الأخبار

ساحات على مقاسات أحلامنا

محمد ناصر*

انطلقت فكرة هذا المشروع بعد أيامٍ من هجوم قوات الأمن البحرينية على ساحة الفداء؛ الحدث الذي فرض أهمية حفظ وتوثيق وأرشفة التجاوزات والتغييرات التي طرأت على الساحة. ولأن الساحة هي فضاءٌ مكاني، كان خيار مركز أوال للدراسات والتوثيق[1] بأن نتجه الى تدوين ذاكرة المكان التي تحتل حيزاً من اهتمامات المركز البحثية والتوثيقية. فبعد تجربة تدوين قصص الجدات ومعلمات القرآن واصدار مجلة أرشيفو[2] المتخصّصة بحفظ الاعمال الأرشيفية من مهن وحرف وصور، يسعى أوال ان يكون بيتاً للذاكرة، يحكي قصص التاريخ المفقود ويجعله شاخصاً أمامنا.

والغوص في ذاكرة المكان له متعة خاصة اذ انها تنزع من الاماكن جموديتها وتضخ فيها النبض لتسرد قصتها بلسان من سكنها وتجوّل في أرجائها. فكيف اذا كان المكان عبارة عن ساحة عامة؟ قد يرى البعض ان وظيفة الساحات الاساسية تكمن في كونها مساحات ضرورية في المدن لتوزيع حركة السير وتقاطعات الشوارع، لكنها سرعان ما تطورت لتحمل أسماء محطات سياسية واجتماعية، وغدت تشكل إرث هذه المدن وذاكرتها. فهل لكم ان تتصوروا بيروت، على سبيل المثال، من دون ساحة الشهداء وتمثال المرأة التي تحمل مشعل حرية وتحضن شهيدًا يظهر من خلفها وآخر سقط أرضًا (من نحت الفنان الإيطالي مارينو مازاكوراتي)؟ ماذا عن القاهرة وميدان التحرير الذي تزيّن زاويته مكتبة مدبولي، وساحة 14 جانفي في تونس التي يحرس جانباً منها تمثال للرئيس الحبيب بورقيبة جالسًا على حصانه، وميدان التحرير في العراق، وساحة المرجة في دمشق والسبع بحرات التي دمرتها الحرب في حلب؟

احتضنت‭ ‬‮«‬ساحة‭ ‬الفداء‮» ‬‭ ‬فعلاً‭ ‬سياسياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام

تستجلب زيارة هذه الساحات قصص من مكث فيها وحوّلها الى عريضة تحمل أفكاره ومطالبه وآماله، فتصبح ذاكرتها مزيجًا من أحداث وصور وعبارات لغوية وأحجار اسمنتية وخيم تظلّل تحتها من اراد ايصال صوته عاليًا. كما ان الاحداث التي تحصل في هذه الساحات تشكل جزءً من تاريخ الشعوب الحقيقي وغير المدون.

فماذا تكون ساحة الفداء؟ وكيف تحولت من مجرد حيّزٍ مكانيّ في قرية الدراز[3] البحرينية إلى ساحة احتضنت فعلًا سياسيًا واجتماعيًا على مدى أكثر من عام؟ في 20 حزيران من العام 2016، أعلنت المحاكم البحرينية إدانة آية الله الشيخ عيسى قاسم[4] على خلفية قضية دينية (تتعلق بفريضة الخمس)، وأسقطت السلطات جنسية سماحته. ومنذ اللحظة الأولى لانتشار هذا الخبر، بدأت القصة، وتحولت الساحة من مجرد مساحة مكانية إلى ساحة للذاكرة الجماعية، فاختزنت التفاصيل كافة من التجمهر الأول إلى تحمل حرارة الشمس القاسية في البحرين، إلى البرد القارس شتاءً والصيام في شهر رمضان وإحياء ليالي القدر والاحتفالات في الأعياد وإقامة العزاء.

هذه البقعة الجغرافية، التي أسفرت أحداثها حتى لحظة الهجوم الأخير في 23 أيار من العام 2017 عن اعتقال أكثر من ثلاثمائة شاب وارتقاء خمسة شهداء، ظلّت ولّادة وحفلت بقصص كثيرة لم تنتهِ، ولكي تكتمل عناصر الرواية، خضنا في مركز أوال للدراسات والتوثيق رحلة جمعنا فيها شهادات مرابطين عايشوا الحدث، من رجال ونساء وشباب وعلماء، جمعوا بين دراستهم ونضالهم على مدى 337 يوم.

