت تشهد المنطقة معارك مستعرة  لمصادرة الحاضر والتاريخ، وتدمير للتراث الثقافي للبشرية، قرر مركز أوال للدراسات والتوثيق أن يتحدى العدم وأن يقف في مواجهة الساعين إلى تكريسه، انتصاراً لذاكرة شبه الجزيرة العربية.

لماذا الأرشيف؟

تستعيد “أرشيفو” عبارة كوجيتو ديكارت الشهيرة: “أنا أفكر إذن أنا موجود”، تتصرف بها لتقول: “لدي أرشيف إذن أنا موجود”. ومن دونه ينتفي الوجود.

منذ العام 2015، قرر مركز أوال للدراسات والتوثيق أن يحتفل سنوياً بيوم الأرشيف العالمي في 9 يونيو. في العام الماضي أطلق المركز بالمناسبة (محرك بحث أرشيف أوال)، ليكون إحدى أدوات النضال من أجل حفظ بيانات الوجود.

في الإطار نفسه، أصدر المركز “سلسلة أبحاث في تاريخ البحرين”  تناولت 7 إصدارات، وكل إصداراتها اشتغلت في توثيق الذاكرة البحرينية (تاريخ البحرين وقراها وأعلامها وأدبائها، إضافة إلى الحركة العملية فيها). ويعمل المركز اليوم على إصدار ثامن ضمن السلسلة نفسها يتناول توثيق “هجرة البحارنة”.

ولأن “ما مضى هو في المقدّمة”، سعى المركز إلى تقليب صور التاريخ ليعيد قراءة الحاضر، يشخص في هذه الاستعادة الواقع، ويفهم خلفيات أزماته، ويسترجع وجهه الذي سرقته الصراعات، وغيرت معالمه سطوة السلطة، ونزاعات السياسة.

عام 2015، أصدر المركز كتاب “نصوص متوحشة – التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية” للباحث البحريني علي أحمد الديري. في قراءته لتجارب تاريخية، ذهب الديري إلى تفكيك نصوص التوحش في التراث الإسلامي، ليبيّن أن التكفير وليد الصراعات السياسية، وسلاحها الفتاك، وأن النصوص التوحش لم تكن إلا إحدى إفرازات هذه الصراعات. وفي العام 2017 صدر عن المركز كتاب آخر للباحث نفسه:”إله التوحش التكفير والسياسة الوهابية”، لاحق فيه الديري التوحش في تجربة  تاريخية أخرى، توقف فيها عند مؤسس الوهابية محمد بن عبدالوهاب. ومجدداً ثبّت الديري فرضيته التي تقول إن “التكفير مشروع قتل يمليه صراع سياسي”.

ولأن الماضي مرآة الحاضر، جاء إصدار “داعش من النجدي إلى البغدادي – نوستالجيا الخلافة” في أبريل 2015، عاد فيه الباحث السعودي فؤاد إبراهيم إلى جذور داعش ليبيّن أن التنظيم يأتي كوراث تاريخي لتعاليم محمد بن عبدالوهاب “والمتناسلين منه مثل جيش إخوان من طاع الله الذي أنشأه عبد العزيز بن سعود (مؤسس الدولة السعودية الثالثة) ثم قضى عليه بعد تحقيق حلمه بإقامة دولة باسمه”.

اهتم مركز أوال بتوثيق الذاكرة البحرينية. عام 2016، طبع المركز كتاب عالم الأنثربولوجية اللبناني فواد اسحاق خوري “القبيلة والدولة في البحرين تطور نظام السلطة وممارستها”. الكتاب الممنوع من التداول في البحرين أعاده أوال للضوء، كونه يوثق واقع حكم القبيلة في البحرين. في دراسته للواقع البحريني وجد خوري أن القبيلة الحاكمة في البحرين تمكنت أن ترواغ حركات الإصلاح والتحول نحو نظام الدولة، لتبقى الدولة محكومة بأعراف قبيلة آل خليفة ومصالحها.

وفي أواخر 2015، صدر عن المركز  الترجمة العربية لكتاب “صراع الجماعات والتعبئة السياسية في البحرين والخليج” للمحلل السياسي المتخصص في شؤون البحرين، جستن غينغلر. وُصف الكتاب بأنه الأكثر جرأة في استقصاء وتفسير الواقع السياسي المتأزّم في البحرين ودول الخليج العربية، إذ بيَّن أن  الصراع في البحرين سياسي بحت، رغم محاولة الطبقة الحاكمة الزج به في خانة الصراع الديني الطائفي.

هكذا كان المركز يستعيد الحقيقة المختطفة، والذاكرة التي يُعمل على مصادرتها، وانتاجها مجدداً لتقدم روايات تحيل الحقائق التاريخية إلى عدم.

وذهب مركز أوال إلى توثيق الذاكرة الحديثة للبحرين في مجموعة إصدارات، تناولت الأزمة السياسية وإفرازاتها وخلفياتها التي تشهدها البحرين منذ العام 2011 إلى اليوم. ( “سيرة الاحتجاج السيرة النضالية لعبد الهادي الخواجة2001 – 2011″، و”جدار الصمت: انهيار السلطة مدخل توثيقي لثورة 14 فبراير البحرينية” للكاتب البحريني عباس المرشد).

الذاكرة الخليجية عموماً حضرت أيضاً في إصدارات المركز. “ما بعد الشيوخ الانهيار المقبل للممالك الخليجية”، كتاب أصدر ترجمته العربية أوال. تنبأ الأكاديمي البريطاني كريستوفر ديفيدسون، من خلاله بانهيار وشيك للممالك الخليجية، على ضوء نشوء “الدول البوليسية” في عصر تكنولوجيا الاتصالات، وفي زمن انخفاض أسعار النفط.

مطلع العام 2017، أصدر “مركز أوال للدراسات والتوثيق” كتاب  “سعادة السفير محمد جواد ظريف”، وهو الكتاب الذي ظل ممنوعاً من النشر حتى نهاية عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، والذي يوثق الكثير من الأحداث التاريخية من رجل ساهم في صناعتها أو كان على تماس معها.

وآخر إصدارات المركز كان “شعر البحرين” للباحثة البحرينية أنيسة المنصور، التي أطلت من خلاله على بيئة الشعر البحراني، وعلى ما قدمته البحرين من عطاء شعري في الفترة الممتدة بين القرن السابع عشر إلى الثلث الأول من القرن العشرين.

على سكة واحدة تأتي إصدارات “مركز أوال للدراسات والتوثيق”، لا شيء كان بعيداً عن الأهداف: توثيق الذاكرة وتحرير الذاكرة.

في إحدى إصداراته، يستحضر المركز تجربة أرجينتينية، يُعرف المركز بما يُسمى “رابطة جدات ساحة مايو” التي عملت على توثيق بيانات جميع المفقودين إبان الديكتاتوريات السياسية. لاحقاً أثمرت جهود الجدات، وثقت الرابطة معاناة المفقودين والمختطفين، وشكل نشاطها سبباً في خروج مطالبات لمحاكمة المسؤولين عن ذلك. بالنسبة لأوال كانت تجربة الجدات تتماثل وعبارة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخي: “في هذا البلد لدينا حق مصون في الأمل”. العبارة نفسها يستحضرها “أوال”، ليكون للذاكرة حق مصون بالأمل أن لا تصادر الذاكرة، ولا يحيل أهل السطوة وجودها إلى عدم.

 * من افتتاحية الإصدار الأول لمجلة “أرشيفو” الفصلية الصادرة عن مركز أوال للدارسات والتوثيق

دار حفظ التراث البحريني

مؤسسة تجمع بين فلسفة العمل الفردي والالتزام بالرؤية المؤسسية
وسام السبع*

تبدو تجربة السيد محمود الغريفي البحراني إحدى التجارب العلمية الرائدة في مجال إحياء  تراث علماء البحرين وحفظه. ليس بوصفه مؤسساً لدار حفظ التراث البحراني المعنية بنشر تراث البحرين العلمي والادبي وتحقيقه فحسب؛ بل لكونه أحد من ترجموا همومهم وتطلعاتهم المعرفية إلى واقع حي، وحركة دؤوبة ونشاط لا يفتر وفق صيغة عمل مبرمجة ومدروسة.

تستفيد هذه الحركة من إمكانات ومكتسبات العمل الجماعي، وتنفتح على كل الساحات باتساع المهجر من العراق وإيران إلى الهند وباكستان مروراً ببيروت والشام إلى مشارف القارة الأوروبية. دون أن تحدّ من القدرة على التعبير عن التوترات المعرفية الخاصة، أو تلتزم بالخط المرسوم لها سلفا في مجال لطالما عشقه السيد الغريفي في فترة مبكرة من حياته العلمية، وأبدع وسكب فيه حبراً كثيراً، وهو مجال التراجم والسير. ومؤخراً، شرع بتكريس جهوده في جمع وتحقيق التراث العلمي البحراني.

السيد محمود الغريفي أحد من سكنتهم الهموم الكبرى منذ حداثة سنّه، فشغلته هموم البحث والتأليف. وباشر حراكه الاجتماعي والديني مسنوداً بذخيرة علمية وحصيلة ثقافية هائلة امتزجت بالاستعداد الفطري والقابليات الشخصية الجمّة والطموح الجامح والمهارات الخطابية. هذا كلّه جعل من الغريفي أحد أركان العمل الديني والنشاط الثقافي في منطقته. وكانت ساحة عمله الأول في إسكان عالي بمملكة البحرين، قبل أن تتعاظم مساحات حركته إلى الإطار الدولي العابر للقارات والحدود الجغرافية للدول.

السيد محمود ابن السيد مصطفى ابن السيد حسين ابن السيد ابراهيم ابن السيد محسن ابن السيد عبدالله ابن السيد احمد ابن السيد عبدالله ابن السيد أحمد ابن السيد علي ابن السيد علوي ابن السيد أحمد المقدس ابن السيد هاشم البحراني ابن السيد علوي (عتيق الحسين) ابن العلامة السيد حسين الغريفي. ولد في «النعيم» في البحرين عام 1972، ونشأ وأكمل دراسته الأكاديمية فيها إلى جانب مقدمات الدراسة الحوزوية، ثمّ هاجر إلى مدينة قم المقدسة، في العام 1986، لطلب العلم فحضر دروس البحث الخارج على أساتذتها الأعلام كالشيخ جوادي الآملي، والشيخ جعفر السبحاني وغيرهم.

نشر السيد الغريفي العديد من المقالات والدراسات في مختلف المجالات. وكان يرأس تحرير مجلة مرآة الكتب الشهرية، وهي نشرة شهرية توثيقية ترصد حركة الكتاب في الجمهورية الإسلامية، صدر منها ما يزيد على 62 عدداً.

بالإمكان تقسيم أعمال السيد الغريفي ومصنفاته إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى : التصنيف، المجموعة الثانية: الإعداد والتحقيق، والمجموعة الأخيرة الشرح والتيسير.

