الحركة العلمية في البحرين Archives - Awal

الحركة العلمية في البحرين

مقدمة‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية

باتت‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬عمومًا،‭ ‬وعن‭ ‬تراثها‭ ‬العلميّ‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬أمرًا‭ ‬واجبًا،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يضطّلع‭ ‬به‭ ‬المؤرّخون،‭ ‬والمثقفون‭ ‬والمهتمّون؛‭ ‬ليبرزوا‭ ‬ما‭ ‬قدّمت‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬إسهامات‭ ‬علميّةٍ‭ ‬وأدبيّة،‭ ‬ويقفوا‭ ‬على‭ ‬مناهج‭ ‬علماء‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬التصنيف‭ ‬والتأليف،‭ ‬وبخاصّةٍ‭ ‬بعد‭ ‬تخلّي‭ ‬أكثر‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حاولنا‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭.‬

وكنتُ‭ ‬قد‭ ‬تطرّقتُ‭ – ‬في‭ ‬مقدّمة‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ – ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التراث‭ ‬العلمي‭ ‬وإهماله،‭ ‬مبرزًا‭ ‬دور‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬تتبعها‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ذلك‭ ‬الإهمال،‭ ‬ممّا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬التاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬للبلاد،‭ ‬وطمس‭ ‬آثاره‭ ‬من‭ ‬أذهان‭ ‬الناشئة‭.‬

ولستُ‭ ‬أعلمُ‭ ‬كيف‭ ‬فاتني‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام،‭ ‬التي‭ ‬تعوّل‭ ‬عليها‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تاريخ،‭ ‬وحضارة،‭ ‬وإنجازات‭ ‬علميّة،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬وكان‭ ‬المرتُجى‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬السيرة‭ ‬ذاتها،‭ ‬فتنشر‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬ما‭ ‬يحقق‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬العالم‭ ‬الخارجيّ‭ ‬بالبلاد‭: ‬تاريخًا‭ ‬وحضارة‭. ‬

تلك‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬الورديّة،‭ ‬التي‭ ‬رسمناها‭ ‬لدور‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬أذهاننا،‭ ‬وكنّا‭ ‬نلتمس‭ ‬لها‭ ‬العذر‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬تراث‭ ‬البحرين‭ ‬العلميّ‭ ‬الأصيل،‭ ‬ظانّين‭ ‬بأنّ‭ ‬السبب‭ ‬قد‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬معظم‭ ‬التراث‭ ‬العلميّ‭ ‬البحرانيّ‭ ‬مايزال‭ ‬مخطوطًا،‭ ‬وهو‭ ‬سببٌ‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ – ‬في‭ ‬وهنه‭ – ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬العنكبوت،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬تشبّثنا‭ ‬به؛‭ ‬رغبةً‭ ‬في‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬سببٍ،‭ ‬حتّى‭ ‬أذن‭ ‬الله‭ ‬بإنجاز‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬فانكشف‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬ظننّا؛‭ ‬فقد‭ ‬حملته‭ ‬إلى‭ ‬الوزارة‭ ‬بغية‭ ‬ترخيصه‭ ‬للطباعة،‭ ‬محدّثًا‭ ‬نفسي‭ ‬بنشره‭ ‬خلال‭ ‬أسبوعٍ‭ ‬أو‭ ‬أسبوعين،‭ ‬ولم‭ ‬يخطر‭ ‬بالبال‭ ‬أن‭ ‬يظلّ‭ ‬الكتاب‭ ‬حبيس‭ ‬الأدراج‭ ‬في‭ ‬الوزارة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنة،‭ ‬فلا‭ ‬هي‭ ‬أذنت‭ ‬لي‭ ‬بطباعته،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬منعتني‭ ‬من‭ ‬ذلك‭! ‬وقد‭ ‬باءت‭ ‬جهودي‭ ‬كلّها‭ ‬بالفشل،‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬سبب‭ ‬ذلك‭ ‬التعطيل‭ ‬والمماطلة،‭ ‬ممّا‭ ‬اضطّرني‭ ‬إلى‭ ‬طباعته‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬خارج‭ ‬البحرين،‭ ‬فلمّا‭ ‬وصل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬البلاد،‭ ‬سطت‭ ‬عليه‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام،‭ ‬وصادرت‭ ‬نسخه‭ ‬كلّها،‭ ‬ولم‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بنسخة‭ ‬واحدة‭! ‬دون‭ ‬إبداء‭ ‬سبب‭ ‬المصادرة‭ ‬كذلك،‭ ‬ولم‭ ‬ينجُ‭ ‬من‭ ‬مخالب‭ ‬الوزارة‭ ‬سوى‭ ‬مئتي‭ ‬نسخة،‭ ‬بقيت‭ ‬بيد‭ ‬الناشر،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تطاولتها‭ ‬أيدي‭ ‬القرّاء،‭ ‬فنفدت‭ ‬جميعها‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يكفّ‭ ‬المهتمون‭ ‬عن‭ ‬طلب‭ ‬نسخٍ‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬علموا‭ ‬بقصّته،‭ ‬ونفاد‭ ‬نسخه‭ ‬طالبوني‭ ‬بطباعته‭ ‬طبعةً‭ ‬ثانية؛‭ ‬فالتاريخُ‭ ‬لا‭ ‬يحبّ‭ ‬الطّمس،‭ ‬ولا‭ ‬يحترم‭ ‬طامسيه‭! ‬وها‭ ‬هي‭ ‬ذي‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬أوال‭ ‬للدراسات‭ ‬والتوثيق‭ ‬ترى‭ ‬النور،‭ ‬بحمد‭ ‬الله‭ ‬وتوفيقه،‭ ‬بعد‭ ‬ستّة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬وأنا‭ ‬أضعها‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬القرّاء‭ ‬الأكارم،‭ ‬بإضافاتٍ‭ ‬يسيرة،‭ ‬وتعديلاتٍ‭ ‬طفيفة،‭ ‬راجيًا‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يجدوا‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يروي‭ ‬ظمأهم‭ ‬المعرفي‭.‬

نسأل‭ ‬الله‭ ‬العليّ‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يوفقنا‭ ‬لخدمة‭ ‬تراثنا‭ ‬العلميّ‭ ‬الأصيل،‭ ‬إنه‭ ‬سميع‭ ‬الدعاء،‭ ‬قريبٌ‭ ‬مجيب‭.‬

والحمد‭ ‬لله‭ ‬ربّ‭ ‬العالمين

تمهيد

تقاس‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلدٍ‭ ‬بأمرين‭ ‬اثنين‭ ‬مجتمعين‭: ‬أحدهما‭ ‬انتشار‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬تشييدها،‭ ‬والعناية‭ ‬بها،‭ ‬وتمويلها،‭ ‬والآخر‭ ‬إسهام‭ ‬علماء‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬العلمي‭ ‬والثقافي،‭ ‬ذلك‭ ‬الإسهام‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬العلماء،‭ ‬ووفرة‭ ‬مصنفاتهم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬العلمي‭.‬

وقد‭ ‬اجتمع‭ ‬للبحرين‭ ‬الأمران‭ ‬معًا،‭ ‬حتى‭ ‬صارا‭ ‬من‭ ‬مميزاتها،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬المؤرخون‭ ‬بدًّا‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬عليهما،‭ ‬والإشارة‭ ‬إليهما،‭ ‬كما‭ ‬نجده‭ ‬جليًّا‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الشيخ‭ ‬علي‭ ‬البلادي‭ (‬1340ه‭/ ‬1921م‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الجو‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬فقد‭ ‬لاحظ‭ ‬أنّ‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬البحرين‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬هو‭ ‬‮«‬كثرة‭ ‬العلماء‭ ‬فيها‭ ‬والمتعلمين،‭ ‬والأتقياء‭ ‬الورعين،‭ ‬والشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬والمتأدبين،‭ ‬وخُلّص‭ ‬الشيعة‭ ‬المتقدّمين،‭ ‬وكثرة‭ ‬المدارس‭ ‬والمساجد،‭ ‬وفحول‭ ‬العلماء‭ ‬الأماجد‮»‬‭.‬