لم يكن من اليسير بالنسبة لنا أن نجمع شهادات في بلدان مختلفة (حيث يقيم الرواة الذين عايشوا الحدث)، عبر عدد من الوسائل، وتجاوز مجموعها مائة ساعة من التسجيلات، فشكّلت نواة العمل بعد أن تمّ تفريغها. وانطلقنا في الكتاب المُكوّن من 21 شهادة، لنورده في خمسة فصول ترسم لنا قصة حماية الباب الأخير الذي يمثل كل وجودهم وانتمائهم وارتباطهم بوطنهم ومعتقداتهم في ساحة الفداء .

هذا العمل، القائم على تحويل الشهادات الشفوية إلى وثائق، يوثّق حدثًا هامًا صنعه الشعب البحريني، وهو من الأدوات التي تحفظ  قصص الشعوب وتاريخها بعيدًا عن الرواية الرسمية، الممهورة بتوقيعات وطوابع تحفظ التاريخ الرسمي الثقيل، الساعي دائمًا لنقل القصة وفقًا لسرديته الخاصة.

حماة الباب الأخير هو عمل توثيقي لحفظ ذاكرة مكانٍ قد لا تتمكن من رؤيته، لكنه يتسلل إلى روحك، فتواكب وأنت تسمع قصصه الأحداث كلها بتفاصيلها الصغيرة التي ستصبح جزءً من تاريخك. كما انها تشكّل مفصلًا هامًا، ليس في إرث هذه الساحة فقط، بل في إرث المناضلين والشعوب وساحات النضال في العالم أجمع، تلك التي تُشَكل ماضينا وتصوغ مستقبلنا.


[1]  مركز أوال للدراسات والتوثيق مؤسسة بحرينية أنشِئت في لندن في شباط / فبراير من العام 2012، وهو يُعنى بقضايا الخليج بشكل عام والبحرين بشكل خاص ويهدف إلى حفظ الذاكرة البحرينية ومواكبة الأحداث المستجدة أولًا بأول. من أبرز إصداراته  موسوعة “أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية الأصلية ١٨٢٠-١٩٧١”.

[2] مجلة أرشيفو نشرة فصلية تصدر عن مركز أوال للدراسات والتوثيق، وتُعنى بقضايا الأرشيف، وتنطلق من البحرين إلى الخليج إلى العالم العربي وخارجه. وتغطي عددًا من المجالات منها المشكلات التي تواجه الأرشيف، وطرق حفظ الأرشيف، والتعريف بأصحاب الأرشيف الأهلي ومراكز الأرشيف الرسمي، والتعريف بالمدوّنات والمواقع الإلكترونية المهتمة بالوثائق والأرشيف من بين موضوعات أخرى. صدر منها 12 عددًا حتى الآن، وهي متوفرة أيضًا بشكل رقمي على مدونة أرشيفو عبر الإنترنت.

[3] قرية الدراز من أكبر قرى البحرين إذ يتجاوز عدد سكانها 20 ألف نسمة، وهي قرية تضرب بجذورها في عمق التاريخ القديم، كما كانت في واجهة الأحداث في البحرين إذ إنها إحدى أبرز المناطق التي شهدت احتجاجات  منذ حراك 14 فبراير / شباط 2011. شكّلت  الدّراز مصدر أرق للسلطات البحرينية مع توافد البحرينيين إليها للاعتصام في ساحة الفداء منذ اللحظة الأولى لسماعهم خبر إسقاط جنسية الشيخ عيسى قاسم، وحتى الهجوم الأخير من قبل قوات الأمن البحرينية لفض الاعتصام.

