قال أحد شعراء الرومانسية البريطانية، في القرن الذي لم تغب فيه الشمس عن الإمبراطورية الاستعمارية “إن إنجلترا تعرف بقدر ما تعرف عن الذي يعرفها” لعله كان جون كيتس ولعله كان بيرسبيرسي شيلي.
لقد بذلنا مجهودًا للوصول لقائل هذه العبارة، وبذلنا مجهودًا أكبر لمعرفة المعنى الذي كان يعنيه، لكننا لم نصل إلى من يخبرنا ما كان يدور في ذهن قائلها، بقينا مشدودين لهذه العبارة المكثفة وكأنها تحمل سرًا يأبى أن يبوح بمعناه أو قصته بشكل كامل، ربما هي بوجه من الوجوه تحاكي قصتنا مع هذه الوثائق التي بذلنا مجهودًا كبيرًا للوصول إلى عالم معناها. ونرجو من القارئ ألا يشعر بالخيبة أيضًا إذا ما اعترفنا له أن رحلتنا لم تكشف الأسرار جميعها الكامنة في بطن بحر هذه الوثائق المترامية الأطراف. بيننا وبينها على وجه التقريب مئتي عام، لم يكتبها شخص واحد ولا كتبت في زمن واحد، ولم تكتبها لغة واحدة، فاللغة الإنجليزية كانت تترجم تسميات ومسميات أطلقتها لغة بلدان حوض الخليج، ومحاولة استعادة هذه التسميات عبر هذه الوثائق دونها صعوبة كبيرة، خصوصًا وأنها أحيانًا تكتب بشكل خاطئ.
إن اللغة الإنجليزية التي كانت تُكتب بها وثائق الامبراطورية، كانت تريد أن تعرف جغرافيا البحر والبر والتاريخ والإنسان في الخليج، و(تريد أن تعرف) ترادف عبارة (تريد أن تستعمر وتسيطر وتتحكم). بمقدار ما تعرف عن موضوعك تسيطر عليه وتتحكم فيه، وتبلغ معرفتك كامل قوتها وقدرتها على التحكم حين تعرف ما يعرفه عنك الآخرون، حينئذٍ تستطيع أن تلعب بالمقدار الذي يعرفونه وبالمتبقي الذي لا يعرفونه، فتظل أنت سيد المعرفة والسيطرة واللعبة.
ما تعرفه إنجلترا عن الآخرين يظل سرًا ولا يمكن للآخرين أن يعرفوه، لأنها لا تعطي الآخرين مصادر قوتها، ولا تسمح لهم أن يعرفوا إلا حين تفقد هذه المعرفة قوتها الآنية وتصير جزءًا من التاريخ، وهذه الوثائق هي اليوم جزءٌ من التاريخ الذي فرض وقائعه ولم ينته بعد، وهي متاحة اليوم للجميع بفضل تطور قانون مكتب السجلات العامة.
صدر قانون مكتب السجلات العامة (Public Record Office Act) في العام 1838 من أجل الحفاظ على أمن هذه السجلات وسلامتها. أمّا الإصلاحات الحقيقية والتحديثات المهمّة التي طرأت عليه، فبدأت مع تعيين لجنة للنظر فيه عام 1952. وحثّت اللجنة المؤسسات والمكاتب الحكوميّة كافةً لترسل السجلّات إلى مكتب السجلّات العامة بعد مرور ثلاثين عامًا على إصدارها. وبعد أن يمر على وجود هذه السجلات 50 عامًا (أي 20 عامًا بعد إرسالها إلى مكتب السجلات العامّة)، يُسمح حينئذٍ للناس أن يطلعوا عليها ويستفيدوا منها.
وفي عام 1967 تمّ تعديل بند “الوصول إلى السجلات” من خلال تخفيض الفترة الزمنيّة للانتظار إلى 30 عامًا. فأصبحت السجلات المتعلّقة بالحرب العالميّة الأولى وفترة ما قبل العام 1923 كلها متوفّرة لمن يود الحصول عليها. وكان الهدف من هذا التعديل تحديد المستندات والملفّات “الحسّاسة” التي يجب إدراجها في نظام حماية أكبر.
لنحو 200 عام مضت، تُعتبر مجموعة الوثائق البريطانية المصدر الأهم لتدوين تاريخ الخليج وساحل عُمان، وضمنها تندرج سجلات البحرين (Records of Bahrain) وهي جزءٌ مما يُعرف بمجموعة (Indian Office).