أولا : التصنيف

منذ بداية حياته العلمية زاول السيد محمود الغريفي الكتابة. وكانت من أوائل الكتابات التي أنجزها، وهو في حداثة سنه، كتاب صغير وضعه حول المرحوم الشاب أحمد القزاز المتوفى عام 1991م، في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ولقد وقع في يدي حينها، وقرأته وكان مخطوطاً بخط اليد. وكانت هذه من البدايات الأولى التي فتح بها السيد الغريفي عهداً جديداً من العطاء الفكري بعد أن كان على تماس مباشر مع هموم مجتمعه.

ويدخل في هذا النوع من النتاج الفكري المتعدّد الذي تركه السيد الغريفي تلك الكتابات التي تتضمن عملية الترجمة عن الفارسية وأحياناً الأوردية. كما أن الكثير من هذه الكتابات بذل فيها السيد جهداً ميدانياً التزم فيه بالمعايشة الواقعية لمجتمع بحثه، الأمر الذي جعل من بعض الكتابات أشبه بـ «ربورتاج» صحفي تتسم لغته بكثير من الحيوية والجزالة والأسلوب المشرق.

ولقد وضع السيد الغريفي العديد من المصنفات، أبرزها :

الشعائر الحسينية بين الوعي والخرافة (160 صفحة).

سيرة فقيه أهل البيت السيد الكلبايكاني (256 صفحة).

خليفة الإمام الراحل (480 صفحة).

الجهاد والسياسة في حياة الشيخ الكندي (112 صفحة).

العلامة السيد أحمد الغريفي من الولادة إلى…؟ (144 صفحة).

الآثار الدينية في المملكة الأردنية الهاشمية دليل مختصر (32 صفحة)

جعفر الطيار وشهداء مؤتة (32 صفحة).

لقد اختاره الحسين.. سيرة العلامة السيد ذيشان جوادي الرضوي الهندي (96 صفحة).

جارية الزهراء .. شهادة لا ترد.

مشهد الرؤوس.

الشيخ عيسى الطري والأهواز والثورة

بسنديدة السيرة وذكريات قرن من الثورة

الخرافة المعقولة .. إنها الهند يا زوجتي.

أنا الغريب.. ملامح الحياة في امبراطورية الدونكري العظمى

قضية العصر .. ببليوغرافيا مرجعية.

مرجعية الدفاع عن العقيدة.

مفردات وجدانية في عشق الذات الحسينية.

ثانياً : الأعمال التحقيقة

يرى السيد محمود الغريفي أن التراث البحراني له من العمق الزماني الذي يمثّل سابقيه على الكثير من أزمنة التراث الأخرى، فالتراث البحراني :

تراث كمي، وذلك لأن البحرين عريقة في العلم ولا تخلو مدينة من مدنها أو قرية من قراها أو بيت من بيوتها من واقع علمي ومخزون تراثي.

والتراث البحراني تراث كيفي، إذ ركّز علماء البحرين على جوانب مغمورة أو حجم الإنتاج فيها قليل فأثروها بالكتابات والمصنفات، كما كانت لهم السابقية في جملة من الموضوعات.

إن التراث البحراني تراث ملتزم، فلم يكن في التراث البحراني أي إسفاف بل كل النتاج المعرفي البحراني هو في خط الالتزام العلمي والخلقي.

إن التراث البحراني تراث منتج وناقل للمعرفة، فكما أبدع علماء البحرين في تقديم المفاهيم الأصيلة من منابعها الأصلية (الثقلين)، فقد كان للتراث البحراني سهم كبير في نقل المعرفة من خلال التعاطي مع نتاج الآخر، عبر شرحه والتعليق والتعقيب عليه واستنساخ الثمين منه.

ومن منطلق الإحساس بالمسؤولية تجاه هذا التراث المنسي، ساهم السيد الغريفي وبشكل عملي في ترجمة هذا الهمّ إلى مشروع على الأرض. وعمل على تحقيق العديد من المصنفات العلمية لعلماء البحرين، وأصدرها تباعاً عن دار حفظ التراث البحراني، التي انطلق عملها في 11 نوفمبر 1997م ( 13 رجب 1418ه)، وجاءت معظم إصدارات الدار التحقيقية من أعماله، بالإضافة إلى التعاون مع محققين آخرين منهم الشيخ حبيب آل جميع وأحمد المرهون والشيخ علي المبارك.

ومن أبرز أعمال السيد محمود الغريفي التحقيقية :

عقد الدرر في إدخال السرور على بنت سيد البشر، للشيخ ياسين بن أحمد الصواف، 128 صفحة.

تعيين الفرقة الناجية رسالة منسوبة للشيخ إبراهيم القطيفي البحراني، 120 صفحة.

طريقة الرياضة الشرعية للشيخ أحمد البحراني.

العجائب والغرائب في أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، للشيخ عبدالله السماهيجي.

الغدير، للشهيد الشيخ عبدالله بن عرب.

من نفحات الولاية (ديوان شعر) للسيد حسين السيد شبر.

تعيين الثقل الأكبر للشيخ مكي بن صالح البحراني.

مؤجج الأحزان أو إلتهاب نيران الأحزان في وفاة غريب خراسان، للشيخ عبدالرضا آل مكتل الأوالي.

مقتل أمير المؤمنين للشيخ حرز المشهداني.

رواية الغصب والهجوم على مولاتنا الزهراء.

من خطب شيخ الإمامية في عصره، للشيخ أحمد بن المتوج البحراني.

نظم حديث الكساء، للنابغة البحراني السيد عدنان بن السيد شبر البحراني.

صفحات حول زيارة عاشوراء، بخط العالم السيد عبدالله بن السيد أحمد الغريفي.

الصلاة والسلام على المعصومين، للسيد إبراهيم بن السيد محسن الغريفي.

الاعتبار في كربلاء، للسيد حسين بن السيد شبر البحراني.

الذخيرة في يوم المحشر، للشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي.

شرح صفات الرسول، (من أوراق) السيد علي بن السيد إبراهيم كمال الدين.

مفتاح السرور في بقرة وسيع الثغور (المشهور في البحرين برواية البكرة) لأحد أعلام البحرين في القرن الرابع عشر.

إجازة العلامة الشيخ علي البلادي للسيد مهدي الغريفي البحراني.

نظم مقتل الحسين للشيخ حسن الدمستاني.

السلافة البهية في الترجمة الميثمية، للشيخ سليمان الماحوزي.

وفاة الإمام الحسن للشيخ عبدالرضا بن المكتل الأوالي.

القادحة الدهيا في مقتل يحيى بن زكريا، للشيخ حسين العصفور.

وفاة النبي يحيى، للشيخ عبدالرضا بن المكتل الأوالي.

حرقة الحزين في تسقيط سيدة نساء العالمين، (من أوراق) طه بن يوسف صالح بن يسوف بن محمد.

نظم مقتل الزهراء للسيد حسين بن السيد الحسن الغريفي.

ثاني المصائب والشهاب الثاقب على رؤوس المناصب (في وفاة الزهراء)، للشيخ محمد بن ناصر المعلم البحراني البربوري الاحسائي.

مثير الزفرات ومجري العبرات في وفاة الزهراء، للشيخ محمد بن جعفر العكري البربوري

الدرة الغراء في وفاة السيدة الزهراء، للشيخ حسين آل عصفور.

عقود الجمان في حياة الزهراء، للشيخ جعفر أبو المكارم.

أنوار المناقب، للشيخ عبدعلي بن خلف آل عصفور.

خطبة البيان، برواية علماء البحرين.

شرح خطبة النبي لشهر رمضان للشيخ محمد علي آل عصفور.

تتمة أوراد الأبرار في شهادة الكرار للشيخ محمد بن الشيخ أحمد آل عصفور.

الرسالة الرجبية في حكم النظر إلى المرأة الأجنبية، رسالة المرجع الديني السيد عبدالله الشيرازي 48 صفحة.

وفاة فاطمة الزهراء للشيخ علي البلادي.

إلزام النواصب للشيخ مفلح الصيمري.

تتمة أمل الآمل لآل أبي شبانه.

أوراد الأبرار في مأتم الكرار، الشيخ حسن الدمستاني، 160 صفحة.

كما وأن هناك مجموعة من الكتب جاهزة للنشر وأخرى قيد الإعداد والتحقيق.

ومنذ انطلاقتها، أصدرت دار حفظ التراث البحراني مجموعة من الأثار والكتب ضمن المسلسلات التالية: الببيلوغرافيا والفهارس، التاريخ والتراجم، البحرين للناشئين، إسهامات علماء البحرين، سلسلة أعلام من البحرين، الأعمال المتفرقة، و أخيراً سلسلة من تراث البحرين.

وقد استهدف السيد محمود الغريفي من تأسيس هذه الدار:

العمل على تصنيف كتب التراث والنتاج البحراني المعاصر وفهرستها ودراستها وتسهيل الانتفاع عليها والإستفادة منها.

السعي في جمع المخطوطات والوثائق والصور والنتاجات وحفظها، وكافة ما يتعلق بالتاريخ والتراث البحراني.

العمل على إحياء التراث ونشره ضمن مسلسلات تراثية متخصصة في المجالات العلمية المتنوعة.

إظهار أثر الحركة العلمية للبلاد في مجالات اختصاصها المتنوعة في آفاقها ومناهجها ودور رجالاتها الفعال والمبدع في رفد مسيرة الأمة والمنطقة والبحرين بالعطاء العلمي والأدبي الخلاق.

تسجيل تاريخ البحرين وتدوينه بمنهجية علمية تحليلية تعتمد الموضوعية والحياد وتوثيق المعلومات ودراسة المجتمع في وقائعه وأنماطه الاجتماعية والثقافية والدينية.

كشف ونقد محاولات التزييف والتحريف والتشويه لتراث وتاريخ البحرين العلمي والثقافي والاجتماعي والسياسي.

التعاون والتواصل مع الشخصيات والمؤسسات العلمية والتراثية والمكتبات المتخصصة والعامة محلياً وعالميًا.

يرى السيد الغريفي أن هناك جملة من المشاكل التي مُني بها التراث البحراني. تتمثل المشكلة الأولى في ضياع التراث البحراني، فكم تبعثرت المكتبات والكتب والمخطوطات وذلك بسبب العنف الذي تعرض له البحارنة منذ القدم وحتى اليوم، فتشتّت الكتب والمكتبات بتشتت أصحابها. وإذ تقرأ في بعض الكتب، كمقدمة موسوعة الحدائق الناضرة لمفخرة البحرين الشيخ يوسف آل عصفور البحراني (قدس سره)، تجده قد أعاد كتابته عدة مرات بعد الحوادث التي وقعت عليه، أو جدنا السيد أحمد المقدس الغريفي المعروف بالحمزة والذي قتل في طريق زيارته إلى العتبات المقدسة في العراق، وسرق ما لديه من مؤلفات وكتب ولم يعرف أمرها إلى يومنا هذا. وغيرهما من الأعلام، بل ربما لا تجد عالما من علماء البحارنة إلا وتعرض لمأساة.