وتلك‭ ‬إشارة‭ ‬منه‭ ‬دقيقة،‭ ‬ووصف‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية؛‭ ‬فقد‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬محل‭ ‬هجرة،‭ ‬تشدّ‭ ‬إليها‭ ‬الرحال؛‭ ‬لطلب‭ ‬العلم،‭ ‬والتفقه‭ ‬في‭ ‬الدين،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬آثار‭ ‬الحوزات‭ ‬العلمية‭ ‬فيها‭ ‬تنبئ‭ ‬عن‭ ‬احتضانها‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬الطلاب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬محطّ‭ ‬تقدير‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬العريقة‭ ‬في‭ ‬الحلة‭ ‬وغيرها،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬توفد‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬الوفود،‭ ‬تسأل‭ ‬عن‭ ‬معضلٍ‭ ‬علميٍّ،‭ ‬حارت‭ ‬فيه‭ ‬الأنظار‭ ‬تارةً،‭ ‬أو‭ ‬تدعو‭ ‬أحد‭ ‬أعلام‭ ‬البحرين‭ ‬المشار‭ ‬إليهم‭ ‬بالبنان‭ ‬لزيارة‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬وإفادة‭ ‬طلابها‭ ‬وعلمائها،‭ ‬بإلقاء‭ ‬الدروس‭ ‬العلمية،‭ ‬أو‭ ‬مناظرة‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬تارةً‭ ‬أخرى‭.‬

ولا‭ ‬بدَّ‭ ‬من‭ ‬الإشارة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام،‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬عندما‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬البحرين،‭ ‬فإنّما‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬بحدودها‭ ‬السياسية‭ ‬المعروفة‭ ‬اليوم،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬بأوال‭ ‬قديمًا،‭ ‬مع‭ ‬إيماننا‭ ‬بصعوبة‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وبين‭ ‬امتداداتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬القطيف‭ ‬والأحساء،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الطبيعة‭ ‬الديموغرافية‭ ‬لهذه‭ ‬المناطق‭ ‬الثلاث‭ ‬تبقى‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الفصل‭ ‬بينها،‭ ‬فالمذهب‭ ‬العقدي‭ ‬واحد،‭ ‬واللهجة‭ ‬واحدة،‭ ‬وروابط‭ ‬القربى‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬وثيقة‭ ‬وثيقة‭.‬

وإنّما‭ ‬فصلنا،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬لسبب‭ ‬علميٍّ‭ ‬واحد،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية،‭ ‬دون‭ ‬امتداداتها،‭ ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة،‭ ‬أعني‭ ‬جزيرة‭ ‬أوال،‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬العلم،‭ ‬والمركز‭ ‬الذي‭ ‬يؤمّه‭ ‬المتعطشون‭ ‬إلى‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة؛‭ ‬ليتتلمذوا‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬ومشايخها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬أولئك‭ ‬الوافدين‭ ‬أهل‭ ‬القطيف‭ ‬والأحساء‭.‬

وقد‭ ‬فسحت‭ ‬الحواضر‭ ‬العلمية‭ ‬المعروفة‭ ‬للبحرين‭ ‬مكانًا‭ ‬مميّزًا؛‭ ‬لما‭ ‬وُجِدَ‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬طاقات‭ ‬علمية‭ ‬شامخة،‭ ‬تركت‭ ‬آثارها‭ ‬جلية‭ ‬في‭ ‬المسيرة‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬مساحتها‭ ‬تغصّ‭ ‬بمئات‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬عصر،‭ ‬وقد‭ ‬رفد‭ ‬أولئك‭ ‬العلماء‭ ‬الساحة‭ ‬العلمية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بما‭ ‬صنفوا‭ ‬من‭ ‬كتبٍ‭ ‬ورسائل‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬صنوف‭ ‬المعرفة،‭ ‬فصاروا‭ ‬نجومًا‭ ‬تنير‭ ‬الدرب‭ ‬للسالكين‭ ‬طريق‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وأعلامًا‭ ‬تنحني‭ ‬جباه‭ ‬العلماء‭ ‬لهم،‭ ‬فلا‭ ‬يكاد‭ ‬الباحث‭ ‬يطالع‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬حتى‭ ‬تكتحل‭ ‬عيناه‭ ‬بأسماء‭ ‬مثل‭ ‬الشيخ‭ ‬المتكلم‭ ‬أحمد‭ ‬ابن‭ ‬سعادة‭ ‬الستراوي‭ (‬قبل‭ ‬672ه‭/ ‬1273م‭)‬،‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثم‭ ‬البحراني‭ (‬699ه‭/ ‬1299م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬ابن‭ ‬المتوّج‭ (‬820ه‭/ ‬1417م‭)‬،‭ ‬والسيد‭ ‬حسين‭ ‬الغريفي‭ (‬1001ه‭/ ‬1592م‭)‬،‭ ‬والسيد‭ ‬ماجد‭ ‬الجدحفصي‭ (‬1028ه‭/ ‬1618م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬القدمي‭ (‬1064ه‭/ ‬1653م‭)‬،‭ ‬والسيد‭ ‬هاشم‭ ‬التوبلاني‭ (‬1107ه‭/ ‬1695م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ (‬1121ه‭/ ‬1709م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬السماهيجي‭ (‬1135ه‭/ ‬1722م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬يوسف‭ ‬العصفور‭ ‬البحراني‭ (‬1186ه‭/ ‬1722م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الستري‭ (‬1267ه‭/ ‬1850م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬آل‭ ‬طعان‭ (‬1315ه‭/ ‬1897م‭)‬،‭ ‬ومئات‭ ‬غيرهم‭. ‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬اشتهار‭ ‬البحرين‭ ‬بوصفها‭ ‬مركزًا‭ ‬علميًّا‭ ‬متقدِّمًا،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬العدد‭ ‬الجمّ‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬فيها،‭ ‬لجأ‭ ‬الصفويون‭ ‬إليهم؛‭ ‬واستعانوا‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬بدء‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬الصفوية؛‭ ‬كي‭ ‬ينشروا‭ ‬التشيّع‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬إذ‭ ‬استعان‭ ‬الصفويون‭ ‬بفقهاء‭ ‬‮«‬‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬التأسيسية‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬العرب،‭ ‬الذين‭ ‬استُقدِموا‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬والبحرين،‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‮»‬‭.       ‬

وللسبب‭ ‬نفسه،‭ ‬أعني‭ ‬العدد‭ ‬الجمّ‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬صار‭ ‬الفقهاء‭ ‬الآخرون‭ ‬يتخذون‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬وسيرتهم‭ ‬دليلا‭ ‬يُسْتَنَد‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الأشياء‭ ‬أو‭ ‬تحريمها،‭ ‬وبخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬محلّ‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الفقهاء،‭ ‬فما‭ ‬أحلّه‭ ‬فقهاء‭ ‬البحرين‭ ‬فهو‭ ‬حلال،‭ ‬والعكس‭ ‬كذلك،‭ ‬فقد‭ ‬نقل‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬كتب‭ ‬الشافعية‭ ‬سؤالا‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬إلى‭ ‬المصحف‭ ‬أبدعةٌ‭ ‬هو‭ ‬أم‭ ‬مستحبٌّ؟‭ ‬

وقد‭ ‬بيّن‭ ‬الوجهين‭ ‬الواردين‭ ‬فيه؛‭ ‬إذ‭ ‬قطع‭ ‬ابن‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بأنه‭ ‬بدعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قاسه‭ ‬النووي‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬للفضلاء‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬والأخيار،‭ ‬فقطع‭ ‬بأنه‭ ‬مستحبٌّ،‭ ‬ثم‭ ‬علّق‭ ‬الماحوزيُّ‭ ‬على‭ ‬المسألة‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬لم‭ ‬أقف‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬كلامٍ‭ ‬لأصحابنا،‭ ‬إلا‭ ‬أنّا‭ ‬وجدنا‭ ‬مشايخنا‭ ‬الذين‭ ‬عاصرناهم‭ ‬يفعلونه،‭ ‬وليس‭ ‬استحبابه‭ ‬ببعيد؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬دخوله‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬شعائر‭ ‬الله‮»‬‭.‬