بحثًا عن هذه الوثائق، اتصلنا بمكتب السجلات العامة (Public Record Office) والمكتبة البريطانية (British Library) ومن ثم تواصلنا مع مكتبة جامعة كامبريدج، ومن هناك تم شراء 27 مجلدًا، تترواح عدد صفحات كل مجلد منها بين 500 و800 صفحة، 18 مجلدًا منها يحوي تقارير ومراسلات ومذكرات وخطابات، و9 مجلدات منها مخصصة لوثائق موازنة حكومة البحرين بين الأعوام 1926 و1971.
تتضمن وثائق هذه المجلدات مراسلات بشأن الأحداث التي جرت في البحرين خصوصًا، ومنطقة الخليج عمومًا في الفترة الممتدة من العام 1820 حتى العام 1971، وهي في مجملها مراسلات المعتمدين السياسيين بالبحرين مع الحكومة البريطانية في الهند، والمقيمية البريطانية في بوشهر، والحكومتين الفارسية والتركية.
مشروع ترجمة هذه الوثائق بدأ فعليًا في شهر نيسان/ أبريل 2013. لحظة شروعنا في ملامسة هذا الكم الكبير من الوثائق، كانت الصدمة كبيرة، هل سنقضي عمرنا بين هذه الأوراق المهولة؟ كان هذا السؤال يختلج في صدورنا، احتجنا وقتًا طويلًا لنشعر بالألفة معها، بدأنا بالاستعانة بأحد الخبراء اليدويين في تجليد الكتب، فتمّ فك الأغلفة جميعها وفتح خيوط ملازم الأوراق، لنتمكن من مسحها ضوئيًا وعمل نسخ ورقية يسهل تقليبها. استغرق العمل أشهرًا، وبمهارة حاذقة تمكن هذا الخبير من إعادة تجليد الكتب وكأنها لم تفك أبدًا، لقد كنا قريبين جدًا من أجواء هذا العمل، وهذا منحنا شعورًا رائعًا، أحسسنا أننا صرنا جزءًا من هذه الوثائق وأننا معنيون بالحفاظ عليها، ومسؤولون عن إعادة إحيائها في لغتنا إحياءً يجعلها مألوفة للقارئ العربي، وجدنا أن ملامستها وفك أوراقها عتبة دخولٍ لعالمها، ومقدمة لتفكيك مبهماتها وصعوباتها وتقريب أجوائها البعيدة.
كانت منهجية العمل مبهمة في بادئ الأمر، فشرعنا في عمليةِ ترجمةٍ تلقائيةٍ من دون تحديد نهجٍ واضح لهذا المشروع. كان فريق العمل في بداية الأمر مؤلف من مترجمتين ومحقق تاريخي، ومع التقدم في العمل توسع الفريق وتغير بعضٌ من أفراده.
من ناحية الشكل، الوثائق في أغلبها تقارير ومراسلات مطبوعة بخط صغير، وأحرف متقاربة المسافات، وجزء منها كان مكتوبًا بخط اليد، وقد استعنا بخبير بريطاني متخصص لفك خطوط اليد، ووجدنا من الأفضل أن تخرج هذه الوثائق في مجلد مستقل ضمن المرحلة الثانية من المشروع.
لقد وجدنا صعوبة في التأكد من طبيعة بعض الأخطاء المطبعية لآلات كاتبة إنجليزية كانت متوافرة في القرن التاسع عشر أو مطلع القرن العشرين، وهل هي أخطاء فعلًا، أم أنها كانت تُكتب أو تلفظ بهذا الشكل في تلك الفترة، ونظرًا إلى عدم معرفة من كتب الرسائل والتقارير باللغة العربية، فقد أخطأ في كتابة أسماء الشخصيات والمناطق والسفن العربية أو كتبها بحروف لا تطابق نطقها الخليجي، وقد شكل هذا الأمر صعوبة بالنسبة لنا، لتحديد الأسماء الصحيحة.
هذه بعض الأمثلة: Buggalow هي ما كُتِبَ ليعبر عن سفينة البغلة وLahsa هي الأحساء، وFaysul تدل على الاسم فيصل وJoasmee هي قبيلة القواسم، وKajas تعني سلالة القاجار، أما Khore Shajeij تعني خور الشقيق وAjeer هي العقير.