والمشكلة الثانية تكمن في جمود الأوساط العلمية عن إحياء التراث. فإذا كان صاحب الحق خاملا فكيف يمكن لغيره، ومع خمول البحارنة عن إحياء تراثهم، إلا أن هناك جهوداً كبيرة من غير البحارنة لإحياء التراث البحراني لعلمهم بقيمة ما لدى علماء البحرين. وفي الفترة الأخيرة، انبرت جهود مبعثرة من البحارنة لإحياء التراث البحراني، ونسأل الله أن يديمها، مع أنها حركة رتيبة وينقصها العون والمدد لكي تواصل مجهودها الثمين فكلها جهود فردية.

أما المشكلة الثالثة، بحسب الغريفي، فتتمثّل في عدم قيام مؤسسات ومراكز لحد اليوم تعنى برصد التراث البحراني وإحياءها. وما هو موجود اليوم في الساحة من جهود هي فردية للغاية وبمعنى الكلمة، وفي إطارها الخاص.

أما المشكلة الرابعة، تتعلق بدخول جهات من خارج البحارنة، وقد يكونون من أصول بحرينية، زادوا في أزمة حفظ التراث وإحيائه بلّة. وذلك، لأنهم لا يعيشون خصوصية هذا التراث حتى يجعلوا له خاصيته بل وأكثر من ذلك إذ يعمل البعض منهم على القضاء على التراث البحراني سلفا لأشياعه الذين رموا كما كبيرا من المخطوطات في الآبار أو البحر كما تحكي المصادر، ومن المؤسف أن بعض البحارنة قد حدى حدوهم.

المشكلة الخامسة والأخيرة تنحصر في حاكمية الزمان والمكان منذ وقت قديم، بحيث جعل قسما كبيراً من المخطوطات والآثار تغرق في بحر الظلم الذي شمل البحارنة ومخزوناتهم وأودى بالكثير منها.

ويضع السيد الغريفي ما يمكن تسميته بـ «خطة إنقاذ» لهذا التراث المهمل، من خلال : القيام بحملة واسعة من التوعية على الأصعدة المختلفة بتاريخ التراث البحراني وقيمته وسبل الدفاع عنه وحفظه وإحيائه، وإيجاد موقع حر وقوي ماديا ومعنويا لجمع التراث البحراني فيه والعمل على إحيائه ونشره، ووقف ما يمكن من الأوقاف داخل البحرين وخارجه لكي تسند مشروع حفظ التراث البحراني وإحياءه، وتداول التراث البحراني من خلال تصويره وأرشفته في الأقراص وكذلك تداوله في الأوساط المختلفة في أنحاء العالم، وتشجيع من يلج هذا الميدان ومساندته وتخطي عثراته، فإن هذا الأمر عائد لكل الوطن. ونبّه سماحته إلى أن من يدخل هذا الميدان عليه أن يلتزم بأمانة التراث مهما كان مخالفا لمعتقده، فإن نشر أي مخطوطة أو حفظها لا يعني تبني ما فيها، وإنما يعني حب الوطن، وحب الوطن من الإيمان.

ثالثا: الكتابات الُميسرة

حرص السيد محمود في بعض الكتابات إلى اعتماد منحى تبسيطي لبعض أطروحات رواد النهضة الاسلامية وكتابتها بلغة ميسرة تحاكي مستوى الناشئة. وكان من أبرز مؤلفاته، في هذا السياق، سلسلة «رؤى من وحي الولاية الحقة». وهي سلسلة حلقات تتناول رؤى وأفكار الإمام الخميني (قده)، صدر منها 25 حلقة في 800 صفحة. كما استهدفت بعض الإصدارات عرض كل ما يتعلق بالتاريخ البحراني وعلماء البحرين بأسلوب قصصي مصور، منها «كل يا كمي: قصة الشيخ كمال الدين ميثم البحراني؛ «أبو رمانة : قصة الشيخ عيسى الدمستاني»؛ كذلك كتاب «مؤذن الرسول (ص) والوفاء لمقام الولاية»، والذي يقع في 32 صفحة.

للمزيد راجع العدد الأول من مجلة أرشيفو 

نعم أنا الوحش وهذه قصتي

السعودية حين تحكي: نعم أنا الوحش وهذه قصتي

تحتاج نصوص التكفير إلى تفكيك، لا إلى تفسير أو تأويل. يحفل التراث الإسلامي بنصوص التكفير، لكن لا تكمن الخطورة هنا، بقدر ما تكمن في النصوص التكفيرية التقتيلية، هنا يكمن الوحش الذي يلاحقه الباحث البحريني علي الديري.

في مساره البحثي سعى إلى تثبيت فرضيته التي ينطلق منها:التكفير مشروع قتل يُمليه صراع سياسي”. أفرز هذا المسار عن إنتاج كتاب نصوص متوحشة… التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية”(عام 2015)، لاحق فيه نصوص التوحش من خلال ثلاثة نماذج متمايزة من حيث وجودها الجغرافي ومن حيث ظهورها الزماني، أبي حامد الغزالي في بغداد وابن تومرت في المغرب العربي، إضاف إلى ابن تيمية في الشام. في النماذج الثلاثة نجح الديري في إثبات أن سياقات التكفير المتوحش أتت كنتائج فرضتها الظروف السياسية.

يستكمل الديري مساره البحثي، هذه المرة بكتابه الصادر عن مركز أوال للدراسات والتوثيق “إله التوحش.. التكفير والسياسة الوهابية”، متوقفاً عند باعث وجوه التكفير المتوحش “محمد بن عبد الوهاب”.

تناول الديري سيرة ابن عبدالوهاب من خلال مصادره الرسمية. غاص في المصادر التي عاصرت ابن عبدالوهاب وأرّخت له، وفكك نصوصه نفسها، ليقدم لنا الهوية السردية للتوحش.

أواخر العام 2015، وبمشاركة الدكتور علي الديري انطلقت حلقة الدراسات الوهابية، التي تناولت سيرة محمد ابن عبدالوهاب، ومسار ما عُرف بـ “الدولة السعودية الأولى”. اعتمدت الحلقات البحثية على المصادر الرسمية التي عاصرت ابن عبدالوهاب، والتي لاتزال تطبعها دارة الملك عبدالعزيز، المهتمة بتوثيق تاريخ المملكة العربية السعودية وشبه الجزيرة العربية. شكلت كتب المؤرخين حسين ابن غنام وعثمان بن بشر، أهم المصادر التي اعتمدتها الحلقة. ورغم التنقيحات المتكررة التي أُدخلت على هذه المصادر في طبعاتها المتعددة، ظلت هذه الكتب تحمل تعقيدات مزعجة تتعلق بمعجمها التكفيري وحوادث العنف التي تسردها  كبطولات للآباء المؤسسين للدولة والدعوة.

في كتابه “إله التوحش التكفير والسياسة الوهابية”، نجح الكاتب في تفكيك هذه السردية. وإلى حد كبير تميّز بقدرته على استلاب اهتمام القارئ بسلاسة وجاذبية هي بعيدة كل البعد عن جمود التوحش الذي يستلزمه تناول موضوع للتكفير.

القارئ الذي لا يعرف سيرة محمد بن عبدالوهاب ولا سيرة رجال الدولة السعودية الأولى، سيهوله حجم العنف والتوحش المروي في هذه المصادر الرسمية، والقارئ خصوصا السعودي المشبع بهذه السيرة التي يدرسها ضمن تربيته الوطنية والدينية باعتبارها صاحبة الفضل في تأسيس هذه الدولة، ستصدمه أسئلة الكتاب النقدية، فهي أسئلة صادمة للوعي السعودي، فالكتاب يخاطب: من يرفض التكفير، ومن يقدس رجالاته.

أتوقع أن كل الأسئلة التي يفتتح بها الديري كل فصل من فصول الكتاب، ستشكل  صدمة للوعي السعودي الذي تربى على التعاطي مع سيرة محمد بن عبدالوهاب كمقدس، أو التي تعاطت مع سيرته على أنها سيرة مقدسة للرجل الذي “أحيا الدعوة النبوية”، وشكل الهوية الدينية والوطنية. وهذه هي بحسب تسمية الباحث (الهوية السردية) التي سرد قصصها (تاريخ ابن غنام) بشكل يفضي إلى المفخرة والاعتزاز بأمجاد وغزوات وفتوحات جيش الدرعية. على وقع هذه السردية تربى العقل السعودي وعلى وقائع غزوات جيش المسلمين كما يسميهم ابن غنام، تكون وجدان هوية المواطن السعودي.
نجح الديري في تعرية هذا المقدس وبالتالي نجح في ضرب أو تهشيم صورة هذه الهوية، دون أن يقع في فخ الأدلجة ودون أن ترتد إثاراته سلباً على قوة ما نقله.

في كتابه يسأل علي الديري: كيف يرى الذين وقع عليهم الغزو من قبل ذوي الإسلام (حسب تسمية عنوان كتاب ابن غنام) هويتهم اليوم؟

من هم “الذين وقع عليهم الغزو”؟ أليسوا هم أنفسهم من يدرسون اليوم سيرة ابن عبدالوهاب كهوية مقدسة لـ”الأمة السعودية”؟ أليسوا هم أنفسهم من يدافعون عن السيرة التي توثق وقوع الغزو على أجدادهم الذين اتهمهم محمد بن عبدالوهاب بالشرك والكفر؟

ما الذي أراده الديري من خلال سؤاله هذا؟ لعلها الصدمة التي ستسهل تهشيم شي من السردية السعودية لسيرة الرجل. وهي الصدمة التي ستشكل استفزازاً يستدعي اهتمام القارئ لمعرفة ما يود الكاتب قوله… وبمعزل عن النتيجة فإنه سيسجل للكاتب أن فتح منفذاً في العقول التي دُجنت على تقديس سيرة محمد بن عبدالوهاب، وأنه نجح في إحالة هذا المقدس إلى النقد الذي يهشم صورة هذه القداسة .

“أين هم الذين كان سيف ذوي الإسلام ضدهم؟ أين مكانهم في هذه الهوية؟”

“من هم الذين يقعون خارج الأمة التي رسم حدودها محمد بن عبدالوهاب؟”

يطرح الديري سؤاله من ضمن إثاراته النقدية، هو يسأل بالفعل عن مكان المكونات السعودية غير المتوافقة مع أطروحات ابن عبدالوهاب في الخارطة السعودية المجتمعية. ينتقد حدود الأمة التي رسمتها معتقدات ابن عبدالوهاب، والتي شكلت لاحقاً دولة ضمت كفاراً ومشركين أُعملت سيوف الوهابية في رقابهم باسم التوحيد. ويتساءل عن هوية المجتمع التي محتها الدولة السعودية الأولى، لتعيد صياغتها مجدداً على مقاس دعوتها الدينية ومصالحها السياسية. يغيب عن هذه الهوية السردية (أو المسرودة من قبل ابن غنام)  كل ما قبل ابن عبدالوهاب، ويغيب عن هذه السردية كل ما هو متعلق بتاريخ وهوية كل من ناوئ أو عارض الرجل. لعل الديري يسأل السعوديين اليوم:

أين تاريخكم الذي استبق ظهور ابن عبدالوهاب؟

أين الإنتاجات الفكرية لمجتمع الأكيد أن عمره لم يرتبط بولادة ابن عبد الوهاب فقط؟

كيف كانت نجد، التي وصفها مؤرخو المملكة بأنها كانت بلاد شرك، قبل مجيء الرجل؟

كيف كانت الحركة العلمية فيها؟ من هم أبرز علمائها قبل عميد الوهابية؟

في تساؤلاته التي تركها مفتوحة بلا إجابات، حاول الديري تحريك الوعي السعودي الذي دفنته هذه السيرة، وروضته ليقبل بأن لا تاريخ لمجتمعه وأجداده استبق تاريخ محمد بن عبدالوهاب. هكذا تحدث تساؤلات الكتاب صدمة لا يمكن الهروب منها، ولا بد من التوقف عندها، وهكذا تدفع الأسئلة القارئ للتعاطي مع النص بأسلوب مختلف، وعلى النظر إليه من زاوية مختلفة.