ولعلك‭ ‬تنبّهت‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬الحكم‭ ‬إنّما‭ ‬بناه‭ ‬الماحوزيُّ،‭ ‬وهو‭ ‬شيخ‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يومذاك،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬السيرة‭ ‬العملية‭ ‬لفقهاء‭ ‬البحرين،‭ ‬الذين‭ ‬عاصرهم،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليكون‭ ‬لولا‭ ‬وثوقه‭ ‬بعلمهم،‭ ‬وورعهم‭.‬

وقد‭ ‬استند‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬آل‭ ‬طعان‭ (‬1315ه‭/ ‬1897م‭) ‬إلى‭ ‬السيرة‭ ‬العملية‭ ‬لفقهاء‭ ‬البحرين‭ ‬كذلك،‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬حلّ‭ (‬الإربيان‭)‬،‭ ‬حينما‭ ‬ناقش‭ ‬المجلسيَّ‭ ‬في‭ ‬رأيه،‭ ‬ورأى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬اعترافه‭ [‬يعني‭ ‬المجلسي‭ ‬صاحب‭ ‬البحار‭] ‬بأنّ‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬يأكلونه،‭ ‬ويذكرون‭ ‬له‭ ‬خواص‭ ‬كثيرة،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬الجزم‭ ‬بتحليله،‭ ‬والقطع‭ ‬بدليله؛‭ ‬لكثرة‭ ‬من‭ ‬فيهم‭ ‬حينئذٍ‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬العاملين،‭ ‬والفقهاء‭ ‬الورعين،‭ ‬والمحتاطين‭ ‬والمتوقفين،‭ ‬والممارسين‭ ‬للأقوال‭ ‬والأخبار،‭ ‬والمطّلعين‭ ‬على‭ ‬خبايا‭ ‬تلك‭ ‬الآثار،‭ ‬ولم‭ ‬ينقل‭ ‬عن‭ ‬أحدٍ‭ ‬منهم‭ ‬قديمًا‭ ‬ولا‭ ‬حديثًا‭ ‬التوقف‭ ‬في‭ ‬أكله،‭ ‬ولا‭ ‬المناقشة‭ ‬في‭ ‬حله،‭ ‬بل‭ ‬يعدّونه‭ ‬من‭ ‬المآكل‭ ‬الحميدة،‭ ‬والمطاعم‭ ‬اللذيذة،‭ ‬ويهدونه‭ ‬للبلاد‭ ‬البعيدة،‭ ‬فيكشف‭ ‬عملهم‭ ‬عن‭ ‬حصول‭ ‬السيرة‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬التحليل،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نعم‭ ‬الدليل،‭ ‬والله‭ ‬يقول‭ ‬الحق،‭ ‬وهو‭ ‬يهدي‭ ‬السبيل‮»‬‭.‬

فأنت‭ ‬ترى‭ ‬أنّ‭ ‬الاعتماد‭ ‬في‭ ‬الفتيا‭ – ‬هنا‭ – ‬إنّما‭ ‬كان‭ ‬اتكاءً‭ ‬على‭ ‬كثرة‭ ‬العلماء‭ ‬والفقهاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الاطمئنان‭ ‬لما‭ ‬يحللون‭ ‬أو‭ ‬يحرّمون،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬أنّ‭ ‬أولئك‭ ‬الفقهاء‭ ‬موصوفون‭ ‬بالورع‭ ‬والاحتياط،‭ ‬والممارسة،‭ ‬والاطّلاع‭ ‬على‭ ‬خبايا‭ ‬الآثار‭. ‬

فلا‭ ‬غرو،‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬مهبط‭ ‬أفئدة‭ ‬العلماء،‭ ‬الذين‭ ‬آثروا‭ ‬ترك‭ ‬أوطانهم،‭ ‬والهجرة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البلاد؛‭ ‬يقيمون‭ ‬فيها‭: ‬يؤلفون،‭ ‬ويناقشون‭ ‬أقرانهم‭ ‬من‭ ‬العلماء،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليكون‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬هؤلاء‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يقنعهم‭ ‬بتلك‭ ‬الخطوة،‭ ‬وقد‭ ‬لفتت‭ ‬هذه‭ ‬الميزة،‭ ‬أعني‭ ‬كثرة‭ ‬العلماء‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬أنظار‭ ‬الأدباء‭ ‬فخلّدوها‭ ‬في‭ ‬أشعارهم،‭ ‬وما‭ ‬سطّرت‭ ‬أقلامهم،‭ ‬ومنهم‭ ‬الشاعر‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬الخطي‭ (‬1028ه‭/ ‬1618م‭) ‬إذ‭ ‬يقول‭:‬

أوالُ‭ ‬سُقيتِ‭ ‬صوبَ‭ ‬كلِّ‭ ‬مجلجلٍ من‭ ‬المُزنِ‭ ‬هامٍ‭ ‬لا‭ ‬يجفُّ‭ ‬له‭ ‬قطْرُ
كأنّكِ‭ ‬مغناطيسُ‭ ‬كلِّ‭ ‬مهذّبٍ فما‭ ‬كاملٌ‭ ‬إلا‭ ‬وفيك‭ ‬له‭ ‬قبرُ

ولا‭ ‬غرو‭ ‬كذلك،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬محطّةً،‭ ‬يستقي‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬استهوتهم‭ ‬العربية‭ ‬وآدابها،‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬ومثقفين،‭ ‬ما‭ ‬يصقل‭ ‬مواهبهم،‭ ‬ويشحذ‭ ‬أفكارهم،‭ ‬ويطلق‭ ‬لخيالاتهم‭ ‬العنان،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬لفت‭ ‬انتباه‭ ‬الرحّالة‭ ‬الأسباني‭ (‬كارستن‭ ‬نيبور‭) ‬الذي‭ ‬زار‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬فقال‭ ‬متحدّثًا‭ ‬عن‭ ‬توجّه‭ ‬المثقفين‭ ‬الفرس‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭: ‬‮«‬‭ ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬المثقفين‭ ‬الفرس‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬القرآن،‭ ‬يقصدون‭ ‬هذه‭ ‬الجزر‭ [‬يعني‭ ‬البحرين‭] ‬ليتعلّموا‭ ‬العربية،‭ ‬لذا‭ ‬تدعى‭ ‬البحرين‭ ‬جامعة‭ ‬الشيعة‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬اللافت‭ ‬حقًّا‭ ‬إطلاق‭ ‬نيبور‭ ‬مصطلح‭ (‬الجامعة‭) ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬كلّها؛‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬له‭ ‬تفسيرًا‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬ازدهار‭ ‬البيئة‭ ‬العلمية‭ ‬والمعرفية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬اسمها‭ ‬مقرونًا‭ ‬بالعلم‭ ‬والعلماء،‭ ‬الذين‭ ‬غصّت‭ ‬بهم‭ ‬مدنها‭ ‬وقراها،‭ ‬فليس‭ ‬غريبًا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬البيئة،‭ ‬ما‭ ‬يُنقل‭ ‬عن‭ ‬اجتماع‭ ‬ثلاث‭ ‬مئة،‭ ‬أو‭ ‬يزيدون‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬تعزية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بينهم‭ ‬تنسيق‭ ‬سابق‭ ‬للحضور،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬أنوار‭ ‬البدرين‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬ممّا‭ ‬لاقته‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬غاراتٍ‭ ‬خارجية،‭ ‬وفتن‭ ‬داخلية‭ ‬استهدفت‭ -‬أول‭ ‬ما‭ ‬استهدفت‭ – ‬الوجود‭ ‬العلمي‭ ‬فيها،‭ ‬ذلك‭ ‬الاستهداف‭ ‬الذي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬العلماء‭ ‬والتنكيل‭ ‬بهم،‭ ‬وإحراق‭ ‬كتبهم‭ ‬ونتاجهم‭ ‬العلميّ،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬لم‭ ‬تخبُ‭ ‬جذوة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلميّ،‭ ‬بل‭ ‬امتدّ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرونٍ‭ ‬متتالية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬وتيرته‭ ‬تقلّ‭ ‬تبعًا‭ ‬لتلك‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬لهذه‭ ‬البلاد،‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬تتبّع‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬تحولاته‭ ‬وسيرورته،‭ ‬وانتقاله‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬الضعف،‭ ‬أو‭ ‬العكس،‭ ‬بل‭ ‬وجدنا‭ ‬كثيرًا‭ ‬ممّن‭ ‬أرّخوا‭ ‬للحركة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الإسلامية‭ ‬يتنكّب‭ ‬الطريق،‭ ‬ويتجاوز‭ ‬ذكر‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬رفدت‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬بمئات‭ ‬المصنّفات‭ ‬في‭ ‬شتّى‭ ‬صنوف‭ ‬المعرفة‭.‬