[4] هو آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم من بلدة الدراز غرب العاصمة المنامة، يمتلك أكبر قاعدة شعبية في البلاد وتعتبره الغالبية الشيعية في البحرين قائدًا لها، وله  عدد من المواقف الوطنية، وهو يحظى بشعبية كبيرة في عموم الخليج  والمنطقة.  شارك آية الله قاسم كعضو في المجلس التأسيسي لوضع دستور للبحرين في العام 1971. ومع بدء قيام المجلس التأسيسي لوضع دستور دولة البحرين، ترشح له وفاز بأعلى الأصوات. وفي العام 1971، رشح نفسه للمجلس الوطني  إلى أن تم حلّه، وكان من أبرز مؤسسي جمعية التوعية الإسلامية في العام 1971. يُنظَر إليه باعتباره الأب الروحي للبحرينيين. من أبرز أقواله: ” “معركة كربلاء قائمة بطرفيها اليوم وغدًا في النّفس…في البيت…في كل ساحات الحياة والمجتمع ويبقى النّاس منقسمين إلى معسكر مع الحسين ومعسكر مع يزيد. فاختر معسكرك”.


*المدير التنفيذي لـ «مركز أوال للدراسات والتوثيق»

رابط المقال الأصلي

لتحميل المقال بصيغة PDF

تدوين التاريخ الشفهي… مقاومة لرواية السلطة

تهاني نصار*

لا يطرح «حماة الباب الأخير: شهادات من ساحة الفداء بالدّراز» سؤال الإشكالية الأهم: «ماذا عن مملكة البحرين والبحارنة؟»، وإن كان يحاول الإجابة على غيره وبوضوح. لا يعرف كثيرون خارج «الخليج» الفارق بين «البحريني والبحراني». ما يتحدّث عنه الكتاب هو «البحراني» تحديداً وقبل أي شيء. قد يسأل بعضهم عن سبب استعمالي لكلمة «بحارنة» ههنا عوضاً عن «بحرينيين/بحرينيون».

بحسب كتاب «القبيلة والدولة في البحرين» (1975) للكاتب اللبناني فؤاد إسحاق الخوري، إنّ «البحراني/ البحارنة» لها مدلول لغوي واجتماعي يرجع إلى السكان الأصليين لجزر البحرين، بينما ترمز كلمة «البحريني/البحرينيون» إلى ظهور المدينة الحديثة التي أنشأتها القبائل الغازية لجزر البحرين أواخر القرن الثامن عشر وما تلقفه آل خليفة في سيطرتهم على الجزر (يمتد تاريخ هذه القبائل إلى عدّة قبائل، لكن أبرزهم آل خليفة الذين تسيدوا المشهد السياسي).

يحاول النظام البحريني -يومياً- السيطرة على ذاكرة البلد عبر تغيير الحقائق وتأطير الأحداث، خاصة في السنوات الأخيرة التي يسعى فيها لقمع المعارضة بكل الوسائل المتاحة. من هنا تأتي المحاولات -ولو الخجولة- للحفاظ على التاريخ الشفهي في المنطقة، والتي بمعظمها -وللأسف- غربية. عربياً، يمكن الحديث عن بعض المؤسسات الفاعلة في حفظ الذاكرة الشفهية، كـ «مركز أوال للدراسات والتوثيق».

لطالما كان التاريخ لعبة الطرف المُهيمن على حيزٍ جغرافي ما. يُسْرَدُ التاريخ حسب رواية المنتصر التي قد تختلف كثيراً عن حقيقة الماضي والأحداث الحاصلة. في كتابه «الاستشراق» (1978)، يقول المفكر والمنظّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد: «إن تاريخ المنطقة يكتبه المُحتل لا الشعب الخاضع للاحتلال». تناول هذه العلاقة بين توثيق التاريخ والقوة، الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي في قوله: «التاريخ مُلكٌ للمنتصر» في مقدمته لكتاب «الفلسطينيون: من فلاحين إلى ثوار» (1979) للباحثة ورائدة التاريخ الشفهي الفلسطيني روزماري صايغ. لكن مقابل التاريخ الرسمي الذي يكتبه المسيطر على الأرض، هناك نوع من أنواع المقاومة لسكان هذه الأرض الأصليين الذين يعرفون بلادهم حق معرفة، فيرفضون رواية التاريخ الرسمية عبر تناقلهم وتوارثهم لتاريخهم الشفهي.

يعتبر التاريخ الشفهي صوت الناس الذي يجري تجاهله – عن قصد- عند كتابة التاريخ الرسمي. يروي هذا التاريخ البديل، الأحداث تبعاً للأشخاص الذين خاضوا التجربة وكانوا جزءاً أساسياً من الحدث. قد يبدو بديهياً الحديث عن أهمية التاريخ المقاوم لدى السكان الأصليين للقارة الأميركية الذين واجهوا الإبادة، أو الأفريقيين الذين تعرضوا للاحتلال والاضطهاد، أو الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني ورواياته عن تاريخ فلسطين القديم وحرب النكبة وقضم الأراضي.