ليست هذه الأسئلة المثارة من خلال هذه (الهوية السردية) موجهة للقارئ أو المواطن السعودية فقط، بل هي برسم الدولة السعودية اليوم، إنها أسئلة تضرب صورة المملكة السعودية بواقعها الحالي الذي يفخر بماضيه القائم على غزو القبائل وقتل المعارضين وتكفير المخالفين وصرم نخيلهم وتخريب زروعهم وسلب أموالهم باسم الدين. بل ويُمعن واقع الحال في سياق هذا الفخر بإعادة طبع الكتب التي تروي هذه الوقائع وتوثق هويته السردية، ليقول: هذه هويتي وهذا أصلي وهذا توحيدي المتوحش… وعليه فإنه واقع حالي.

إسراء الفاس*
*إعلامية وصحافية من لبنان.

النصوص التي تلهم التكفيريين

ما هي النصوص المتوحشة التي تلهم التكفيريين؟

يجب قراءة النص المتوحش في سياقه السياسي أي سياق اقترانه بالسلطة أو سياق سعيه لامتلاك السلطة، إن السلطة هي التي تمتلك قوة الأمر وقوة التنفيذ، والخطورة تكمن في أن تكون نصوص التوحش برسم السلطة.

 قراءة: باسمة عيسى*

يتألف كتاب “نصوص متوحشة … التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية” لمؤلفه الباحث والصحافي البحريني علي أحمد الديري والصادر عن مركز أوال للدراسات والتوثيق، من تمهيد ومدخل وثلاثة فصول، في كل فصل دراسة معمقة لتراث واحد من رموز فقهاء التوحش ومنتجي شعارات التكفير، الأول أبو حامد الغزالي (ت 505هـ / 1111م) في كتابه (فضائع الباطنية وفضائل المستظهرية) في المرحلة السلجوقية، والثاني محمد ابن تومرت (ت 524 هـ / 1130م) في المرحلة الموحدية، والثالث ابن تيمية (ت 728 هـ/ 1328م) في المرحلة المملوكية. حاول الديري الرجوع إلى المنابع المؤسسة لثقافة التوحش وإهدار الدم بذريعة الدين، وربط سياق الجذور التاريخية لهذه المفاهيم بما يجري في عالم اليوم من مآسٍ وحروب باسم الدين، بغية تعرية هذا التراث الدموي وإدانته، وتأسيس رؤية دينية أكثر تسامحاً وإنسانية تحترم إنسانية الإنسان، وتصون حقوق البشر، وتنصف محاسن الحياة بكل تجلياتها الإنسانية.
يقرأ الباحث في كتابه “نصوص متوحشة … التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية”، نصوص التوحش كما يطلق عليها، كمشاريع سياسية أو مرتبطة بالسياسة، ويؤكد أن الإيمان ممارسة وعمل وليس مجرد عقيدة، وكذلك التكفير ليس مجرد معتقد، بل هو عبادة في خطاب التكفيريين تستدعي الممارسة. ويناقش الكاتب تلك النصوص من التراث الإسلامي باعتبارها نصوصاً فُرضت كعقيدة دينية وجهادية قامت بتكفير بل أوجبت تكفير كل مخالف لها، في الفترة الممتدة بين القرنين الخامس والسابع الهجري في الشام والعراق ومصر.
من هنا يجب قراءة النص المتوحش في سياقه السياسي أي سياق اقترانه بالسلطة أو سياق سعيه لامتلاك السلطة، إن السلطة هي التي تمتلك قوة الأمر وقوة التنفيذ، والخطورة تكمن في أن تكون نصوص التوحش برسم السلطة. اذاً التكفير بنظر الكاتب هو موضوع سياسي من حيث الدوافع والخلفيات، وهو بمثابة استراتيجية تضعها السلطة السياسية لمواجهة معارضيها، بل هو العدو الذي تصنعه الأحزاب الأيديولوجية أو الأحزاب الحاكمة في الدول الحديثة، لتحشد قواها الاجتماعية والسياسية ضده، وتحقق عبرها وحدة جبهتها الوطنية.
لقد صاغ الغزالي والسلاجقة وابن تيمية والمماليك وابن تومرت والموحدون، فصولاً وفتاوى متوحشة بحسب الكاتب، هذه الفتاوى أسست للتعاون بين رجال الدين ورجال السياسة، فالقتل والتكفير كانا دائماً لأسباب سياسة هدفها الترويج لمنهج الخليفة ولازمة سيطرته.وبحسب الكاتب، فإن تنظيم داعش وجبهة النصرة والجماعات الإسلامية المتطرفة التي ظهرت اليوم في المناطق نفسها التي تناولها كتاب الديري، ليست عملية مستجدة أو غريبة عن تراثنا، وليست نتيجة حتمية للجهل والتطرف التكفيري كما يروج لها البعض، بل هي صنيعة الفتاوى والمعتقدات القديمة والتي أسست عليها دولنا.وقد انطلق الكاتب من فرضية أن (الوحش يكمن في أرثوذكسية السنة السلجوقية)، وحاول تفسير السياق التاريخي والسياسي من خلال هذه الفرضية، مما أعطى مبرراً ومكّن هذه النصوص من أن تكون لها شرعيتها الدينية ومكّنها من تثبيت أطروحاتها ضمن الحس الإسلامي العام. ويستغرب الكاتب كيف أصبح التكفير موضوعاً سياسياً يشرعنه الفقهاء (رجل الملة) ، ضمن أجهزة الخلافة الإسلامية (رجل الدولة).
هنا فسّر الديري معنى الأرثوذكسية من خلال عرض تفسير المفكر الجزائري محمد أركون، الذي يعتبر أول من استخدم مصطلح تفكيك الأرثوذكسية في قراءته للتراث الإسلامي، والتي تشير في معناها الحرفي الى “الطريق المستقيم” الذي يعتبر بمثابة السنّة الصحيحة، أي طريق النبي، حيث دعا اركون الى تفكيك هذه الأرثوذكسية، أي تفكيك النصوص التي تّدعي أنها وحدها تمثل الإسلام الصحيح، والمراد من تفكيكها هو إعادة إنتاجها، بعد تفكيك السياقات السياسية والتاريخية التي تقوم عليها. وقد صاغت خطابات التكفير والتوحش في ثقافاتنا، أسماء كثيرة، منهم الغزالي في كتابه (فضائح الباطنية ) و(الاقتصاد في الاعتقاد)، وابن تومرت في كتابه (أعز ما يطلب) وابن تيمية في كتابه (العقيدة الواسطية)، مجمل هذه الكتب مبنية على خطاب التكفير.

 الغزالي والتفكير السلجوقي

توقف الديري في الفصل الأول من كتابه عند فكر أبي حامد الغزالي، ودرس كتابه (فظائع الباطنية وفضائل المستظهرية)، وانطلق من هذا الكتاب لإيضاح المقصود من نصوص التوحش، لافتاً القارىء إلى الفصل الثامن من الكتاب والذي تناول فيه الغزالي قضية تكفير الباطنية التي يقصد بها الإسماعيليين على وجه الخصوص، وضمناً تدخل فيها باقي الفرق الشيعية، ووجوب سفك دمائهم. سنرى الموت الجديد مبعوثاً من نصوص الغزالي الذي صنّف مَن ليس من أهل السنة الصحيحة بنظره، بين كافر ومرتد. قصد بذلك الإسماعيليين والفاطميين في عهده الذين اتهموا بالتحالف مع الصليبيين، مما أدى إلى هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس.
فقد أُخفي جزء كبير من تاريخ الإسماعيليين والفاطميين، فقط لأنّهم لم يكونوا على مذهب الخليفة العباسي والسلاجقة الحاكمين باسمه. هكذا عمل نظام الملك، عبر أجهزة الدولة، وأحد أهم ادواتها المدارس النظامية على صياغة الأرثوذكسية السنية، بمعنى أنه وضع التسنّن المستقيم الصحيح الذي على الجميع أن يلتزم به، وأن العقيدة الصحيحة هي العقيدة التي أرساها الأشعري وما عداها ضلال وباطل وكفر. فقد أنشأ نظام الملك العديد من المدارس النظامية في العراق بهدف مواجهة المد الاسماعيلي الذي كان يقوم على اجتذاب الموالين له عبر القدرة الإقناعية المبنية على المنطق والفلسفة وأساليب الدعوة، حيث كان الدُعاة الاسماعيليون متمكنين تماماً من الحجة والمنطق والفلسفة.
وأراد نظام الملك أن ينشئ جهازاً يبرمج العقول وينتج جيشاً من الفقهاء يقومون بعمل مضاد لعمل هؤلاء، حيث اعتمدت المدارس النظامية المذهب الشافعي وطرحته بطريقة متعصبة جداً، وقد أفسح نظام الملك المجال للمذهب الحنفي لأن السلطان السلجوقي كان حنفياً. واستطاع نظام الملك أن يُخرّج في كل عام فريقاً كبيراً من طلاب العلم المشبعين بالبرنامج الذي أراده وأقرّه، كما استطاع تسميم عقائد الاسماعيليين وكل الفرق التي لها يتفق مذهبها مع مذهب الدولة.في كتاب “فضائح الباطنية” للغزالي، يتوغل الديري في نصوص التوح، التي تضيق بالمختلف الآخر الى درجة تكفيره وتضليله وسفك دمه، ويقول إن موقف الغزالي من الباطنية أساسه عدم إيمان هؤلاء إيماناً يتوافق مع أرثوذكسية إسلام السلطة في نهاية القرن الخامس الهجري.
وضع الغزالي الباطنية في مرتبتين: إحداهما توجب التخطئة والتضليل والتبديع، والأخرى توجب التكفير والتبرّي، وتحدث عن الصريح والكفر، الصريح في القرآن لا يقبل التأويل، وتأويله يُعد تكذيباً، ومن يكذب صريحاً في القرآن يعد كافراً، هكذا وظف الغزالي معرفته بالمنطق الأرسطي. وتحدث عن إنكار الحور العين، في سياق تدعيم فكرة تكفير من يكذب الصريح، حيث استخدم الغزالي افتراضاً يقول فيه “لو صرّح مصرّح بإنكار الجنة والنار والحور والقصور في ما بين الصحابة، لبادروا الى قتله واعتقدوا ذلك منه تكذيباً لله  الرسول”، والى ما ذلك من النصوص.ويستعير الديري ما يطلق عليه “فرهاد دفتري” أبرز المؤرخين المتخصصين في التاريخ الإسماعيلي في عالم اليوم، مصطلح (الخرافة السوداء) لوصف عمليات التشنيع التي مارسها الغزالي وغيره من علماء الخلافة العباسي ضد الإسماعيليين، كما أسهم الصليبيون الذين اشتبكوا مع الإسماعيليين في صناعة هذه الخرافة.يتوقف الكاتب عند الجزء الثاني من عنوان كتاب “فضائل المستظهرية” ليشير به إلى لقب الخليفة العباسي المستظهر بالله، فقد أراد الغزالي فيه تركيز شرعية الخليفة العباسي كخليفة حق، وولي أمر مفترض الطاعة، مقابل الباطنية كأهل باطن خارجين على ولي الأمر والإسلام وإجماع الأمة، مستنفراً جميع قدراته الأصولية والمنطقية بالقدر الذي يفوق ما بذله في فضح الباطنية وإثبات كفرهم.لقد بلور نظام الملك أطروحة سياسية بالغة الدقة في كتابه الذي يعد واحداً من النصوص الدينية المتوحشة، وهي سياسة مثّلت الخلافة العباسية التي كان يحكم السلاجقة باسمها.
هذه النصوص بقيت ولا تزال تعمل إلى اليوم، وسياسة نظام الملك هي التي أنتجت هذه النصوص التي أتت في فترة متأخرة عنها. من هنا يرى الديري أن هذا النص الذي تركه الغزالي لنا في التعامل مع المختلفين سياسياً في لحظة صراع سياسي، يؤسس لحالة تفتح مجال التكفير على مدى الزمان، لأن الغزالي لم يشرّع لحرب هؤلاء لأنهم فقط باغون، أو لأنهم ضد الدولة، أو لأنهم أعداء، وإنما هو أسس نصاً خطيراً في تكفيرهم. نص التكفير يبقى لأنه بمثابة الحكم الشرعي الباقي ما بقي الزمان، بل إن نص التكفير يبقى ويستخدم ويولّد نصوصاً أخرى، ويجعل الاختلافات السياسية حالة عداء لا تنتهي، في حين أن الخلاف السياسي قد ينتهي.