ولعلّ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ (‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬الفضلي‭) ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬تاريخ‭ ‬التشريع‭ ‬الإسلامي‭) ‬خير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الإهمال‭ ‬المتعمّد،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كونه،‭ ‬أعني‭ ‬الفضلي،‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة،‭ ‬فقد‭ ‬حصر‭ ‬مراكز‭ ‬العلم‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الفقه‭ ‬الإمامي‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬والحلة‭ ‬وحلب‭ ‬والشام‭ ‬وكربلاء،‭ ‬متناسيا‭ ‬مدرسة‭ ‬البحرين،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬القياس‭ ‬بين‭ ‬مدرسة‭ ‬حلب،‭ ‬والمدرسة‭ ‬البحرانية‭: ‬في‭ ‬عدد‭ ‬العلماء،‭ ‬وغزارة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي،‭ ‬ومدة‭ ‬حياة‭ ‬كلا‭ ‬المدرستين‭. ‬

وإنه‭ ‬لمن‭ ‬الغريب‭ ‬حقًّا‭ ‬أن‭ ‬ينسبَ‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف‭ ‬العصفور‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬كربلاء،‭ ‬حتّى‭ ‬إنه‭ ‬قَصَرَ‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كونه‭ – ‬أعني‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف‭ – ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أساطين‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية،‭ ‬هاجر‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬كربلاء،‭ ‬وقد‭ ‬تناسى‭ ‬الفضليُّ‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬المزبور‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬الثروة‭ ‬العلمية‭ ‬للفقه‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬فلكه‭ ‬من‭ ‬تفسير،‭ ‬وحديث،‭ ‬ورجال،‭ ‬وأصول،‭ ‬وما‭ ‬إليها‭ ‬لحريٌ‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬يهمل‭ ‬تاريخه؛‭ ‬ليفاد‭ ‬منه‭ ‬علميا،‭ ‬وليكون‭ ‬تقديرًا‭ ‬للجهود‭ ‬الخيرة‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬فيه‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬أحراه‭ ‬بأن‭ ‬يفرد‭ ‬للمدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬مكانًا‭ ‬يليق‭ ‬بما‭ ‬قدّمته‭ ‬من‭ ‬إسهامات‭ ‬علمية‭! ‬

وحتى‭ ‬القامات‭ ‬العلمية‭ ‬الشامخة،‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬وروّجت‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يؤرخ‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬الهجري،‭ ‬حين‭ ‬التفت‭ ‬زعيم‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬يومئذٍ،‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ (‬1121ه‭/ ‬1709م‭) ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الثغرة،‭ ‬فبدأ‭ ‬بسدّها،‭ ‬وصنّف‭ ‬كتابيه‭ ‬المشهورين‭: (‬فهرست‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭)‬،‭ ‬و‭(‬جواهر‭ ‬البحرين‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬خَصَّ‭ ‬فيلسوفَ‭ ‬البحرين‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثمًا‭ ‬البحراني‭ ‬بترجمة‭ ‬مستقلة،‭ ‬وسمها‭ ‬بـ‭(‬السلافة‭ ‬البهية‭ ‬في‭ ‬الترجمة‭ ‬الميثمية‭)‬،‭ ‬أمّا‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أمر‭ ‬تراجم‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬متروكًا‭ ‬لعلماء‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬فارس‭ ‬أو‭ ‬غيرهما،‭ ‬وبدهي‭ ‬ألا‭ ‬يحيط‭ ‬الأباعد‭ ‬برجال‭ ‬البلاد‭ ‬أجمعين،‭ ‬فما‭ ‬يعنيهم‭ ‬غير‭ ‬تدوين‭ ‬المشهورين‭ ‬منهم،‭ ‬وهم‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬اتصال‭ ‬بمراكز‭ ‬العلم‭ ‬الخارجية‭!‬

المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭: ‬نشأتها‭ ‬وتطورها

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬تبوّأتها‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬والأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬أدّتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬القرون‭ ‬المتتالية؛‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬سلطتها‭ ‬تفوق‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وكانت‭ ‬للعلماء‭ ‬الذين‭ ‬يشرفون‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬كلمة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬الحاكم‭ ‬السياسي‭ ‬نفسه؛‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه،‭ ‬لم‭ ‬يتتبّع‭ ‬الباحثون‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬فلم‭ ‬يقف‭ ‬أحد،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬اطّلع‭ ‬عليه‭ ‬الباحث،‭ ‬على‭ ‬نشأة‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬أطوارها‭ ‬المختلفة،‭ ‬والأدوار‭ ‬التي‭ ‬أدّتها،‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المباحث‭ ‬التي‭ ‬يجدر‭ ‬بالباحثين‭ ‬الوقوف‭ ‬عليها‭.      ‬

ما‭ ‬المقصود‭ ‬بمصطلح‭ ‬المدرسة؟

لا‭ ‬بدّ‭ ‬قبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬تجلية‭ ‬المراد‭ ‬من‭ ‬مصطلح‭ (‬المدرسة‭) ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة؛‭ ‬فقد‭ ‬رأينا‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬يدّعي‭ ‬انتشار‭ ‬المدارس‭ ‬بالمئات‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬البحرين‭ ‬ومدنها،‭ ‬حين‭ ‬جزم‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬فإنك‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬قرية‭ ‬من‭ ‬قراها،‭ ‬بغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مدنها،‭ ‬إلا‭ ‬وفيها‭ ‬مدرسة‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬الأقل‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬إنّما‭ ‬يصحّ‭ ‬إذا‭ ‬حملنا‭ ‬المقصود‭ ‬بالمدرسة‭ ‬على‭ (‬الكتاتيب‭)‬،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬قرية‭ ‬لتخلو‭ ‬من‭ ‬كُتّابٍ‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬الكتاتيب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬أماكن‭ ‬لتعليم‭ ‬مبادئ‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬أمّا‭ ‬مصطلح‭ (‬المدرسة‭) ‬الذي‭ ‬نعنيه‭ ‬هنا‭ ‬فهو‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الكُتّاب؛‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬المَجْمَع‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬طلبة‭ ‬العلم؛‭ ‬يتدارسون،‭ ‬ويبحثون،‭ ‬ويؤلفون‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬صنوف‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬يقودهم‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرادفًا‭ ‬لمصطلح‭ (‬الجامعة‭) ‬المستعمل‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مدن‭ ‬البحرين‭ ‬وقراها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬عملية‭ ‬النزوح‭ ‬الداخلي،‭ ‬حين‭ ‬يضطر‭ ‬الطلبة‭ ‬المتشوقون‭ ‬إلى‭ ‬الاستزادة‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬قراهم‭ ‬وبلدانهم‭ ‬الأصلية،‭ ‬والنزوح‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭. ‬

بادئ‭ ‬الأمر

يكتنف‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬للمدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الغموض؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تشر‭ ‬المدونات‭ ‬التاريخية‭ ‬المعتمدة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬شاخصين‭ ‬يومذاك‭ ‬إلى‭ ‬تأصيل‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬وتدوينها،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬تفجؤنا،‭ ‬وهي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬إسحاق‭ ‬البحراني‭ (‬605ه‭/ ‬1208م‭) ‬بوصفه‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬اللغويين‭ ‬القدامى‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬ثمّ‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تلمع‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬العلمي،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬الشيخ‭ ‬المتكلم‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬سعادة‭ ‬الستراوي‭ (‬قبل‭ ‬672ه‭/ ‬1273م‭)‬،‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثم‭ ‬البحراني‭ (‬699ه‭/ ‬1299م‭)‬،‭ ‬وغيرهما‭.‬