«البحراني/ البحارنة» لها مدلول لغوي واجتماعي يرجع إلى السكان الأصليين

هنا يأتي دور «مركز أوال» الذي تأسّس في عام 2012 ليتخصّص في مشروع حفظ الذاكرة البحرينية (والبحرانية ضمناً، ذلك أن المركز يروي تاريخ الطرفين حكماً)، بدايةً عبر توثيق المستندات الورقية والإلكترونية، ثم توسّع ليشمل تدوين وحفظ التاريخ الشفهي لشخصيات ومناسباتٍ وأحداث بحرينية. يتيح المركز هذه الوثائق وغيرها من المواد الأرشيفية للباحثين والمتخصّصين بهدف دراستها وإنتاج معرفة جديدة تضاف إلى هذا المجال. في «حماة الباب الأخير»، يوثق المركز المواجهات التي بدأت في منتصف عام 2016 بين السلطة والمعتصمين في ساحة الفداء في منطقة الدراز؛ المنطقة التي يسكنها الشيخ عيسى قاسم، زعيم المعارضة البحرينية القوي؛ بعدما حاكمته السلطات الحاكمة وأسقطت عنه الجنسية. يروي الكتاب التصعيد العنيف الذي حصل خلال الهجوم الأخير، ما أدى إلى اعتقال مئات الشبان واستشهاد عدد منهم. ما يميّز هذا العمل هو حفظه لذاكرة الساحة كفضاء جغرافي، عبر قصص من التاريخ الشفهي لأشخاصٍ عايشوا الأحداث التي مرّت على الساحة خلال فترة زمنية تعادل السنة تقريباً.

تعتبر ساحة الفداء، بما حصل داخلها من تظاهرات ومعارك، فضاء (مكانيّاً) مقاوماً للسلطة المهيمنة، حسب ثنائية المكان والفضاء بالنسبة إلى المفكر الفرنسي ميشال دو سارتو. فهي «مكان الفعل» أو «مكانٌ مُمارس» من قبل الناس الذين حوّلوها من مجرّد مكان جامد إلى فضاء غنيّ بحركة الأشخاص المعارضين وخطاباتهم وممارساتهم الدينية والاجتماعية. بدأ الاعتصام في شهر رمضان، فكان الإفطار وتوزيع الطعام وصلاة الجماعة في الساحة. تحوّلت الساحة إلى منصّة لإحياء مناسبات دينية عدة، كاستشهاد الامام علي وإحياء ليلة القدر وقيام صلاة العيد وليالي عاشوراء. في المقابل، قامت قوات الأمن بالتضييق على المعتصمين أولاً، ثم حصارهم والاعتداء على الساحة واعتقال الشبان. لم يفوّت النظام البحريني فرصة لخرق الاعتصام وفرض سيطرته على الساحة. أطلقت قوات الأمن البحرينية الرصاص أكثر من مرة، وهاجمت بالآليات العسكرية والمدرّعات الساحة، فسقط الشهداء.

إنّ تدوين وتوثيق أحداث معركة ساحة الفداء يُسهمان في حفظ التاريخ الحديث للشعب البحريني بعيداً عن الرواية الرسمية التي يعيد تركيبها النظام الحاكم ويقدمها للإعلام وفقاً لمصالحه. كما أنّ الاهتمام بذاكرة المكان الذي يخضع لتغييرات كثيرة مع الزمن، يفتح المجال أمام دراسات مشابهة، تحمي الشعوب وتاريخها من العبث به.