 ابن تومرت ونصوص التوحش الموحدية
وإلى المغرب العربي والأندلس حيث يدرس الفصل الثاني من الكتاب نصوص الفقيه المغربي ابن تومرت رجل دولة الموحدين الأول، فقد بذل ابن تومرت مجهوداً كبيراً، ليأخذ العلم ويطلع على مكونات العقل الأرثوذكسي في أرضه الخاصة بالذات ويكتسب المشروعية الدينية. وتقول الروايات إنه تأثر كثيراً بالغزالي حتى أنه إلتقاه ودرس في المدارس النظامية التي أسسها الغزالي، والتي تعد جهازاً لتكوين نسخة مسيّسة من العقيدة الأشعرية.
ويعتبر ابن تومرت أحد الشخصيات الدعوية التي بنت دولتها على هذه العقيدة، وقد وجد ابن خلدون في هذا البناء إحدى ركائز نظريته في الدولة التي تقوم أولاً على العصبية القبلية وثانياً على الدعوة العقائدية.عاش ابن تومرت في بيئة أضعفها التفكك وأنهكها التهديد الصليبي للوجود الإسلامي في الأندلس والمغرب، وقد جاء وهو يفكر في مشروعإانقاذي يعطي للمسلمين بعضاً من هيبتهم المفقودة وعزهم المسلوب. ويرى الكاتب أن ابن تومرت هو أحد منتجي نصوص التوحش، وقد تعززت هذه الرؤية بعد دراسة شخصية ابن تومرت الذي قام برحلة مشرقية كونت مفهومه للسُنة، أي مفهوم العقيدة الأرثوذكسية أو الطريق المستقيم والصحيح، أو الإسلام الذي يراه من وجهة نظره إسلاماً صحيحاً يقود الى آخرة مضمونة للجنة.
ابن تومرت ابن عشيرة (هرغة) المنتمية الى قبيلة (المصمودة ) البربرية، احتاج الى بلورة عقيدة صلبة تنظّم قوة قبيلته لبناء دولة قوية، على الرغم من توافر الركن الأول لبناء الدولة لديه، وبدأ يشتغل على العقيدة، فكان المشرق المكان والرحلة والمدرسة، في نظرة ابن تومرت نجد لذة الجهاد هي نفسها عند السلاجقة، ومدرسة المعروف والمنكر أيضاً هي ذاتها كانت عند السلاجقة، أي أنهم ينطلقون من النسخة الأرثوذكسية نفسها، والعدو الخارجي نفسه (الصليبيون)، غير أن العدو الداخلي كان مختلفاً، السلاجقة كان عدوهم الباطنية، وابن تومرت عدوه المرابطون. وسيحتاج جهداً مضاعفاً لصناعة نصوص التوحش، وهو بحاجة الى أن يرد على الفقهاء المالكيين الذين يقفون معه على الأرضية نفسها.بلوّر ابن تومرت رؤيته عبر خطبه ورسائله ومناظراته التي ستُجمع فيما بعد، حين تتمكن دعوته من تكوين دولة، في كتاب أطلق عليه “أعز ما يطلب” الذي أصبح فيما بعد دستور الدولة الموحدية، وبدأ في تحديد ما هو الإيمان الصحيح وعلى أساسه بدأ دعوته وخاض مناكفته للدولة المرابطية. وبهذه الطريقة وظف مفهومه للسنة والألوهية توظيفاً سياسياً.
وفي الكتاب المذكور لابن تومرت، يذكر الديري أن نصوص التوحش والتكفير التي احتواها الكتاب، فاقت بكثير نصوص التوحش عند الغزالي، حيث نجد شرعنة القتل وسفك دماء كل من يختلف عن الدولة الموحدية.يقدم ابن تومرت كتابه باعتباره يفتح أبواب العلم الذي جعله الله سبب الهداية الى كل خير، إنها أبواب تفتح لنا أعز ما يطلب، كما يقول، ولكن حقيقتها تفتح أبواب جهنم على المرابطين. ومن عناوين هذه الأبواب: (باب في وجوب بغضهم ومعاداتهم على باطلهم وظلمهم )، ( باب في تحريم طاعتهم واتباع أفعالهم)، (باب في وجوب جهادهم على الكفر والتجسيم وإنكار الحق واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم)، (باب في وجوب جهاد من ضيّع السنة ومنع الفرائض)، ( باب وجوب جهادهم على ارتكاب المناكر والفجور وتماديهم على ما لا يؤمرون به). ويحشد في هذه الأبواب الكثير من الآيات والأحاديث لكي يطبقها على المرابطين. ويذهب المؤلف في مناقشة تفاصيل الصراع الذي نشب بين فقهاء المالكية والموحدين، إذ اعتبروهم من الخوارج بسبب العنف الذي قاموا به وبسبب خطابهم التكفيري لأهل السُنة.
ومن المفارقات الغريبة أن ابن تيمية وتلميذه الذهبي يستنكران على ابن تومرت ودولته سفك دماء المسلمين، والحكمة بشرعنة هذا السفك، ويتناسيان أنهما حين جاءا بعد وفاة ابن تومرت بأكثر من 130 عاماً، قد أنتجا نصوصاً أكثر توحشاً وتشدداً.
ابن تيمية والتكفير المملوكي
 في الفصل الثالث يستعرض الديري نصوص ابن تيمية وأثرها في تأسيس بذور الخطاب التكفيري في التراث الإسلامي، ويؤكد على مساعي ابن تيمية لتكوين العقيدة الرسمية للمماليك وهي عقيدة ابن حنبل، ولكنه لم ينجح وكان مصيره السجن. وبقيت نسخة ابن تيمية لعقيدة أهل السنة والجماعة تنتظر لحظة محمد عبد الوهاب، الذي نجح في جعلها عقيدة رسمية للدولة السعودية الأولى بعد ميثاق الدرعية عام 1745م بين رجل الملة محمد عبد الوهاب ورجل الدولة محمد ابن سعود.

يستعرض المؤلف نصوص ابن تيمية وأثرها في تأسيس بذور الخطاب التكفيري في التراث الإسلامي، ويذكر بعض النقاط التي أثّرت في تكوين ملامح الخطاب السياسي لدى ابن تيمية، الذي جاء في عصر انتهت فيه الدولة الأموية والدولة العباسية في مرحلتيها الأولى والثانية، وانتهى عصر الخلافة الراشدة. مع ولادة ابن تيمية، مضت خمس سنوات على سقوط  بغداد على يد المغول، واهتزاز المركز الإسلامي للخلافة الإسلامية، وانتهينا من دولة السلاجقة الي كانت ضمن الخلافة العباسية، وانتهينا من الدولة الزنكية التي كانت امتداداً للدولة السلجوقية وسلاطينها، وانتهينا من الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي، القائد العسكري في الدولة الزنكية.لمع اسم ابن تيمية عقب الانتصار الذي تحقق للمماليك على المغول المسلمين في حرب إسلامية – إسلامية في معركة ” شقحب”، فقد وضع مشروعية لهذه الحرب وأنتج من خلالها نصوصاً تكفيرية متأثرة بهذا الجو، وقد أفتى لهم بالإفطار في رمضان ليتمكنوا من تحسين أدائهم في المعركة. وخرج ابن تيمية من كل ذلك بنجومية كاسحة نافس بها السلطان المملوكي نفسه، لذلك خشي السلطان الناصر بن قلاوون أن ينافسه أو ينقلب عليه، من هنا جاءت مقولة ابن تيمية الشهيرة “أنا رجل ملة لا رجل دولة” بمعنى أنه قال للسلطان: “لا تخشَ أن أنازعك في الملك”.يجري خطاب التكفير عند ابن تيمية وفق محددات السياسة، بمعنى أن ما حددته السياسية أنه كفر فهو بالنسبة لإبن تيمية كفر، وهذا ليس بمعنى الامتثال المباشر أو الخضوع إلى قرار سياسي، وليس بمعنى أنه لا يراعي الضوابط الشرعية، لكن باعتبار أن خطاب من يتحدث باسم أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يخرج على خطاب السياسة، ذلك فإن إحدى مقتضيات الدين الأساسية عند أهل السنة والجماعة، هو عدم جواز الخروج على الإمام أو الخليفة حتى لو كان فاسقاً أو مغتصباً للخلافة أو شارباً للخمر أو ظالماً أو مستولياً على السلطة بالقوة، كما يوضح الكاتب.تحدث الديري عن ابن تيمية ونقده للأشعري، حيث أصبح سلفياً يرفض فكرة التأويل ويأخذ الصفات كلها حتى لو فهم من ظاهرها أنها تمثل تجسيماً أو تجسيداً.
وبرغم أن ابن تيمية وأتباعه يرفضون فكرة التجسيم والتجسيد والتشبيه، ويقولون نحن لسنا من أهل التجسيد، لكن خصومهم يقولون لهم إنكم بالإيمان بهذه الصفات على ظاهرها تجسمون وتجسدون. هنا أعاد ابن تيمية الخلاف مع الأشعري والأشعرية بعد أن أصبح هذا المذهب سائداً ومعروفاً ومسلماً به، أراد ابن تيمية أن يقول إن مذهب أهل السلف ليس هو مذهب الأشعرية، بل المذهب الصحيح هو مذهب أحمد بن حنبل، وهو مذهب الأشعري في كتابه “الإبانة”، وأن الأشعري قد تم تأويله من جماعته تأويلا خاطئاً.
وقد كتب ابن تيمية مطلِق القرن الرابع عشر الميلادي فتوى تاريخية شهيرة أرسلها إلى سلطان الممالك الناصر بن قلاوون، أعطى فيها المشروعية الدينية لتنفيذ مذبحة كسروان التي قام بها 50 ألف جندي من المماليك ضد الشيعة فيما عرف بـ(فتوح كسروان) وهي تسمية مشتقة من تهنئة الفتح التي وردت في نص الفتوى. ويعتبر المؤلف أن فتوى ابن تيمية يمكن عدّها فصلاً ملحقاً بكتاب (فضائح الباطنية) للغزالي، فهو يستعمل بعد 217 عاماً، تسميات الغزالي وتوصيفاته، ويتتطابق مع موقفه الشرعي والسياسي وعرضه لعقائد الإسماعيليين وكل ما هو مكوّن في الصورة الذهنية عن هؤلاء.أصبحت نصوص التكفير والتوحش لوائح اتهام سياسي جاهزة للاستخدام والتوظيف ضد الخصوم السياسيين والعقائديين، والفرضية التي ينطلق منها الديري في دراساته صاغها في هذه الجملة المختصرة: (الوحش يكمن في – أرثوذكسية السنة السلجوقية – هذا هو الوحش الذي يسرق وجوهنا) فـنص التكفير يبقى ويستخدم ويولّد نصوصاً أخرى، ويجعل الاختلافات السياسية حالة عداء لا تنتهي، في حين أن الخلاف السياسي قد ينتهي. ويصف الكاتب أفكار ابن تيمية بالمضطربة في مسألة التكفير بشكل عام، فقائمة ابن تيمية للتكفير تزيد وتتناقص،  وقد لخص الديري قائمة التكفير من وجهة نظر خطاب ابن تيمية، التى تشمل الفلاسفة والصوفية والباطنية والرافضة والجهمية، وتشمل حالات يمكن أن تنطبق على شخص مسلم أو جماعة مسلمة أخرى.

 *كاتبة وإعلامية لبنانية

وثيقة من «مركز أوال للدراسات»

وثيقة من «مركز أوال للدراسات» تكشف: الحاكم السابق حمد بن عيسى (الأول) تآمر لعزل الشيخ خلف ونفيه إلى العراق

مرآة البحرين-خاص: ضمن الحلقة الثانية من ملفها «الشيخ عيسى قاسم والملك… الصورة المفقودة»، نشرت «مرآة البحرين» تفاصيل وثيقة هامة من الأرشيف البريطاني، حاز عليها «مركز أوال للدراسات والتوثيق»، واطّلعت عليها المرآة بشكل خاص.

وتكشف الوثيقة معلومات جديدة حول قضية الزعيم الشيعي الكبير، الشيخ خلف العصفور، خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.

وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها عن تفاصيل هذه الوثيقة، التي ينتظر أن تنشر مترجمة مع باقي الأرشيف البريطاني عن البحرين، في وقت لاحق من هذا العام،  ضمن مشروع هو الأضخم من نوعه، يقوم عليه «مركز أوال للدراسات والتوثيق».

تروي الوثيقة الصادرة في مارس/آذار 1927، أن الحاكم السابق حمد بن عيسى بن علي (حكم من 1923-1842) تآمر بشكل كامل لعزل ونفي قاضي الشيعة وزعيمها وقتئذ الشيخ خلف العصفور من منصبه الذي كان أول من اعترفت به الدولة فيه، وتقول الوثيقة وهي رسالة من المقيم السياسي البريطاني في الخليج إلى وزير خارجيته، إنه تردّد في قبول طلب الحاكم عزل الشيخ خلف ونفيه، كونه أبرز داعمي إصلاحات الميجور ديلي، التي أطاحت بحكم عيسى بن علي المضطّهد للشيعة.

وتكشف الوثيقة خيوطا متشابكة حول الظروف الغامضة التي عزل فيها الشيخ خلف، ونفي من البلاد إلى العراق.

مركز أوال للدراسات والتوثيق هو مؤسسة بحرينية، أنشئت في العاصمة البريطانية لندن في 2013، ويعنى بقضايا الخليج عامةً والبحرين بشكل خاص، ويهدف إلى “حفظ الذاكرة الوطنية البحرينية عبر توثيق كل المستندات الورقية والإلكترونية المتعلقة بهذه الذاكرة، ومواكبة الأحداث المستجدة أولاً بأول”.

وبخلاف مشروع ترجمة الأرشيف البريطاني الضخم، أطلق المركز في 2 مايو/ أيار 2016 محركا للبحث الإلكتروني يحتوي على نحو 40 ألف وثيقة، كما أصدر المركز العديد من الكتب السياسية والاجتماعية، منها ترجمة لكتاب «ما بعد الشيوخ» لكريستوفر ديفيدسون، وترجمة لكتاب «صراع الجماعات والتحشيد السياسي في البحرين والخليج» لجستن غينغلر، وأعاد نشر كتاب «القبيلة والدولة» لفؤاد خوري، كما نشر عددا آخر من الكتب لباحثين بحرينيين وخليجيين، منها كتاب «نصوص متوحّشة» للدكتور علي الديري، وكتاب «داعش من النجدي إلى البغدادي… نوستالجيا الخلافة» لفؤاد إبراهيم، وسلسلة بحوث ودراسات أخرى متعلقة بالتاريخ والسياسة والأدب في البحرين والخليج.

وتروي المجلدات التي سيصدرها المركز مترجمة من سجلات البحرين في «الأرشيف البريطاني»، الأحداث التي شهدتها البحرين خصوصًا ومنطقة الخليج عمومًا في الفترات الممتدة من العام 1820 حتی العام 1971، كما تحوي عددًا كبيرًا من المراسلات بين البحرين وعدد من الأطراف منها الحكومة البريطانية والمقيمية البريطانية والحكومتين الفارسية والتركية.

رابط الموضوع

كلمة عن أرشيفو

كلمة سكرتيرة تحرير مجلة أرشيفو

قد يتساءل البعض: لماذا كل هذا الجهد في مجال الأرشيف؟

لأنه، وبكل بساطة، “من دون وثائق ينتفي وجود المرء أيضًا”، فوجود الأشخاص والشعوب والحضارات مقترنٌ بما تخلّفه من شواهد، والوثائق هي تلك الأدلة الثبوتية على بصمات مرورها في الزّمن.

من هنا وُلِدت “أرشيفو”، المجلة الصادرة عن مركزنا، لتحفظ وجود البحرين، أوال سابقًا،  وتقيها من المحاولات العابثة لمحو ذاكرتها ووجودها.

كلمة “أرشيفو” مشتقة من كلمة برتغالية توازي كلمة “أرشيف” باللّغة العربية، وقد اخترنا  الاسم للدلالة على وحدة جذر التسمية في اللغات، والاهتمام العالمي المشترك بالأرشيف.

تتضمن “أرشيفو” أبوابًا تتراوح بين  بين إبراز الأرشيف كعلم والأرشيف كواقع عملي مُطبَّق ومُعاش،  وتسلط الضوء على مفاهيم الأرشيف وقضاياه واشكالاته، كما تعرض تجارب أشخاص ومؤسسات في التعامل مع الأرشيف على مستوى العالم العربي بجانبيه الشفهي والمكتوب، وتروي حكايا كانت قد تخبأت في زوايا ذاكرة الناس.

أرشيفو، التي صدر منها عددان، تدعو كل مهتم بشؤون الأرشيف للمساهمة في صباغة خطابها وتحرير موادها.  وهي تدرك أنها ما كانت لتُبصر النور لولا جهود القديرين ممّن يهتمون بالتاريخ والذاكرة لأجل الحقيقة وصونها وإعلاء شأنها.

باسم الذاكرة والأرشيف والحقيقة … باسم الوجود… نشكر مشاركتكم … آملين العمل والتّطور معًا لحفظ وجود الحق رغم كل التّحديات المحيطة بنا.

“أرشيفو”

“أرشيفو” محاولة تأصيلية لحفظ التاريخ والذاكرة الشعبية

من دون وثائق ينتفي وجود المرء أيضا”، بهذا العنوان يفتتح رئيس تحرير مجلة “أرشيفو” العدد الأول مسوّغا إطلاق المجلة بـ”كي لا ينتفي وجودنا ولا تنتفي الحقيقة ولا تنتفي جهود الذين يشتغلون في الوثيقة، تأتي (أرشيفو)، أردناها شاهدة على وجودنا حيث ما كان وكيف ما كان”.

“أرشيفو” هي نشرة تهتم بموضوعات الأرشيف تصدر عن مركز “أوال” للدراسات والتوثيق، ترى أن هدفها الاهتمام بالأرشيف المكتوب والشفهي وقضاياه وإشكالاته على مستوى العالم العربي، ستصدر كل شهرين في سنتها الأولى، وهي تدعو جميع المهتمين بالأرشيف إلى المشاركة في صياغة خطابها وتحرير موادها.

ويقول رئيس التحرير إن رسالتهم في المركز هل العمل على تحرير الأرشيف من السيطرة وتسهيل عملية الوصول إليه، في حدود إمكانياتهم، بحيث تمكنوا من الوصول إلى الأرشيف البريطاني المتعلق بالبحرين (18 مجلدا) وشرعوا في ترجمته، وسيكون للمرة الأولى متوافرا الوصول إليه.

كما قاموا بتأسيس أرشيف الكتروني لتاريخ البحرين، وقريبا سيتاح للجمهور الوصول إليه عبر الإنترنت. كما أطلقوا سلسلة أبحاث تاريخية معنية بالبحرين. وقد صدر منها خمسة كتب حتى الان والبقية تأتي. وفي هذا السياق تأتي مجلة “أرشيفو” إنه سياق تعزيز حرية الوصول إلى ارشيف المعلومات “فالديموقراطية الحقيقية يمكن قياسها دائما في حرية الوصول إلى الأرشيف”.

 وتناول العدد الأول عدة موضوعات نذكر منها: تحقيق عن المكتبة التاريخية التراثية وسيرة البحث التاريخي عند الشيخ المؤرخ جعفر المهاجر، أجرت اللقاء زينب الطحان، و”دار حفظ التراث البحراني .. مؤسسة تجمع بين فلسفة العمل الفردي والالتزام بالرؤية المؤسسية” للكاتب وسام السبع،  وكان تحقيق حول مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت لحسن زراقط، وتحقيق خاص حول السجلات الوطنية في بريطانيا قام به قسم الترجمة في المركز.

وحفلت المجلة أيضا بعدد من القصص والروايات التراثية الطريفة لها علاقة بالذاكرة الشعبية ومنها : حياة الناس في القرية البحرينية قبل النفط، لأمينة الفردان، “حديث الحمير .. حكايات أيام زمان”” لحسن الوردي. وخصص ملف “متابعات” موضوعه لـ”وثائق نجد” .. تقارير امراء العثمانيين المعاصرين.

الرابط الأصلي

عبد الوهاب حسين في كتاب جستن غينغلر

عبد الوهاب حسين في كتاب «جستن غينغلر»: الفرق بين السنة والشيعة في البحرين هو الفرق بين «الفاتح والمفتوح»

مرآة البحرين (خاص): عبد الوهاب حسين، الذي راهن على خياراته، فرفض كل النداءات بالتوقّف، وخرج في مثل فجر هذا اليوم قبل 5 سنوات، ليطالب بسقوط النظام الحاكم، يحتل حيزّا رئيسيا في كتاب «صراع الجماعات والتعبئة السياسية في البحرين والخليج» للمحلل السياسي الأمريكي «جستن غينغلر»، الذي صدرت نسخته المترجمة مؤخّرا عن مركز أوال للدراسات والتوثيق.

تلمّس «جستن غينغلر» مدى التأثير الذي يلعبه عبد الوهاب حسين، على المسرح السياسي في البحرين، منذ أن التقاه في العام 2009، ولم يغفل أن يشير إلى ما عبّر عنه بتأثيره القوي في انتفاضة التسعينيات. شاء القدر أن تتسارع وتيرة الأحداث ويشهد غينغلر انتفاضة 14 فبراير بينما كان لا يزال يكتب رسالته للدكتوراه، وعليه بدا تأثير شخصية عبد الوهاب  حسين على الكتاب واضحا، خصوصا بعد الدور الكبير الذي أدّاه في 2011.

«الفاتح والمفتوح»

أطلق غينغلر توصيفا سمعه من الأستاذ عبد الوهاب على عنوان فصل كامل من كتابه «الفاتح والمفتوح… حالة العلاقات السنّية-الشيعية في البحرين».

كان الأستاذ عبد الوهّاب قد قال لجستن في مقابلة خاصة في مايو/أيار 2009، ردا على سؤال عن الفرق بين السنّة والشيعة في البحرين، بأنّه الفرق بين “الفاتح والمفتوح”، التعبير الذي وصفه المؤلّف بالتعبير البليغ.

تعليقا على ذلك، يقول جستن في الهامش، إنه لم يكن وليد الصدفة أنّ “الفاتح” سرعان ما ظهر كرمز فعلي للحركة الموالية للحكومة التي يقودها السّنّة التي أثارتها انتفاضة فبراير 2011. مشير إلى اتخاذ مسجد الفاتح قاعدة لانطلاق الاحتجاجات المناهضة للتظاهرات الثورية من قبل السّنّة الموالين للنظام، واستخدامه في تسمية عدّة تيارات سنّية سياسية شعبية جديدة، من أهمّها صحوة الفاتح وائتلاف شباب الفاتح. وحتّى أنّه ظهرت جماعة تدعى مجموعة الفاتح للجهاد الإلكتروني.

«تاريخ معارضة القوى السّنية»

في تفسير الكتاب لافتة الشيخ عيسى قاسم عن معسكر الحسين ومعسكر يزيد، يستخدم جستن عبارة أخرى للأستاذ عبد الوهاب “تاريخ التّشيع هو تاريخ معارضة القوى السّنية”، يعلّق الكاتب على هذه العبارة في الهامش: “نتيجة هذا الرأي بالتحديد، ولرفضه أي مساومة مع الأسرة الحاكمة، تمّ اعتقال عبد الوهّاب حسين والحكم عليه بالسجن المؤبّد في مطلع العام 2011”.

يسترجع غينغلر هذه العبارة مجددا، في استعراضه ما شاهده من طقوس وخطابات خلال إحياء ذكرى عاشوراء في المنامة “تخليد هذه الحلقات المؤثرة من الغدر السّياسي والتّضحية في طقوس سنوية كتلك التي في عاشوراء، مع مسرحياتها المثيرة للعاطفة، والمواكب التي في الشّوارع، وجلد الذّات، يؤكّد أن لا أحد، سواء كان سنيًا أو شيعيًا، سينسى قريبًا درس الأستاذ عبد الوهاب حسين بأن “تاريخ التّشيع هو تاريخ المعارضة ضد القوى السّنية”.

مواجهة السلطة الدينية بالسلطة الدينية

يصنّف الكتاب الأستاذ عبد الوهاب حسين بأنّه من أنصار الانفصال الكلي عن النّظام، وفي إطار مناقشة توظيف جميعة الوفاق ما قيل إنه فتوى من المرجع السيستاني لدعم المشاركة في الانتخابات عام 2006، يعتبر جستن غينغلر أن عبد الوهاب وقادة المعارضة الانفصالية بدأوا ردا على هذا التطوّر بالبحث عن شرعية دينية، أو دعم من سلطة دينية، وهو ما سّماه مواجهة السلطة الدينية بالسلطة الدينية.

يقول غينغلر إن هذا الطرف من المعارضة (عبد الوهاب حسين، عبد الهادي الخواجة، مشيمع، وغيرهم) كان يعاني من  نقطة ضعف استراتيجية هي الاعتماد الديني، ولمعالجة هذا الخلل، يضيف الكاتب “ترك الأستاذ عبد الوهاب حسين دوره القيادي طويل الأمد في حركة حق في وقت ما من العام 2008، لينظّم ما أشير إليه في بادئ الأمر ببساطة على أنّه “الحركة الجديدة”. هذه الحركة، التي أُطلق عليها لاحقًا اسم حركة الوفاء (في ضربة واضحة للوفاق) – الفرق بين اسم الوفاء واسم الوفاق حرف واحد من حيث الكتابة –  ستحاكي الوفاق من حيث التّصميم، مخضعة نشاطها السّياسي لتوجيه سلطة دينية معروفة جيدًا، تتمثّل في الشّيخ عبد الجليل المقداد”

“وكما سيفسر الأستاذ عبد الوهاب في منزله في قرية النّويدرات، في حين تقتصر حركة حق على كونها حركة سياسية يقودها “الحرس القديم”، يمكن لحركة الوفاء أن تكون “حركة كاملة” -“دينية وسياسية ومجتمعية”- لكونها تحديدًا ذات “أسس قرآنية” على اعتبار أنّها موجهة من قبل زعماء دينيين” «صراع الجماعات والتعبئة السياسية في البحرين والخليج»، ص 185

قواعد اللعب: الاستمالة السياسية

يعتبر غينغلر أن الخشية التي دفعت الأستاذ عبد الوهاب حسين، كتلك السّائدة في خطاب عبد الهادي الخواجة في عاشوراء، وتلك التي كشف عنها السّنكيس في ملاحظته بشأن وجود “طعم لكل سمكة” لدى الحكومة، هي الاستمالة السّياسية.

يشير غينغلر إلى أنّه خلال الحملة الثانية لتسجيل الجمعيات السياسية ماقبل انتخابات 2010، والذي كانت ترفضه حركة حق وحركة الوفاء، واصل زعماء المجموعتين تحديهم الصريح لهذه العملية، على الرّغم من دعوتهم شخصيًا للاجتماع مع وزير العدل الشّيخ خالد بن علي آل خليفة.

يوضّح الأستاذ عبد الوهاب حسين “في بعض الأحيان، ترسل الحكومة رسالة إلى الجمعيات المعارضة [غير المسجلة والمحظورة بالتّالي] بأنّها مستعدة للسّماح لهم باللعب وفقًا لقواعدها، وبأن تصبح مستمالة. ولكن، في حال رفضهم، فإنها ستلعب من دون أي خطوط حمراء، ولن تتوقف عند أي ممارسات غير أخلاقية” في حربها ضدهم. على سبيل ضرب مثال، ادعى أن الملك البحريني “التقى أكثر من مرة” بأرفع شخصيات المعارضة، على وجه التّحديد مشيمع في لندن في العام 2008. ورغب الملك حمد، بحسب وصف الأستاذ عبد الوهاب، “أن يرى إن كانوا مستعدين للحوار”. ولكن، وفقًا لقوله، لم يكن اللّقاء “للحوار بل للاستمالة كما حصل مع الوفاق”.

يتوفّر الكتاب للبيع على موقع أمازون في هذا الرابط

وفي متجر جملون في هذا الرابط

رابط المقال

نصوص متوحشة

الكتاب : نصوص متوحشة..

التكفير من ارثذوكسية السلاجقة الى سلفية ابن تيمية

تأليف /  علي أحمد الديري

عرض / أزهر الموسوي

سيمضي وقت طويل حتى يدرك المسلمون “والمتضررون” العلاقة بين الجرائم المتوحشة التي ترتكبها المنظمات التكفيرية وعلى راسها داعش ومنظومات الافكار الفقهية والتاريخية الموروثة عن بعض الاسلاف. لكن المؤلف فالبحريني علي احمد الديري يتوغل سريعا في هذه الغابة الكثيفة من الاحداث والصور رابطا ربطا تعليليا وبلغة ادبية شفافة وجميلة بين وقائع الحاضر الصعب وجذورها في التاريخ العربي الاسلامي. في كتاب “نصوص متوحشة.. التكفير من ارثذوكسية السلاجقة الى سلفية ابن تيمية” الصادر عن مركز اوال للدراسات والتوثيق يفاجئ قراءة بنصوص متوحشة اخذت صفة العقيدة الدينية التي اوجبت كفر المخالفين خاصة بين القرنين الخامس والسابع الهجري في اغلب حواضر الاسلام الرئيسة وبالذات في العراق.

ركز الكاتب اكثر على شخصية خطيرة هي شخصية الامام الغزالي خاصة في كتابه “فضائح الباطنية” وكذلك على ابن تومرت الذي عمل في ظل دولة الموحدين فقيها لها وعلى ابن تيمية في كتابه الشهير”العقيدة الواسطية”. صنف الامام ابو حامد الغزالي بحسب بحث الكاتب من لا ينتمي الى “اهل السنة الصحيحة” الى كافر او مرتد. فيقول الكاتب ان الغزالي كان يقصد بذلك الاسماعيليين والفاطميين في عهده الذين اتهمهم الاسلام السني المغالي بالتحالف مع الصليبيين فيما اخفى حسب راي المؤلف كل النقاط المضيئة في تاريخهم لانهم ليسو على مذهب الحاكم العباسي او السلاجقة الذين هم الحكام الفعليون. يركز الكاتب ايضا على المدارس النظامية التي اسسها الوزير نظام الملك 1067 م. وهي المدارس التي عممت منظومة الوعي التكفيري وكانت مهمتها حسب وصف الكاتب الترويج لـ”الارثذوكسية السنية”  وذلك باستخدام نتاجات الباقلاني والجويني وبالذات الغزالي. يعتقد الكاتب ان التوحش يبدا من هنا وخاصة من نصوصهم التي خدمت السلطة فاستخدمتها جهازا ايديولوجيا وسياجا منيعا ” متوحشا ” ضد مخالفيه “حتى السلميين منهم”.

لقد تمت الاجراءات لضمان واستمرارية هذه المواقف لهؤلاء الثلاثة وتثبيتها بتقادم الزمن حتى اليوم باعتبارها شعيرة دينية عنوانها حسب راي المؤلف “اقتل ولك الجنة”. يسال الكاتب سؤالا ويجيب عنه وهو: لماذا نفتح نصوص التوحش في تراثنا الان؟ ويجيب لان هناك وحشا حقيرا يسرق وجوهنا باسم الدين والخلافة الاسلامية والمدارس الاسلامية والائمة الاسلاميين حيث يعتبرنا هذا الوحش اعداءه الذين يجب قتلهم وسبيهم وهو ينظر الى ممارساته هه كعبادة كما سائر العبادات من حيث كون التكفير شعيرة دينية. يتهم الكاتب المدارس والجامعات العربية والاسلامية “بعقد تحالف” مع ابن تيمية فصارت كتاباته وفتاواه “دستورا” يحكم وفقها ملوك السلطة وولاة الامر والوحوش القاتلة. ويضيف: لن تجدي معنا كل عمليات التجميل والترقيع ولن تتمكن شركات العلاقات العامة مهما ملكت من اساطين الاعلام واساطيره من تحسين صورة وجوهنا الكالحة فلابد من قتل وتفكيك ادواته الفتاكة.

يعتبر هذا الكتاب اضافة مهمة جدا للمكتبة العربية والثقافة العربية في هذا الزمن لعدة اسباب لعل اولها جراة الكاتب في تسميته الاشياء باسمائها الصريحة الواضحة من غير تزويق ولا شعور كاذب بـ”مشاعر الاخرين” فمشاعر هؤلاء تمت مراعاتها قرونا طويلة رغم انها مشاعر وحشية وفتاكة.

أردت وضع إصبعي في وجه الوحش

علي الديري: أردت وضع إصبعي في وجه الوحش الذي يهدّدني

حاورته جنى فواز الحسن

علي الديري، كاتب بحريني شاء أن يضع إصبعه على مكمن الجرح، فكان مصيره النفي والإبعاد عن وطنه الأمّ. سحبت السلطات البحرينية الجنسية من الكاتب والأكاديمي والصحافي بسبب تعبيره عن رأيه بشكل واضح وصريح بلا مواربة، حسب تعبيره.

صاحب كتاب “خارج الطائفة” طرح تساؤلات حول ثنائية الخارج والداخل، الوجود خارج الطائفة وداخل المدينة والدولة والوطن، مدافعاً عن علمانية الفكر. لكنّ إلى أيّ مدى نتمكّن النفاذ فعلياً من مجتمعات تدفعنا إلى مذاهبنا حتّى إن شئنا أن نترك معتقداتنا الدينية للممارسات الخاصة؟

تجربة الديري مؤلمة وموجعة من دون شك، ليس له فقط، بل لمن يشاركه همّ رفع الهوية الإنسانية أعلى من أيّ هوية أخرى. عاد مؤخّراً الديري بمؤلّف جديد  «نصوص متوحشة… التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية»  صادر عن (مركز أوال للدراسات والتوثيق)، يناقش فيه الكاتب نصوصاً “متوحشة” من التراث الإسلامي ليحفر في التأريخ بحثاً عن أجوبة لمأساة الحاضر.

كان لموقع (إرفع صوتك) هذا اللقاء مع الكاتب علي الديري حول مؤلّفه الجديد وتجربته الشخصية وما يمكن القيام به لمواجهة “وحش التطرف” الذي يغزو منطقة الشرق الأوسط اليوم.

علي الديري: يجب على المثقف أن يكون خارج الطائفة

ثم سألناه: تعود في كتابك “نصوص متوحشة” إلى التأريخ والنصوص التي يستند عليها نهج التكفير. هل أزمتنا الحالية أزمة نص أو أزمة سلوك – أي لو لم يكن النص موجودًا كمسوّغ للتطرف، هل كان المتطرفون ليجدوا مسوّغاً آخر؟

الديري: نحن أساساً حضارة نص. حركتنا محكومة بمدونة من النصوص هي كتب الأحاديث. نحب بنص ونكره بنص ونتزوج بنص ونأكل ونشرب بنص ونحارب ونسالم بنص. حركات التطرف اليوم تجيد اللعب بالنصوص والنطق بها وإعادة الواقع وما يحدث فيه إلى هذه النصوص. تأمل في أفواه من يأمرون بالقتل ويرسلون مفخخاتهم إلى المختلفين معهم، ستجدها تنطق بنصوص التوحش، تقذفها وفق بوصلة التجاذبات السياسية. لا يمكن لأي جماعة أو حركة أن تنشئ خطاباً جديداً في المجتمع بدون نص يعطي لخطابها مشروعية. نحن أمة من النصوص المسيجة بالتقديس المحمي بالسياسة. الدليل هو النص وما يقتضيه، وتميل مجتمعاتنا حيث يميل طرف النص، ولا دليل خارج النص، والعقل في خدمة النص، والنص مقدم على العقل.

وسألناه: حين ندرك أنّ التطرّف أو التكفير متجذّر في مجتمعاتنا، يصبح بهذا أيضًا جزءا من تراثنا. هل تعتبر هذه النصوص تأريخا أو تراثا؟

الديري: دعنا نسأل هل صار ابن تيمية تأريخا أم ما زال موروثاً ناطقا بكل ما فيه في واقعنا. هذه النصوص ما زالت تراثاً، لم تتحول إلى تاريخ. نحن ورثة ماضٍ لا يمضي، يشبه نهراً يتدفق بالنصوص. تركتنا ثقيلة، وهناك صراع رمزي ومادي حول استملاك هذا التراث. منذ 14 قرناً لم يتوقف جيل من أمتنا عن توريث صراعاته وأنماط حياته. حين يتوقف ذلك ستكون هذه النصوص تأريخاً للتأمل والفهم. نصوص الغزالي في تكفير الباطنية والشيعة ومختلف الأقليات وتقتيلهم وسبي نسائهم مازالت تُوَرّث. ولولا هذا التوريث ما شاهدنا هؤلاء الأبناء يستخدمون هذه النصوص بحرفيتها.

سؤال: في ظلّ صعود التشدّد والنزعة للإقصاء، ما الثمن الذي دفعه علي الديري لتطرّقه إلى الموضوع؟

الديري: حالياً أنا من غير جنسية وخارج وطني، وكتابي ممنوع في بلدي البحرين، وأنا في إعلام بلادي خارج عن طاعة ولي الأمر، وخائن لوطني وغير مسموح لأي وسيلة إعلامية هناك أن تجري حواراً صحفيا معي حول كتابي. ولو كنت هناك، من المؤكد أني سأحاكم وأسجن بتهمة إهانة رموز إسلامية كشيخ الإسلام ابن تيمية، وسيضاف لها قائمة تهم طويلة، لن يكون أقلها التعريض بأهل السنة والجماعة والسلف الصالح.

الديري: حين خرجت عن السلطة السياسية.. تمّ إسقاط الجنسية

سؤال: تتبعت تطوّر المفهوم التأريخي للتطرّف من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية. لماذا لم توسّع دائرة التطرّق لمذاهب وديانات مختلفة كي لا تنهال عليك الاتهامات بمهاجمة الإسلام فحسب؟

الديري: أنا لم أوسع دائرة نصوص التوحش. لا يمكنني القول إن مشكلة التوحش موجودة في الأديان كلها، وفي المذاهب كلها، والطوائف كلها، ولا تخلو منها  الفترات التأريخية كلها. ومن ثم فإنّ ظاهرة داعش وأخواتها ليست وحدها. هذا النوع من التوسعة يضيع الجواب، ويريح أصحاب ظاهرة التوحش. أردت أن أضع إصبعي في عين الوحش الذي يهددني الآن. أردت أن أعري مرجعيته النصية التي يتحدث باسمها وينطق بمسلماتها. صغت فرضية ضد مسلماته التي تنص على أنّ نص التوحش نص سياسي، وإن إنتاج هذه النصوص صار سياسة ممنهجة في الدولة السلجوقية في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا.ً العلماء الكبار الذين عاشوا في بلاط سلطة السلاجقة هم من صاغوا هذه النصوص في سياق الحرب بين الخلافة العباسية الممسوكة بسلطة السلاجقة والخلافة الفاطمية.

سؤال: نسمع دائماً النداءات حول الإسلام الحقيقي وجوهره. ما هو الإسلام الحقيقي من وجهة نظرك، وهل من ضرورة لإعادة فتح باب الاجتهاد لتصويب المفاهيم الدينية؟

الديري: الإسلام الحقيقي يقدم نفسه في صيغة أرثوذكسية مفروضة من قبل سلطة سياسية، بدا في عصر السلاجقة هو إسلام الأشاعرة، أي الإسلام الذي يقدم الأحاديث والروايات ويرفض الفلسفة والتأويل العقلاني على طريقة المعتزلة. وهذا الإسلام تحول إلى سلطة سياسية تنطق باسمه، سلطة السلاجقة بالعراق وفارس وسلطة الزنكيين بالشام وسلطة الأيوبيين بمصر. والإسلام الحقيقي بدا في عصر المماليك هو إسلام السلفية على طريقة ابن تيمية وأحمد بن حنبل، ولم يجد هذا الإسلام سلطة سياسية تتبناه حتى ميثاق الدرعية في 1745م بين رجل الملّة محمد عبدالوهاب ورجل الدولة محمد بن سعود، فصارت عقيدة ابن تيمية السلفية عقيدة رسمية للدولة السعودية الأولى. وهي تقدم نفسها اليوم باعتبارها تمثل الإسلام الحقيقي.

سؤال: كيف يمكن محاربة توحش النصوص؟

الديري: يمكن محاربة الوحش في هذه النصوص بتفكيك سياقه السياسي بالدرجة الأولى. نحتاج حركة نقدية تقرأ هذه النصوص قراءة تاريخية، تبين كيف وضعت السياسية هذه النصوص في خدمتها ضد خصومها السياسيين. وهذا ما فعلته في هذا الكتاب (نصوص متوحشة… التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) بتفكيك السلطة السلجوقية والزنكية والأيوبية والموحدية والمملوكية. وهذا ما تعلمته من المفكر محمد أركون الذي عمل منذ فترة مبكرة على نزع القداسة عن هذه النصوص وكشف تكوينها السياسي والتأريخي، وهو أول من استخدم مصطلح الأرثوذكسية لوصف السلفيات التي تقدم نفسها تمثل حقيقة الإسلام ضد خصومها.