وإنه‭ ‬لمن‭ ‬البداهة‭ ‬أن‭ ‬نفترض‭ ‬أنّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعلام‭ ‬لم‭ ‬يولدوا‭ ‬عالمين،‭ ‬وأنّ‭ ‬المستوى‭ ‬العلمي‭ ‬المتقدّم‭ ‬الذي‭ ‬وصلوا‭ ‬إليه‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكم‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬العلمية،‭ ‬وأنّ‭ ‬تلكم‭ ‬الخبرات‭ ‬إنّما‭ ‬كانت‭ ‬تُحْتَضَن‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مخصصة،‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬بالمدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬حيث‭ ‬يدور‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬بين‭ ‬الأساتذة‭ ‬وطلابهم،‭ ‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتصوّر‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬البحث‭ ‬بدأ‭ ‬متواضعًا،‭ ‬ثم‭ ‬بدأ‭ ‬يقوى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروته‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬هؤلاء‭ ‬العلماء‭.‬

ثمّة‭ ‬أسئلة‭ ‬عن‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬البحرانية‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬تلحّ‭ ‬على‭ ‬الباحث،‭ ‬فأين‭ ‬كانت؟‭ ‬وما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬اضطلعت‭ ‬به؟‭ ‬ولم‭ ‬لم‭ ‬تُشْتهر‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬المرموقة؟‭ ‬

والحقّ‭ ‬أنّ‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬تسعفنا‭ ‬بإجابة‭ ‬عن‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬أنّ‭ ‬نشاط‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬ظلّ‭ ‬مغمورًا‭ ‬في‭ ‬بداياته؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬عدّة،‭ ‬لعلّ‭ ‬من‭ ‬أهمها‭:‬

‭(‬أ‭) ‬الوضع‭ ‬الجغرافي‭ ‬للبحرين،‭ ‬فهي‭ ‬جزيرة‭ ‬محاطة‭ ‬بالماء‭ ‬من‭ ‬جهاتها‭ ‬الأربع؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬والخروج‭ ‬منها‭ ‬صعبا‭.‬

‭(‬ب‭) ‬عدم‭ ‬اتصالها‭ ‬بمراكز‭ ‬العلم‭ ‬المعروفة‭ ‬يومذاك،‭ ‬كمدرسة‭ ‬الحلة،‭ ‬وبغداد،‭ ‬والقاهرة،‭ ‬وغيرها‭. ‬

ولعدم‭ ‬الشهرة‭ ‬والانتشار،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المراكز‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬نظرة‭ ‬ثانوية،‭ ‬وذلك‭ ‬أمرٌ‭ ‬يمكن‭ ‬تقبّله،‭ ‬وتلمّس‭ ‬العذر‭ ‬للقائلين‭ ‬به؛‭ ‬فالمدارس‭ ‬المركزية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفوز‭ ‬غالبًا‭ ‬بأكبر‭ ‬الأساتذة،‭ ‬وأشهرهم‭ ‬صيتًا،‭ ‬وإليهم‭ ‬يشدّ‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬رحالهم،‭ ‬وقد‭ ‬أبرزت‭ ‬الرسالة،‭ ‬التي‭ ‬بعث‭ ‬بها‭ (‬علماء‭ ‬العراق‭) ‬إلى‭ (‬الشيخ‭ ‬ميثم‭) ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بجلاء،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الشيخ‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم‭ – ‬‮«‬معتكفا‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬العزلة‭ ‬والخمول،‭ ‬مشتغلا‭ ‬بتحقيق‭ ‬حقائق‭ ‬الفروع‭ ‬والأصول،‭ ‬فكتب‭ ‬إليه‭ ‬فضلاء‭ ‬الحلة‭ ‬والعراق‭ ‬صحيفة،‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬عذله‭ ‬وملامته‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأخلاق،‭ ‬وقالوا‭: ‬العجب‭ ‬منك‭ ‬أنك‭ – ‬مع‭ ‬شدة‭ ‬مهارتك‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف،‭ ‬وحذاقتك‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الحقائق،‭ ‬وإبداع‭ ‬اللطائف‭ ‬–‭ ‬قاطنٌ‭ ‬في‭ ‬ظلال‭ ‬الاعتزال،‭ ‬ومخيم‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬الخمول،‭ ‬الموجب‭ ‬لخمود‭ ‬نار‭ ‬الكمال‭..‬‮»‬‭  ‬

فعلماء‭ ‬العراق‭ ‬رأوا‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬ستؤول‭ ‬إليها‭ ‬حال‭ ‬شيخ‭ ‬البحرين‭ ‬وعالمها‭ ‬يومئذٍ،‭ ‬وهي‭ (‬خمود‭ ‬نار‭ ‬كماله‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬اندثار‭ ‬ذكره‭ ‬ونسيانه،‭ ‬مع‭ ‬اعترافهم‭ ‬بشدة‭ ‬مهارته،‭ ‬وحذاقته‭ ‬في‭ ‬العلوم،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليكون‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يرضَ‭ ‬بالإقامة‭ ‬في‭ (‬زاوية‭ ‬الخمول‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬عنوا‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬البحرين،‭ ‬كما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬سياق‭ ‬الرسالة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬لتُنْعت‭ ‬بزاوية‭ ‬خمولٍ‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬المشهورة‭.‬

اشتهار‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية

يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بأنّ‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬مدينةٌ‭ ‬للشيخ‭ ‬ميثم‭ ‬البحراني،‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬بدورٍ‭ ‬خطير،‭ ‬غيّر‭ ‬به‭ ‬وجه‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬البحرانية،‭ ‬فقد‭ ‬استجاب‭ ‬لرسالة‭ ‬علماء‭ ‬العراق،‭ ‬وسافر‭ ‬والتقى‭ ‬العلماء‭ ‬هناك،‭ ‬وباحثهم،‭ ‬فعرفوا‭ ‬فضله‭ ‬ومكانته،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬عليه‭ ‬كبار‭ ‬علمائهم،‭ ‬كنصير‭ ‬الدين‭ ‬الطوسي،‭ ‬المشهور‭ ‬بالخاجة،‭ ‬والحسن‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬المطهّر‭ ‬الحلي،‭ ‬المشهور‭ ‬بالعلامة،‭ ‬وغيرهما،‭ ‬فوضع‭ – ‬بسيرته‭ ‬تلك‭ – ‬اسم‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬المرموقة‭ ‬يومئذ؛‭ ‬فإنّ‭ ‬مدرسة‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬شيخها،‭ ‬لا‭ ‬غرو‭ ‬تستقطب‭ ‬أنظار‭ ‬العلماء،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬اتفقت‭ ‬‮«‬كلمة‭ ‬أئمة‭ ‬الأعصار،‭ ‬وأساطين‭ ‬الفضلاء‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأمصار،‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬بالعالم‭ ‬الرباني،‭ ‬وشهادتهم‭ ‬له‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭ ‬مثله‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الحقائق،‭ ‬وتنقيح‭ ‬المباني‭. ‬والحكيم‭ ‬الفيلسوف،‭ ‬سلطان‭ ‬المحققين،‭ ‬وأستاذ‭ ‬الحكماء‭ ‬والمتكلمين،‭ ‬نصير‭ ‬الملة‭ ‬والدين،‭ ‬محمد‭ ‬الطوسي،‭ ‬شهد‭ ‬له‭ ‬بالتبحر‭ ‬في‭ ‬الحكمة‭ ‬والكلام‮»‬‭ .‬