*باحثة في التاريخ الشفهي الفلسطيني وأستاذة جامعية

رابط المقال الأصلي

لتحميل المقال بصيغة PDF

«مركز أوال» يوثّق ذاكرة «الدرّاز»: يوميات الغضب والفِداء

عبدالرحمن جاسم

لا يعرف كثيرون خارج البحرين، عن الوضع الحقيقي الذي مرّت ولا تزال تمرُّ به تلك البلاد الوادعة، الجالسة على كتف الخليج. يأتي كتاب «حماة الباب الأخير: شهادات من ساحة الفداء بالدرّاز» (مركز أوال للدراسات والتوثيق)؛ واحداً من تلك الأصوات القوية التي تروي ما حدث في إحدى المواجهات الحاسمة في تاريخ ذلك البلد الصغير. هو صراعٌ بين «شرعية» السلطة الحاكمة المستمدّة من عائلة إقطاعية/ ملكية تحكم بالحديد والنار، وبين معارضة اختارت السلمية كأسلوب مواجهة، على غرابة ذلك الاختيار وابتعاده عن طقوس المنطقة وفولكلورها المسلّح.

الحكاية التاريخية هي أنَّه في عام 2016، أعلنت السلطات البحرينية إسقاط الجنسية عن الشيخ عيسى قاسم المرجع الديني، والمفكر الرئيسي للثوار البحارنة، والمرشد لجمعية «الوفاق» البحرينية، المعارض الأبرز والقوي لنظام الملك حمد بن خليفة. يومها، انطلق على مدار عامٍ تقريباً، اعتصامٌ مفتوحٌ في منطقة «الدرّاز» حيث يقطن قاسم. على مدى عامٍ كامل، مارست السلطات البحرينية، جميع أنواع السلوكيات التي تشابه إلى حدٍّ كبير ــ بحسب الكتاب ـــ سلوكيات العدو الصهيوني في التعامل.

إذ يروي الكتاب بالتفصيل كيفية «حصار» الناس، والحواجز العسكرية المسلّحة، وطرق الاعتقال ووحشيتها وقسوتها التي لا تشبه سلوك الشرطة المعتاد، في التعامل مع مواطنيها: «أخرجونا من بيت الشيخ، وأمرونا بالوقوف في مواجهة الحواجز الإسمنتية التي تحيط بالبيت، وبعد وقت أمرونا أن نلتفت إلى الخلف ونقابل «الحوش». وهنا رأينا المشهد الكربلائي: الشهداء والمصابون ملقون على الأرض ودماؤهم تجري. وعلى الرغم من اصطفاف سيارات الإسعاف على طول الشارع، لم يتم إسعاف أحد من الشهداء أو المصابين. وما إن قلت نعم، حتى بدأ بصفعي على وجهي وأسناني وركلي في كل الجهات». تتوالى شهادات المشاركين والمشاهدين وحتى الشهداء في تلك المواجهات. يتناول الكتاب في فصوله الخمسة، خمس جنباتٍ للحدث: المرابطون عند الباب الأخير، المذكرات من ساحة الباب الأخير، الاقتحام الذي حدث، رجال الدين ومواقفهم (وهم بداخل الساحة وفي قلب المواجهة)، وأخيراً شهداء الباب الأخير.

تبرز في العمل الرمزية العالية واستخدام كلمة وفكرة «الباب الأخير» التي توضحها مقدمة الكتاب بلغةٍ عالية: «لماذا الباب الأخير؟ لأنه الرمز الأخير لهذا الوجود الذي انتهكت أبوابه كلها برعونة مستبدّة: باب حريته وباب حقوقه وباب عقيدته. الرمز الديني هو آخر الأبواب التي يقيم – حتى المستبد- لها وزناً ويتجنّب الاصطدام المباشر بها. ظنّ البحرينيون أن السلطات لن تتجرأ على هتك هذا الباب الأخير بما يمثله من رمزية خاصة». المهارة نفسها في استخدام «قوة الرمز» وسحره من خلال العناوين الفرعية في الكتاب. ففي كل فصلٍ، نجد عناوينَ تشدّ القارئ. مثلاً، نجد «الشهيد محمد كاظم زين الدين: رائحة العطر الأخير» أو «محمود عطية: يوميات الحرّ والبرد والمطر والمداهمات والوفاء والذاكرة الثرية»، «الشهيد محمد الساري: وهل أوثق من سبب بينك وبين الله»، أو «الشهيد محمد العكري: أمسك الباب»، الجملة التي تذكّر بجملة hold the door من مسلسل «صراع العروش» الشهير؛ وهذه المهارة تذكّر بـ«صنعة» تقديم صورةٍ متكاملة، مرئية، بصرية، مكتوبة بحرفةٍ عالية.