إن الوثائق الأولى في المجلدات كانت صادرة في مرحلة تاريخية قديمةٍ جدًا، ولذلك فإن بعض المواضع فيها كان يصعب فهمه، وكانت تحتاج إلى إعادة صياغة في اللغة الإنجليزية نفسها أساسًا قبل أن تجري ترجمتها، ولمزيد من التأكد من دقة الترجمة والفهم كنا نستعين بخبرات منوعة من أجل الوصول إلى الترجمة الأكثر دقة وصحة، وكان اللافت أن تقديرات المترجمين كانت متفاوتة كثيرًا إلى درجة يصعب فيها حسم الموضوع بشكل قاطع، وهذا ما جعلنا في مرات كثيرة نصاب بالحيرة وأحيانًا بالإحباط، فقد كان حرصنا على دقة العمل يدفعنا إلى التشكيك والاحتياط والتردد والسعي إلى التأكد، ولم نجد جهة لديها اليقين، لذلك يبقى العمل محل تقدير ونظر، وسنكون مرحبين بمراجعات المختصين والخبراء والمهتمين بهذه الوثائق.
من ناحية أخرى، هذه الوثائق لا تنتظم في موضوع واحد في كل مجلد، وإن كانت في أجزاء منها هي كذلك. هي ليست كتابًا لأحد العلماء أو المؤرخين القدماء يحمل نفسًا واحدًا طوال صفحاته. بل هي عبارة عن عدة مراسلات، وقرارات، وأوامر عسكرية، وتعيينات، واتفاقيات، ومعاهدات، وتقارير متنوعة، وملفات أمنية، وعسكرية، وآثارية، وتعليمية، واقتصادية، وقانونية، ومسح جغرافي، وجيولوجي للبحر، والجزر، والبر، في البحرين والخليج.
وبعد الانتهاء من مرحلة الترجمة، كانت النصوص تخضع لعملية مراجعة عبر مقارنة النص المترجم مع النص المصدر من أجل التأكد من صحة الترجمة ومن أجل التأكد من عدم وجود أي ترجمة مضادة أو خاطئة قد تضر بالمعنى الدقيق للنص المصدر. ويرافق هذه الخطوة التدقيق اللغوي، وعملية تحسين الصياغة من أجل إنتاج النص في أفضل صورة له.
ومن ثم ننتقل إلى عملية التحقيق التاريخي، فكانت الوثائق المترجمة تُرسل إلى محقق تاريخي يعمل مع الفريق، فيُصَوِّبُ ما في النص من أخطاء يكون قد وقع فيها كاتبو التقارير والرسائل، سواءً أكان خطأً جغرافيًا أو تاريخيًا أو سياسيًا أو غيره. وكان المحقق هو من يكتشف بعد عناء البحث، الأسماء الصحيحة للشخصيات والمناطق والسفن العربية التي تم كتابتها بشكل خاطئ في الوثائق.
ومن أجل الحفاظ على الأمانة في نقل النص، كان لزامًا علينا أن لا نتدخل بأي شكل من الأشكال في الصياغة الأساس للنص المصدر أثناء ترجمته، فكانت التصويبات كلها تتم في الهوامش.
لقد قمنا بعملية تهميش واسعة النطاق، استخرجنا الأسماء جميعها الخاصة بالشخصيات والسفن والمناطق والبلدان والقبائل المختلفة، سواءً أكانت أجنبية أو عربية، وعمل فريق من الباحثين المتعاونين على التعريف بها في هوامش موسعة.
تخضع الوثائق، بعد المسار الطويل الذي ذكرناه، إلى قراءة نهائية يقوم بها أحد أفراد الفريق للتأكد من صياغة النص وانسيابيته.
لقد بذلنا مجهودًا أهليًا كبيرًا في الوصول إلى هذه الوثائق وشرائها وترجمتها وتحقيقها وتهميشها، ومازلنا نتطلع إلى استكمال هذا المشروع بالمراجعة والنقد واستكمال المتبقي من الوثائق. كما نتطلع إلى المشاركة والدعم المادي من الأفراد والجهات، لهذا المشروع الوطني العلمي المُكلف الذي يُنجز بمبادرات دون كلفته الحقيقية.
د.علي أحمد الديري
مدينة ويندسورـ كندا
20.5.2016