وتأسيسًا‭ ‬على‭ ‬السمعة‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬يومئذ،‭ ‬صار‭ ‬العلماء‭ ‬يفدون‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬أو‭ ‬يراسلون‭ ‬علماءها،‭ ‬ويباحثونهم‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬العلمية‭ ‬المختلفة،‭ ‬كالشيخ‭ ‬حسين‭ ‬بن‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬الجباعي‭ ‬العاملي‭ ‬الحارثي،‭ ‬والد‭ ‬الشيخ‭ ‬البهائي،‭ ‬الذي‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وبقي‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬مشتغلا‭ ‬بالتدريس‭ ‬والتصنيف،‭ ‬والعبادة،‭ ‬والتأليف‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬المُصَلَّى،‭ ‬من‭ ‬توابع‭ ‬بلادنا‭ ‬بلاد‭ ‬القديم،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬توفي‭ ‬بها‭ ‬لثمان‭ ‬خلون‭ ‬من‭ ‬ربيع‭ ‬الأول‭ ‬سنة‭ ‬984ه‭/ ‬1576م‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬رسالةً‭ ‬إلى‭ ‬ولده،‭ ‬المعروف‭ ‬بالشيخ‭ ‬البهائي،‭ ‬يحرّضه‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬بلاد‭ ‬العجم،‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬كنتَ‭ ‬تريد‭ ‬الدنيا‭ ‬فاذهب‭ ‬إلى‭ ‬الهند،‭ ‬وإذا‭ ‬كنتَ‭ ‬تريد‭ ‬الآخرة‭ ‬فاذهب‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وإن‭ ‬كنتَ‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬الدنيا‭ ‬ولا‭ ‬الآخرة‭ ‬فتوطّن‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العجم‮»‬‭.‬

ولسنا‭ ‬معنيين‭ – ‬هنا‭ – ‬بالأسباب‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬هجرة‭ ‬الشيخ‭ ‬العاملي‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وتركه‭ ‬بلاد‭ ‬فارس،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قربه‭ ‬من‭ ‬الشاه‭ ‬طهماسب‭ ‬الصفوي،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تبوُّئه‭ ‬منصب‭ ‬شيخ‭ ‬الإسلام‭ ‬فيها،‭ ‬وإنّما‭ ‬يعنينا‭ ‬اختياره‭ ‬البحرين،‭ ‬دون‭ ‬سواها؛‭ ‬إذ‭ ‬آثرها‭ ‬على‭ ‬المراكز‭ ‬العلمية‭ ‬الشيعية‭ ‬المعروفة‭ ‬يومذاك،‭ ‬كالنجف‭ ‬والحلة،‭ ‬ولسنا‭ ‬نرى‭ ‬علّة‭ ‬لذلك‭ ‬سوى‭ ‬معرفته‭ ‬بالعدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬والمتقدّمين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد؛‭ ‬ممّا‭ ‬أسس‭ ‬جوًّا‭ ‬علميًّا‭ ‬متعمّقًا،‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬شدّ‭ ‬انتباه‭ ‬الشيخ‭ ‬العاملي‭.    ‬

وكذلك‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬‮«‬الفقيه‭ ‬العلامة‭ ‬الشيخ‭ ‬مفلح‭ ‬بن‭ ‬حسن‭ ‬الصيمري،‭ ‬وأصله‭ ‬من‭ ‬صيمر،‭ ‬وانتقل‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وسكن‭ ‬قرية‭ ‬سلماباد،‭ ‬وله‭ ‬التصانيف‭ ‬الفائقة‭ ‬المليحة‭..‬‮»‬،‭ ‬وغيرهما‭.‬

كما‭ ‬أَوْلَى‭ ‬علماء‭ ‬العراق‭ ‬وغيرها‭ ‬التراث‭ ‬العلمي‭ ‬البحراني‭ ‬رعاية‭ ‬واهتماما،‭ ‬فبدأوا‭ ‬يشرحون‭ ‬ذلك‭ ‬التراث،‭ ‬أو‭ ‬يعلقون‭ ‬عليه،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الخاجة‭ ‬نصير‭ ‬الدين‭ ‬الطوسي‭ (‬672ه‭/ ‬1273م‭) ‬حين‭ ‬شرح‭ (‬رسالة‭ ‬العلم‭) ‬للمتكلم‭ ‬البحراني‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬سعادة،‭ ‬وأثنى‭ ‬على‭ ‬مؤلفها‭ ‬ثناءً‭ ‬عظيمًا،‭ ‬كما‭  ‬سنشير‭ ‬إليه‭ ‬عند‭ ‬دراستنا‭ ‬علم‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭. ‬

وقد‭ ‬برزت‭ ‬–‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثم‭ – ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬ظاهرة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬البحرانية،‭ ‬لكنّ‭ ‬وتيرتها‭ ‬شرعت‭ ‬تزداد،‭ ‬أعني‭ ‬ظاهرة‭ ‬ابتعاث‭ ‬طلبة‭ ‬العلم؛‭ ‬للأخذ‭ ‬عن‭ ‬علماء‭ ‬العراق‭ ‬وغيرها،‭ ‬‭ ‬حيث‭ ‬يلبث‭ ‬أولئك‭ ‬المبتعثون‭ ‬مدة‭ ‬ثم‭ ‬يعودون؛‭ ‬ليتولوا‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬أُشير‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬واحدٍ‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬المعروفين،‭ ‬أعني‭ ‬الشيخ‭ ‬اللغوي‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭ ‬البحراني‭ (‬605ه‭/ ‬1208م‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬قرأ‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وأقام‭ ‬بها‭ ‬مدة،‭ ‬ثم‭ ‬رجع‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬واستمرت‭ ‬الظاهرة،‭ ‬فرحل‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬المتوّج‭ (‬820ه‭/ ‬1417م‭)‬،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬العلامة‭ ‬فخر‭ ‬الدين‭ ‬الحلّي‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الحلة‭ ‬السيفية،‭ ‬ثمّ‭ ‬‮«‬رجع‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬الغاية‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬وغيرها‮»‬‭. ‬حتّى‭ ‬وصفه‭ ‬ابن‭ ‬أبي‭ ‬جمهور‭ ‬الأحسائي،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬عوالي‭ ‬اللآلي‭) ‬بـ‭ ‬‮«‬شيخ‭ ‬الإمامية‭ ‬في‭ ‬وقته‮»‬،‭ ‬وبـ‭ ‬‮«‬خاتمة‭ ‬المجتهدين،‭ ‬المنتشرة‭ ‬فتاويه‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬العالمين‮»‬‭. ‬

وبدهي‭ ‬أن‭ ‬تتوثق‭ ‬الصلات‭ ‬حينئذ‭ ‬بين‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬والمدارس‭ ‬التي‭ ‬ابتُعِثَ‭ ‬إليها‭ ‬الطلاب،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬برهنوا‭ ‬لأساتذتهم‭ ‬وزملائهم‭ ‬على‭ ‬مستواهم‭ ‬العلمي‭ ‬البارز،‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬مستغربًا‭ ‬البتة‭ ‬إذا‭ ‬تولى‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬مهامّ‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬المعروف‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬السيد‭ ‬ماجد‭ ‬بن‭ ‬السيد‭ ‬هاشم‭ ‬الصادقي‭ (‬1028ه‭/ ‬1618م‭)‬،‭ ‬فهو‭ ‬‮«‬أول‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬علم‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬العلم‭ ‬شيراز‭ ‬المحروسة،‭ ‬وله‭ ‬مع‭ ‬علمائها‭ ‬مجالس‭ ‬عديدة،‭ ‬ومقامات‭ ‬مشهورة‭.‬‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬يتولّى‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬المناصب‭ ‬القيادية‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬وغيره،‭ ‬حتى‭ ‬خارج‭ ‬البحرين،‭ ‬وهو‭ ‬المعروف‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الكرزكاني‭ ‬البحراني‭ (‬1098ه‭/ ‬1686م‭) ‬الذي‭ ‬ارتحل‭ ‬إلى‭ ‬شيراز،‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬انتهت‭ ‬إليه‭ ‬رئاسة‭ ‬البلاد‭ ‬المذكورة‭ [‬أي‭ ‬شيراز‭] ‬وقام‭ ‬بالأمر‭ ‬بالمعروف،‭ ‬والنهي‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬فيها‭ ‬أحسن‭ ‬قيام،‭ ‬وانقادت‭ ‬إليه‭ ‬حكّامها،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬رعيتها؛‭ ‬لفضله‭ ‬وتقواه،‭ ‬ونشر‭ ‬العلوم‭ ‬والتدريس‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬يوجد‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬شيراز‭ ‬إلا‭ ‬وعليه‭ ‬تبليغه‭ ‬بالمقابلة‭ ‬عليه‮»‬‭.‬