في عام 2016، أعلنت السلطة إسقاط الجنسية عن الشيخ عيسى قاسم، ما أدّى إلى اعتصام سلمي مفتوح قوبل بالعنف

إحدى نقاط قوّة الكتاب أيضاً، أنه يسجل بدقة ما يرويه الشهود لما حدث يومها، فيصبح القارئ، جزءاً من المواجهة. هناك حرفة التصوير العالية للمشهدية: «خلف مبنى جمعية التوعية الإسلامية، يوجد مدخلٌ بسيطٌ محاصر بأسلاك شائكة وحواجز إسمنتية؛ وقبله بأمتار، وُضعت نقطة أمنية، وبعده بأمتار، تمركزت سيارة أمن، فكان الدخول من خلاله مجازفة، على مستوى السلامة الشخصية لأنه قد يتعرض لجروح أو غيرها، وكذلك على مستوى الوضع الأمني، لأنه قد يتعرض للاعتقال». إذاً هو تصويرٌ متكامل، كما لو أننا أمام شريطٍ سينمائي. هذا النوع من التسجيل قلّما نجده في كتابٍ عربي، إلا في بعض كتاب تسجيل «الذاكرة الشفهية» للشعوب، وهي قليلةُ للأسف. يروي الكتاب في تلك الفصول ما يمكن اعتباره، واحدةً من التجارب الرئيسية للثورة البحرينية، ويقدّم نوعاً من «القراءة» الخاصة ليس لما حدث فحسب، بل أيضاً لطريقة تفكير وسلوك تلك المعارضة «السلمية» لربما الوحيدة في العالم العربي.

طبعاً واحدة من نقاط الانتقاد الرئيسية للكتاب، أنه ليس موجّهاً إلى القارئ العربي عموماً، بل هو نوع من «حفظ الذاكرة» أو «الحوار» الداخلي بين المعارضين البحارنة أنفسهم. مثلاً ليس في مقدمته أي «شرح تفصيلي» لما حدث في تلك المواجهات. صحيحٌ أن هناك ملحقاً في ختام الكتاب يفصّل تقريباً باليوم أحداث تلك السنة، لكنه يبدو موجهاً إلى جمهورٍ معين مرتبط بمحورٍ معين. إذ تجاهل المواقف «العالمية» واكتفى بجانبٍ وإطار محدديْن (كرجال الدين الشيعة المعروفين، أو مواقف محور المقاومة مما يحدث). ضرورة حضور «الملخص التاريخي» رئيسية، خصوصاً لمن لا يعرف تاريخ البحرين الحديث وما يحدث فيه هذه الأيام خارج رواية السلطة البحرينية الحاكمة، وهم كُثر للغاية. كانت مقدمةٌ أولى تشرح البعد التاريخي، السياسي، والجغرافي لما يحدث لتحلّ هذه المشكلة.
في المحصّلة، هو كتابٌ شديد الأهمية لقارئ يريد أن يعرف ما حدث لـ «إحدى أكثر الثورات سلمية في التاريخ المعاصر».


رابط المقال الأصلي

لتحميل المقال بصيغة PDF

علي الديري يطرح سؤال بريطانيا الكبير العام 1923: من هو البحريني؟

صالح شهاب

رغم كون علي الديري أحد من نالهم انتقام إسقاط الجنسية من السلطات الحاكمة، فإنّه لم يدر فرضيّة كتابه الجديد «من هو البحريني» حول الهويات والأصول، ولا السكّان الأصليين، رغم سهولة تقديم طرح كهذا، ورغم وجود بيئة خصبة لتلقيه وليثير فيها جدلاً لم يهدأ يوماً.

يقوم كتاب «من هو البحريني؟» على فهم الأساس التاريخي الذي ولد منه «البحريني» المعترف به من «الدولة» والقوى الكبرى في العالم، ومعرفة سياقاته امتداداته ومآلاته. سيكون مخاض هذه الولادة، وتجاوزها لعقدة «الاعتراف»، والتوافق التاريخي عليها بين الجماعات السياسية برعاية السلطة البريطانية، المدخل التلقائي لقراءة تاريخ تأسيس الدولة في البحرين؛ الدولة التي شكّلت في وجهها الحديث بعد عزل البريطانيين حاكم البحرين عيسى بن علي في العام 1923، الإطارَ الجامع الذي أمكن أن يولد هذا البحريني تحت قبّته.

سؤال الهوية والوجود

من أنت؟ وماذا لك في هذا البلد؟ وما صفة وجودك فيها؟ ومن يحكمه؟ وإلى أي عدالة يجب أن تخضع؟ حتى العام 1923، وفي ظل ما سمّاه المقيم السياسي البريطاني «نظام اللا حكم»، لم يكن لهذه الأسئلة أي إجابات، فطرحت بريطانيا سؤالها الأساسي الكبير: من هو البحريني؟ قد يكون سؤال مثل هذا غريباً جداً على أي أمّة، حتى لو كانت تحت نير الاستعمار الذي ربما لم يكن يحاول إلا تنظيم أموره ومصالحه فيها، لكنّه، في البحرين، كان واقعاً وحقيقة اعترف بها الكلّ. جماعات كثيرة ومنقسمة، هويّات متعدّدة، طبقات من الشيوخ والأتباع والمسخّرين، والأهم حكم غير منظّم لا يعترف إلا بأتباع الشيخ، ونار تحت الرماد. جعلت هذه الفوضى سؤال «من هو البحريني؟» شائكاً ومعقّداً ومركّباً على سلطة استعمارية مثل بريطانيا.
لماذا شكّلت مهمّة تعريف البحريني أوّل أساسات الدولة الحديثة وأسئلتها؟ وكيف كان شكل الدولة ومستقبلها بحسب ما رسمه البريطانيون؟ إلى أين انتهى هذا التعريف حينئذ؟ وماذا تمخّض عنه من تحوّل تاريخي كبير؟ ولماذا تملي علينا اللحظة التي نعيشها اليوم، وهي لحظة يوشك فيها مفهوم البحريني أن يفقد معناه الوجودي والتاريخي، أن نعرف كلّ ذلك؟
لماذا كانت تلك الدولة قبل مائة عام أكثر حداثةً وتقدّماً من شكل الدولة اليوم؟ و«لماذا بات يسهل اليوم كسر المواطَنة البحرينية؟»، أين تلك الدولة التي أسّس لها البريطانيون بالقوّة والهيمنة؟ وأين ذهبت وعودها والخط التاريخي المرسوم لها في وثائقهم كنموذج للخليج؟ كيف نظّر البريطانيون لأطروحة المملكة الدستورية منذ نهاية العشرينيات؟ وكيف تم القضاء على هذه الأحلام حين كانت «رغبة المُلك أكبر من رغبة المملكة»؟ كما يقول الكاتب.