القرى‭ ‬والمدن‭ ‬العلمية

انتشرت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬فكان‭ ‬الطلاب‭ ‬يشدون‭ ‬رحالهم‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬البلاد،‭ ‬وقد‭ ‬اشتهرت‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬بوصفها‭ ‬أماكن‭ ‬علمية؛‭ ‬لكثرة‭ ‬المدارس‭ ‬فيها،‭ ‬فلا‭ ‬غرو‭ ‬إن‭ ‬لفتت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أنظار‭ ‬الباحثين‭ ‬فوثقوها،‭ ‬لكنّ‭ ‬توثيق‭ ‬بعضهم‭ ‬ذاك‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬التحرير،‭ ‬فقد‭ ‬شابهُ‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخلط،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ناشئًا‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التتبع،‭ ‬أو‭ ‬الانخداع‭ ‬بألقاب‭ ‬مشاهير‭ ‬العلماء‭ ‬المنسوبين‭ ‬إلى‭ ‬مدنهم‭ ‬وقراهم،‭ ‬ومن‭ ‬أولئك‭ ‬الباحثين‭ (‬وليد‭ ‬خالص‭) ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬ورقة‭ ‬بعنوان‭ ‬كمال‭ ‬الدين‭ ‬ميثم‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬البحراني،‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬الازدهار‭ ‬العلمي‭ ‬الواسع‭ ‬أدّى‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬اشتهار‭ ‬قرى‭ ‬بعينها‭ ‬بالعلم،‭ ‬ونسبة‭ ‬علماء‭ ‬كثيرين‭ ‬إليها،‭ ‬وتميزت‭ ‬بيوتات‭ ‬وأسر‭ ‬به‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬فمن‭ ‬القرى‭ ‬العلمية‭: ‬بلاد‭ ‬القديم،‭ ‬وجدحفص،‭ ‬وسترة،‭ ‬وسماهيج،‭ ‬والماحوز،‭ ‬والمنامة،‭ ‬وهلتا،‭ ‬والغريفة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‮»‬‭. ‬وممن‭ ‬عدّدوا‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬العلمية‭ ‬الباحث‭ ‬البحراني‭ ‬سالم‭ ‬النويدري،‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬في‭ ‬موسوعته‭ (‬أعلام‭ ‬الثقافة‭) ‬لذلك‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬عُرِفَت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬السابقة‭ ‬بمدارسها‭ ‬الدينية،‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬البحرين‭ ‬ومدنها،‭ ‬كالماحوز،‭ ‬وأبي‭ ‬أصبع،‭ ‬والشاخورة،‭ ‬والقدم،‭ ‬وبوري،‭ ‬وسترة،‭ ‬والمنامة،‭ ‬والمحرق‮»‬‭.‬

والحقّ‭ ‬أن‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬وكتب‭ ‬التراجم‭ ‬التي‭ ‬ترجمت‭ ‬لعلماء‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬التي‭ ‬ذكرها‭ ‬هذان‭ ‬الباحثان،‭ ‬فلم‭ ‬يُعْرَف‭ ‬وجود‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المحرق،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬هلتا،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الغريفة،‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬المدرسة‭ ‬بوصفها‭ ‬مجمعًا‭ ‬علميًّا،‭ ‬يقصده‭ ‬الطلاب؛‭ ‬ليجلسوا‭ ‬إلى‭ ‬الأستاذ‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬كما‭ ‬حددناه‭ ‬سابقًا،‭ ‬أمّا‭ ‬إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬الكتاتيب‭ ‬فلا‭ ‬تكاد‭ ‬قرية‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كتّاب،‭ ‬فلا‭ ‬وجه‭ ‬إذن‭ ‬لتخصيص‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬أو‭ ‬المدن‭.   ‬

ولخلو‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬واشتهار‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬بها،‭ ‬وجدنا‭ ‬العلماء‭ ‬المشهورين‭ ‬يرحلون‭ ‬عن‭ ‬بلدانهم؛‭ ‬ليواصلوا‭ ‬مشوارهم‭ ‬العلمي،‭ ‬فيدرسون،‭ ‬ويزاولون‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬المشهورة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬المعروف‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬السماهيجي،‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬بلاده‭ (‬سماهيج‭)‬،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ ‬في‭ ‬قريته‭ (‬الماحوز‭)‬،‭ ‬ولمّا‭ ‬اشتدّ‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬عوده،‭ ‬صار‭ ‬مدرّسًا‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ (‬بوري‭)‬،‭ ‬و‭(‬القدم‭)‬،‭ ‬و‭(‬أبي‭ ‬أصبع‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬نصّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بصراحة‭ ‬في‭ ‬إجازته‭ ‬المبسوطة‭ ‬للجارودي،‭ ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬أنّ‭ ‬الجارودي‭ ‬‮«‬قد‭ ‬سمع‭ ‬مني‭ – ‬وقت‭ ‬مهاجرته‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬حميت‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬واليها‭ ‬عن‭ ‬الحين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بمدرستي‭ (‬بوري‭) ‬و‭(‬القدم‭) ‬صانهما‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬العدم‭ – ‬جملةً‭ ‬وافرة‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬الحديث‭ ‬وقت‭ ‬الدرس‭ ‬بقراءة‭ ‬الغير‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الكافي‭ ‬أصولا‭ ‬وفروعًا،‭ ‬والتهذيب‭ …. ‬وشيئًا‭ ‬من‭ ‬الفقه‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الشرائع،‭ ‬وشرحيه‭: ‬المدارك‭ ‬والمسالك،‭ ‬والإرشاد،‭ ‬والمختلف‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬أبي‭ ‬أصبع‮»‬‭.‬

ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الشيخ‭ ‬السماهيجي،‭ ‬قد‭ ‬عاد‭ ‬بعد‭ ‬رحلته‭ ‬العلمية‭ ‬تلك‭ ‬إلى‭ (‬سماهيج‭) ‬مسقط‭ ‬رأسه،‭ ‬وأسس‭ ‬فيها‭ ‬مدرسة،‭ ‬كما‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬إشارة‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬المبارك‭ (‬1399ه‭/ ‬1978م‭) ‬إليها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬حاضر‭ ‬البحرين‭)‬‭.‬

والمعروف‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭) ‬أنه‭ ‬هاجر‭ ‬من‭ (‬الدراز‭) ‬مسقط‭ ‬رأسه؛‭ ‬ليلتحق‭ ‬بمدرسة‭ (‬الشاخورة‭) ‬طالبًا‭ ‬فيها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬شيخها،‭ ‬بل‭ ‬شيخ‭ ‬البحرين‭ ‬الأكبر‭.‬

وقد‭ ‬ذكر‭ ‬السماهيجي‭ ‬في‭ ‬إجازته‭ ‬مدرسة‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬مدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬داود‭ ‬الجزائري‭ ‬البحراني،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬كتب‭ ‬كتبًا‭ ‬كثيرة‭ ‬بيده‭ ‬المباركة،‭ ‬ووقفها‭ ‬مع‭ ‬كتبٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬بخطّه‭ ‬وخطّ‭ ‬غيره،‭ ‬تقرب‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬مئة‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬ببيته‭ ‬بالجزيرة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬نصّ‭ ‬السماهيجي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المشهور‭ (‬منية‭ ‬الممارسين‭) ‬على‭ ‬تلقّي‭ ‬أستاذه‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ (‬الحجر‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬بعض‭ ‬مدارس‭ (‬جدحفص‭)‬،‭ ‬ومنها‭ ‬مدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬داود‭ ‬بن‭ ‬شافيز،‭ ‬فإنّ‭ ‬‮«‬مدرسته‭ ‬هي‭ ‬المسجد‭ ‬المسمّى‭ ‬بمدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬داود،‭ ‬الشائع‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬عوامّ‭ ‬عصرنا‭ ‬بمدرسة‭ ‬العريبي‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬مدارس‭ ‬جدحفص‭ (‬مسجد‭ ‬السدرة‭) ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬العلامة‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬كمال‭ ‬الدين‭ (‬1091ه‭/ ‬1680م‭) ‬بأنه‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬العلم،‭ ‬ومجمع‭ ‬أولي‭ ‬الفضل‭ ‬والحلم‮»‬‭.‬