قراءة في التاريخ البحرينيّ

تقوم فرضيّة الكتاب على أن مشكلة البحرين التاريخية التي بلغت حد عدم «الاعتراف» بالبحريني، هي أن الدولة لم «تستقلّ» بشخصيتها عن شخص الحاكم، و«ظلَّ هذا الحاكم يقاوم استقلال الدولة، ورفض جميع محاولات إصلاح الدولة من 1904 حتى تمّ عزله في 1923، وأراد أن يكون شخصه الطرف المهيمن في كل شيء». يقدّم الديري قراءة روائية لأحداث الربع الأول من القرن العشرين، ويعيد سردها بشكل ممتع، معتمداً في الأساس على روايات تاريخية تخرج إلى النور للمرة الأولى عن أرشيف الوثائق البريطانية. كان البريطانيون يسجّلون كل شيء، بما فيه حركة عصا الشيخ وفداويته.
فضلاً عن الأرشيف، يعضد الكتاب روايته المتماسكة بكتابين لمؤرّخين عاصرا تلك المرحلة، وكان لأحدهما دور فيها، وهما: ناصر الخيري، صاحب كتاب «قلائد النحرين في تاريخ البحرين»، ومحمد علي التاجر صاحب كتاب «عقد اللآل في تاريخ أوال».
إنَّ الخوض في مواضيع الكتاب لن يكفّ عن إذهال القارئ الذي سيظل يتساءل عن العلاقة بين كل هذه المواضيع وسؤال الكتاب، وهو ما يفكّك الصورة الغريبة التي انعطف بها تاريخ البحرين الحديث في العام 1923، فكيف انبثق كل ما بُني في العشرينات من هذا السؤال تحديداً؟ وكيف تحوّل هذا السؤال إلى سؤال السياسة والجغرافيا والحكم؟
«لم يكن مطروحاً على هؤلاء الذين يعيشون على أرض البحرين فعلاً سؤال «من هو البحريني؟»… في تلك الفترة، لم يكن هناك قانون، ولو كان شكلياً… كان هناك نظام سخرة، تمايزات بين من ينتمي إلى قبيلة وبين من لا ينتمي إلى قبيلة، تمايزات بين من ينتمي إلى جنسية أجنبية وبين المحلي».
مستغلّةً تململ السلطات البريطانية من طريقة إدارة حاكم البلاد، ومحاولاتها السيطرة على الأوضاع والحفاظ على مصالحها، بعد حوادث العام 1904، «خاضت القوى الاجتماعية صراعات ليكون هناك قانون، ولتنشأ عدالة، ولكي يتم الاعتراف بأبناء الوطن بشراً متساوين».
لم يكن هناك حراك واحد تمخّضت عنه نتيجة واحدة. كانت أحداث مركّبة جداً امتدت لأكثر من 30 عاماً وتقاطعت فيها العديد من الظروف. خلال ذلك الوقت، تحرك البريطانيون على أكثر من صعيد، بل وأصدر التاج البريطاني بنفسه مرسوماً مفصلاً خاصاً بالبحرين: مرسوم البحرين الملكي 1913.
حاول البريطانيون عمل الكثير لتنظيم الفوضى في البلاد وضمان الاستمرار من الاستفادة من موقعها ومواردها، بما فيها القوى العاملة فيها، لكنهم اصطدموا بعناد وتصلّف لا يُحتمل من عيسى بن علي. «عارض الحاكم مشروع إنشاء البلدية، وتأسيس المحاكم المدنية، ورفض العرائض الشعبية ومشاريع الإصلاح السياسي. وجدها خلعاً لعظمة شخصه، وتنصيباً لعظمة شخصية اعتبارية (مجلس، مؤسسة، شعب، دولة)». انتهى الأمر بعزل الحاكم عيسى بن علي، وانتهت مهمّة تعريف البحريني إلى صيغ قانونية ومجالس بلدية ومجالس عرفية وإدارات بيروقراطية، شكّلت أول أساسات الدولة الحديثة، وكان ذلك بخطة واضحة قرأ تفاصيلها المقيم السياسي البريطاني بنفسه في خطاب العزل.
هكذا، يقول الكتاب، وُلد تعريف البحريني، ماراً بتأسيس بلديات ومجالس وإدارات، وسنّ قوانين، وتغييرات في هرم السلطة من رأسها إلى عقبها، فضلاً عن إعادة تأسيس النظام القضائي وسلطات الأمن، وما وازى ذلك من إصلاح للنظام الاقتصادي، على رأسه مسح الأراضي، والسيطرة على السوق والميناء والجمارك، وتنظيم بيت الحكم السياسي.

الوثائق البريطانية: مصدر الرواية

يتزامن صدور كتاب «من هو البحريني؟» مع صدور المجلدات الستّ الأولى من الترجمة العربية لسجلّ البحرين في أرشيف الوثائق البريطانية التي كانت مصدر الكتاب وروايته، بحكم اطّلاع المؤلّف عليها قبل صدورها. «لقد جرى تغييب هذا الأرشيف من التاريخ الوطني، وما زالت هذه الوثائق محظورة، وهي عرضة للاجتزاء والتوظيف المغلوط والتزوير، وما كان لهذه الدراسة أن تكون لولا أن توافر لها لأول مرة ترجمة كاملة لهذه الوثائق عبر مشروع مركز أوال للدراسات والتوثيق».
لقد جعل الأرشيف، بوثائقه التي أمكن الاطلاع عليها مترجمةً للمرة الأولى، من رواية الكتاب فتحاً جديداً في أغوار تاريخ هذه البلاد. هنا، ستُسرد معلومات للمرة الأولى، وستكتمل صورة أحداث وقصص تاريخية معينة كانت حلقاتها مفقودة، وسنسمع رواية التاريخ مقروءة على لسان أُصيب به.

(اسم الكتاب: من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929/ الناشر: مركز أوال للدراسات والتوثيق، لبنان، الطبعة الأولى، 2017/ عدد الصفحات: 372 صفحة)
* باحث وكاتب بحريني

رابط الموضوع