أمّا‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬المبارك‭ ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ (‬فاران‭)‬،‭ ‬نسبها‭ ‬للشيخ‭ ‬محمد‭ ‬الفاراني،‭ ‬ومدرسة‭ ‬في‭ (‬عالي‭)‬،‭ ‬ولم‭ ‬ينسبها‭ ‬لأحد،‭ ‬وثالثةً‭ ‬في‭ ‬كرزكان،‭ ‬قال‭ ‬إنّه‭ ‬رأى‭ ‬آثارها،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬مدرسةٍ‭ ‬في‭ (‬سَبْسَب‭) ‬خربت‭ ‬بخراب‭ ‬القرية‭.‬

وقد‭ ‬خلّد‭ ‬الأدباء‭ ‬البحرانيون‭ ‬أسماء‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬العلمية،‭ ‬التي‭ ‬استمرّ‭ ‬عطاؤها‭ ‬حتى‭ ‬وقتٍ‭ ‬متأخر‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬الهجري،‭ ‬ومن‭ ‬أولئك‭ ‬الأدباء‭ ‬الشاعر‭ ‬السيد‭ ‬خليل‭ ‬الجدحفصي‭ (‬1310ه‭/ ‬1892م‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬قال‭:‬

يا أبا أصبعٍ نعمتِ صباحًا     حيثُ كنتِ المحلَّ للأخيارِ

وسموتِ على قرايا أوالٍ       بسماحٍ ورفعةٍ وفخارِ

وكمالٍ وعزّةٍ وجلالٍ            وبهاءٍ وعفّةٍ ووقارِ

وعلومٍ وحكمةٍ وصلاحٍ        وانتصارٍ للدينِ واستنصارِ

كم تقيٍّ مهذّبٍ أريحيٍّ            طاهر الفرعِ فيكِ زاكي النجار

ما حوت مثلكِ المفاخر إلا       جدّحفصٍ لا نجدُ أو ذو قارِ

والديار التي تقاصر عمّا         قد حوته ذو النثر والأشعار

توبليٌّ لا أبعد الله عنّي            توبليًّا وليت كانت جواري

ما أرى غير ذي الثلاث ديارًا       منبع العلم معدن الأبرار

فعليها الصلاة تترى متى ما     قد تجلّت للناس شمس النهار

ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬نالت‭ ‬شهرة‭ ‬فاقت‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المدارس،‭ ‬فتحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬مركزية؛‭ ‬إما‭ ‬لوقوعها‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬البلاد‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬لوجود‭ ‬المرجع‭ ‬الديني‭ ‬للبلاد‭ ‬فيها،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أشهر‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬مدرسة‭ (‬البلاد‭ ‬القديم‭) ‬التي‭ ‬اتّخذت‭ ‬من‭ ‬مسجدها‭ ‬المعروف‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بـ‭(‬المشهد‭ ‬ذي‭ ‬المنارتين‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬يعرفه‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭ ‬بـ‭(‬مسجد‭ ‬الخميس‭) ‬مقرًّا‭ ‬لها،‭ ‬بوصفها‭ ‬المدرسة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وفيها‭ ‬تقام‭ ‬مراسم‭ ‬تقليد‭ ‬القضاء‭ ‬وغيره،‭ ‬فلمّا‭ ‬قُلّد‭ ‬السيد‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬السيد‭ ‬عبد‭ ‬الرءوف‭ ‬الموسوي‭ ‬القضاء،‭ ‬والأمور‭ ‬الحسبية‭ ‬‮«‬أُفْرِغت‭ ‬عليه‭ ‬الخِلَع‭ ‬من‭ ‬الديوان،‭ ‬وذلك‭ ‬بالمشهد‭ ‬المعروف‭ ‬بذي‭ ‬المنارتين،‭ ‬من‭ ‬أوال‭ ‬البحرين،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ثالث‭ ‬عشر‭ ‬شهر‭ ‬صفر‭ ‬السنة‭ ‬السادسة‭ ‬بعد‭ ‬الألف‮»‬‭ .‬

ولأهمية‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة،‭ ‬يُنْقَل‭ ‬من‭ ‬يعيَّن‭ ‬في‭ ‬منصب‭ ‬مشيخة‭ ‬الإسلام‭ ‬إليها،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬البلاد‭ ‬القديم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وجدناه‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬سكن‭ ‬البلاد‭ ‬القديم،‭ ‬وبها‭ ‬توفي،‭ ‬وكان‭ ‬الأكثر‭ ‬إذا‭ ‬انتهت‭ ‬الرئاسة‭ ‬لأحد‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أهل‭ ‬البلاد‭ ‬القديم،‭ ‬ينقله‭ ‬أهل‭ ‬البلاد‭ ‬إليها؛‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬هي‭ ‬عمدة‭ ‬البحرين،‭ ‬ومسكن‭ ‬الملوك‭ ‬والتجّار،‭ ‬والعلماء‭ ‬وذوي‭ ‬الأقدار‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة،‭ ‬حين‭ ‬حاقت‭ ‬بالبلاد‭ ‬القديم‭ ‬الأخطار،‭ ‬وصار‭ ‬تركيز‭ ‬الغزوات‭ ‬عليها،‭ ‬بوصفها‭ ‬عاصمة‭ ‬البحرين‭ ‬السياسية،‭ ‬تخلّت‭ ‬مدرسة‭ (‬البلاد‭ ‬القديم‭) ‬عن‭ ‬ريادتها،‭ ‬وحلّت‭ ‬محلّها‭ ‬مدرسة‭ (‬الشاخورة‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬حين‭ ‬جعل‭ ‬المرجع‭ ‬الديني‭ ‬الأكبر‭ ‬يومذاك،‭ ‬أعني‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭) ‬من‭ ‬بيته‭ ‬مقرًّا‭ ‬لتلك‭ ‬المدرسة،‭ ‬وقد‭ ‬اجتمع‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬جماعة‭ ‬كثيرة،‭ ‬يطول‭ ‬ذكرهم‭… ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬وقبله‭ ‬عامرةً‭ ‬بالعلماء‭ ‬الأعلام‭ ‬الأنجاب،‭ ‬والمشتغلين‭ ‬والطلاب،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬الكثيرة‭ ‬والخراب‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬تخرّج‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬هذه‭ ‬عدد‭ ‬كبيرٌ‭ ‬من‭ ‬العلماء،‭ ‬أحصى‭ ‬فاضل‭ ‬الزاكي‭ ‬منهم‭ ‬ثلاثين‭ ‬واثنين،‭ ‬شارك‭ ‬جلّهم‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية‭ ‬بما‭ ‬صنّفوا‭ ‬من‭ ‬كتبٍ‭ ‬ورسائل‭ ‬في‭ ‬صنوف‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭. ‬

وبعد‭ ‬مقتل‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ ‬سنة‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭)‬،‭ ‬واضطرار‭ ‬الفقهاء‭ ‬من‭ ‬أولاده‭ ‬وغيرهم‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬البحرين،‭ ‬نقل‭ ‬تلميذه‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الستري‭ (‬1267ه‭/ ‬1850م‭) ‬المدرسة‭ ‬المركزية‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ (‬الخارجية‭) ‬في‭ ‬سترة؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الستري‭ ‬يومئذٍ‭ ‬عالم‭ ‬البحرين‭ ‬الأبرز،‭ ‬وشيخها‭ ‬الأكبر،‭ ‬فاجتمع‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭.