البحر هو التاريخ
تغییر اندازه فونت
16

مقدمة كتاب البحر هو التاريخ

“تجارتنا وسلامتكم كانا مهددين، واستوجبا تأمين الحماية لهما. كما أن رعايا ملك إنجلترا يسكنون في الموانئ الموجودة على هذا الساحل، وهم يمارسون تجاراتهم فيها. إمبراطورية الهند العظيمة، التي يتوجب علينا الدفاع عنها، قريبة من حدودكم إلى حدٍّ كبير. لقد فتحنا هذه البحار للسفن القادمة من الدول كافةً، ومنحناها القدرة على الإبحار، رافعة أعلامها بسلام. نحن لم نستول على أراضيكم، أو نسيطر عليها. إننا لم نقض على استقلالهم، لكننا حفظناه من أجلكم”[1].

هي كلمات من خطاب ألقاه اللورد (جورج كرزون)، نائب الملك والحاكم العام في الهند، أثناء زيارته إلى منطقة الخليج، حين التقى بحكام الساحل المتصالح، وغيرهم من زعماء الدول المجاورة على متن سفينة قبالة الشارقة.

فكيف عملت بريطانيا على تأمين هذه الحماية؟ وما الوسائل التي اعتمدتها للحفاظ على أمن الشعوب، والأراضي، والتجارة، والسفن؟ ما هو الهدف الرئيس من هذه الممارسات؟ هل حقًّا أن بريطانيا عملت على حفظ استقلال الخليج، أم أنها كانت تفرض سيطرة غير مباشرة لحماية مصالحها؟

“تجارتنا وسلامتكم” … هي عبارة تفتح عقودًا مما يسمى بـ “العلاقات” بين الخليج وبريطانيا. لم تكن علاقات ودية بما توحيه الكلمة، إنما كانت مبنية على حماية المصالح البريطانية بشكل خاص. على مدى 151 عامًا، كانت بريطانيا القوة المهيمنة في الخليج. لم يكن ظاهر هذه السيطرة سياسيًّا، كان اقتصاديًّا بحتًا، لكن المصالح الاقتصادية لا تفترق كثيرًا عن السياسة؛ بل إنها تكاد تكون متلازمة.

اضطلعت شركة الهند الشرقية بالدور الرئيس في هذا المشهد، إذ إنها كانت إحدى أكبر الشركات التجارية التي أُسِّسَت منذ العام 1600م. إنها شركة تجارية عالمية، كان هدفها ممارسة العمليات التجارية بين أوروبا وجزر الهند الشرقية في بادئ الأمر، ولكنها انتقلت إلى مزاولة التجارة مع شبه القارة الهندية والصين. كما كانت الشؤون السياسية للجزيرة العربية بين العامين 1820م و1947م تقع ضمن نطاق سيطرة شركة الهند الشرقية، ولاحقًا الحكومة البريطانية في الهند حتى العام 1970م.

تطورت الشركة من مشروع صغير يديره عدد من التجار في لندن، إلى منظمة تجارية سياسية قوية، وذلك بعد الحرب التي دارت بين بريطانيا وفرنسا حول السيادة في الهند في منتصف العام 1740م تقريبًا. عندئذٍ ارتفعت أرباحها بشكل كبير، حتى باتت المنطقة المحيطة بالهند، إلى جانب المسارات التجارية التي توصل إليها، ذات أهمية كبرى. ومنذ ذلك الحين، صارت تتدخل في شؤون منطقة الخليج بشكل مباشر[2]. وقد فرضت وجودها السياسي بعد أن أحكمت سيطرتها على عدد من الدول هناك.

أما سلامة الطرق البحرية التي تصل بين الهند وبريطانيا، فكانت تعتمد على استقرار ساحل الجزيرة العربية وحياديته، وذلك من خلال الحفاظ على سياسة المحميات [3] التي تحدث عنها (كرزون) [4]

الخليج الفارسي كان ممرًّا للتجارات من أوروبا إلى الهند، لكن القرصنة كانت متفشية فيه، ودائمًا ما شكلت تهديدًا للسفن التجارية العابرة في الخليج، وأطلق البريطانيون هذه التسمية (القرصنة) على الأعمال البحرية التي كانت تعترض سفنهم في البحار، كما أطلقوا على ساحل عُمان الشمالي اسم (ساحل القرصنة).

وبهدف قمع هذه العمليات، أرسلت حكومة بومباي السير (وليام جرانت كير) بتسليح قوي في تشرين الأول/ أكتوبر 1819م. وفي كانون الثاني/ يناير من العام 1820م، وقع (كير) على معاهدة عامة للسلام نيابة عن الحكومة البريطانية مع زعماء قبائل الملاحة العرب في الخليج الفارسي[5].

ما كانت بريطانيا لتتمكن من ممارسة أي سلطة في الخليج لو أنها لم تعرف أدق التفاصيل عن تلك المنطقة، فالمعرفة هي السلاح الأقوى الذي يشكل حجر الأساس في السعي إلى فرض السيطرة. فكان لزامًا عليها أن تعرف البر، والبحر، والأعراف، والعادات، والطباع، والدين، والسياسة فيها. لذلك، شرعت في إرسال الرحالة، والمساحين، والمنقبين، والمكتشفين لإجراء عمليات المسح المختلفة للساحل العربي.

وجاءت نتائج هذه المسوحات في تقارير مطولة كتبها مجموعة من الموظفين البريطانيين، وكانت تحت مسميات مختلفة، من مسوحات، وأسفار، ورحلات، واكتشافات، هدفها كشف أسرار هذه المنطقة.

حُفظت هذه التقارير على شكل وثائق في المكتبة البريطانية، وهي تغطي المسوحات التي أُجريت من العام 1820م حتى العام 1879م، مجموعة في هذا الكتاب.

التقرير الأول جاء تحت عنوان (المسح البحري للساحل العربي ما بين العامين 1821م و1828م)، وقد بدأ بمذكرة وصفية حول الملاحة في الخليج الفارسي، مع ملاحظات وجيزة عن الأعراف، والتقاليد، والدين، والتجارة، والموارد السكانية، في شواطئه وجزره.

أعد هذه المذكرة النقيب (جورج بارنز بروكس) من سلاح البحرية الهندية. لقد كان (بروكس) أول رجل إنجليزي يجري مسحًا لسواحل الخليج في العام 1820م، وهو شخصية مهمة في تاريخ البحرية الهندية. بدأ حياته البحرية في عمر الحادية عشر، وأمضى ستة عشر عامًا في خدمة البحرية التابعة لبومباي.

في العام 1820م، أُوكلت إليه مهمة مساعدة النقيب غاي (Guy) على متن السفينة (سايك) الخاصة بشركة الهند الشرقية، وهي إحدى السفن الثلاثة التي شاركت في حملة المسح في مياه الخليج.

إن الأهداف التي دفعت حكومة بومباي لإجراء هذا المسح متعددة، منها قمع القرصنة، وتوسعة العمليات التجارية، والحفاظ على وضع زعماء تلك السواحل، ووقف التدخلات الأجنبية في تلك المنطقة، ومنع تجارة الرقيق. وبعد تقاعد النقيب (غاي) في منتصف تلك الحملة، تولى (بروكس) القيادة مكانه [6].

ذكر (بروكس) في مذكرته أنه حصل على معلوماته من خلال عدد من الأسئلة التي طرحها على زعماء الخليج؛ وكانت أسئلة متعلقة بالقبائل، ومواقعهم، وعائداتهم، وتجارتهم، وغيرها من الأمور. كما طرح هذه الأسئلة على عدد من الأشخاص في فترات مختلفة، لكنه رأى أن الإجابات التي حصل عليها لا يمكن اعتبارها صحيحة بالكامل، إنما هي “أقرب إلى الحقيقة” حسب تعبيره.

بدايةً، شرع (بروكس) بتقريره عبر كتابة ملاحظات تمهيدية قصيرة، ذكر فيها المنهج الذي اعتمده في عملية المسح. ثم انتقل إلى كتابة ملاحظاته الموجزة عن السكان الذين يعيشون في جزر الخليج وشواطئه، وقد استهلها بتقديم عرض تاريخي سريع لجزيرة البحرين، والقوى التي تعاقبت عليها، ابتداءً بالبرتغاليين، مرورًا بالفُرس، ووصولًا إلى آل خليفة.

بعد ذلك، قدّم وصفًا لجزيرة البحرين من ناحية المساحة، وعدد السكان، والقبائل، والمهن. كما تحدث بشكل موجز عن صيد اللؤلؤ، وعدد المراكب المشاركة في هذه الصناعة، ووصف المدن الرئيسة في الجزيرة.

ذكر (بروكس) أن البحرين يمكن أن تكون قيِّمةً جدًّا إذا ما كانت حكومتها فاعلة. وقد اعتبر أن تجارة المنطقة العربية بأكملها يمكن أن تتمركز في هذه الجزيرة، كما يمكن أن تُصبح مركزًا لإنتاج القمح والشعير إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح.

لقد وصف المياه الضحلة التي تحيط بميناء البحرين، وتحدث بشكل مختصر عن مختلف الفشوت، أو الأحياد التي تحيط بالجزيرة. ثم قدَّم شرحًا مفصّلًا للاتجاهات العامة لدخول ميناء البحرين الشمالي الغربي.

على الرغم من أن الخرائط التي وضعها (بروكس) قد استُبدلت سريعًا بخرائط أكثر دقة، إلا أن كتاباته قدَّمت لمحة تاريخية مهمة حول هذه المنطقة.

ولا بد أن نذكر هنا أن بعض المعلومات التاريخية التي ذكرها تخللتها بعض الأخطاء. ومثال على ذلك أنه قال إن العتوب يرجعون إلى قوم النصور، كما أخطأ في عرضه للعلاقات التي جمعت العتوب بالفرس. وقد تمت الإشارة إلى هذه الأخطاء، مع تصويب لها في الهوامش.

أما التقرير الثاني، فهو مقتطف من سرد ليوميات الملازم (وليام هنري وايبورد). كان (وايبورد) ضابطًا في البحرية الهندية، وطلب من الحكومة أن تعفيه من مهامه في البحرية بشكل مؤقت بهدف استكشاف نجد في العام 1831م. وفي الطلب الذي قدّمه إلى الحكومة، ذكر (وايبورد) أنه يأسف لأن حكومته لا تمتلك المعلومات الكافية عن تلك المنطقة في وقت كانت فيه الاستكشافات الجغرافية قد بلغت ذروتها في أوروبا. وبرَّر مطلبه قائلًا: “إنه من المفيد دائمًا أن نستعلم عن الشعب الذي يمتلك عادات مضطربة، ويُقدِم على أفعال جريئة قد تُشكِّل عائقًا في المستقبل في طريق إحدى المراسلات الدورية بين إنجلترا والهند عبر البحر الأحمر، وقد يرون أنها تمثل شيئًا من الأهمية بالنسبة إليهم. كما أنه من الضروري جدًّا أن نجمع استخبارات دقيقة عن أولئك المتعصبين [أي الوهابيين] الذين يجمعون القوة والسلطة من جديد، وذلك كله بهدف ضمان أمننا في علاقتنا مع الجزيرة العربية” [7].

بدأ (وايبورد) رحلته في 3 أيلول/ سبتمبر 1832، منطلقًا من (بوشهر) نحو (البصرة)، وبعد أن فقد الأمل في إيجاد مرشدين أو رفاق يشاركونه هذا الطريق في الصحراء، غادر البصرة باتجاه (المحمرة) على متن سفينة (بغلة)، معرِّفًا عن نفسه أنه مواطن من (الشارقة). بدأ بسرد يومياته ابتداءً من 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1832م.

ذكر في هذه اليوميات وصفًا للأشخاص الذين قابلهم، بالإضافة إلى وصفٍ موجزٍ لبعض المناطق التي مرَّ فيها، وحال الطقس أثناء تواجده في البحر، وبعض الصعوبات التي عاشها نتيجة التقلبات في المناخ.

تابع سرده ليوميات هذه الرحلة حتى وصوله إلى (العقير) عصر يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1832م.

بعد ذلك، قدّم (وايبورد) وصفًا موجزًا عن جزر (البحرين)، فذكر مساحتها، وزراعتها، وينابيعها، وأهم مدنها، وسكانها، وتجارتها، وصيد اللؤلؤ فيها.

 

التقرير الثالث كُتب بقلم (جايمز ريموند ولستيد) من زمالة الجمعية الملكية، وزمالة الجمعية الملكية الآسيوية. عمل (ولستيد) تحت إشراف النقيب (أورمسبي) في إجراء مسح تفصيلي لخليج العقبة، والجزء الشمالي من البحر الأحمر، ثم أُرسل لإجراء مسح للساحل الجنوبي للجزيرة العربية تحت قيادة النقيب (هينز).

نشر (ولستيد) نتائج رحلته تحت عنوان (مذكرات في جزيرة سقطرى)، كما ألَّف (أسفار إلى الجزيرة العربية) في مجلدين، و(أسفار إلى مدينة الخلفاء) في مجلدين أيضًا. وفي هذا المُؤَلف الأخير، خصص (ولستيد) جزءًا لوصف مجموعة جزر (مود)، أو (Maude’s group of islets)، على الرغم من عدم وجود مجموعة جزر في الخليج تحت هذا الاسم.

ذكر (ولستيد) أنه مرَّ بالجانب العربي من الخليج الفارسي، متحدثًا بشيء من التفصيل عن صيد اللؤلؤ ومواسمه، وعن أعداد المراكب المشاركة في عملية الصيد، وعن أنواع اللآلئ واستخداماته. ثم انتقل للحديث عن مجموعة جزر (مود)، وذكر من بين هذه الجزر جزيرة صير بني ياس، ورأس ركن.

تم إرسال سفينتين في هذه الرحلة، وكانت البحرين وجهة (ولستيد) الرئيسة، فأورد في تقريره أسماء الضباط الذين كانوا على متن هاتين السفينتين، وشاركوا في عملية المسح.

قال (ولستيد) إن الهدف من هذه الرحلة هو الإبقاء على هذه الموانئ البحرية في الساحل العربي مفتوحة أمام مختلف السفن التجارية وغيرها. وركّز في حديثه على البحرين، وعلى الأهمية التي أولاها إياها الجغرافيون، والرحالة، والمستعمرون، الذين وجدوا فيها من الأهمية ما دفعهم إلى التسابق والتنافس لفرض السيطرة عليها.

وصفها (ولستيد) بأنها واحة وسط القفار الواسعة، ومما قاله في وصفه للبحرين: “إن كان على البريطانيين احتلال محطات ما في الخليج الفارسي، فلتكن (البحرين) و(خارك). وأنا أكنُّ الكثير من الاحترام للبرتغاليين بسبب المحطات التي اختاروها”.

بعد المسح الذي أجراه (جورج بارنز بروكس) للخليج في العام 1820م، أجريَ مسحٌ ثانٍ ما بين العامين 1857م و1860م بقيادة الملازم (ريتشارد وليام ويش) من البحرية الهندية. هو مسَّاح وكاتب مذكرات، أعدَّ تقريرًا حول البحرين ألقاه أمام الجمعية الملكية بتاريخ 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1861م. كان الهدف من رحلته مراقبة تحركات زعيمي (البحرين) و(الدمام)، للتبليغ عن أي أعمال عدائية قد يقومان بها.

يبدو أن المصالح البريطانية كانت المسيطر الرئيس على اهتمام كل من يعمل في الخليج؛ فعلى الرغم من أن مهمة (ويش) كانت مراقبة الزعماء، إلا أنه أقدم تطوعًا على معاينة أحد الفشوت في مياه تلك المنطقة للتأكد من صحة الخرائط الخاصة بـ (البحرين)، التي تعتمدها السفن في تلك المنطقة.

لقد كان يتأكد من عمق المياه التي يمكن للسفن أن تعبرها على مدار السنة. ففي (البحرين)، يتغير ارتفاع المياه المحيطة حسب نسبة مياه الأمطار، وحركة المد والجزر، كما أن المياه الضحلة فيها كثيرة.

إلى جانب المسح البري لدول الخليج وجزره، اهتم البريطانيون كثيرًا بمسح المناطق المائية، إذ إن فيها ممرًا لسفنهم، وهم كما ذكرنا في البداية هدفهم الرئيس حماية سفنهم في هذه المياه من أي أخطار قد تلحق بها سواءٌ أكانت بشرية أو طبيعية.

لقد عدَّد (ويش) بعض الأخطاء التي وردت في الخرائط السابقة للمناطق التي مرَّ بها، لكنه ذكر أيضًا أن النقص في مسح بعض المناطق أحيانًا كان نتيجة الاضطرابات الحاصلة في ذلك المحيط، الأمر الذي منع الضباط الذين كانوا مسؤولين عن المسح من إجرائه بشكل كامل.

قدّم (ويش) وصفًا لجزر (البحرين)، لكنه لم يكن شبيهًا بما قدَّمه غيره. فالتقارير الأخرى كانت مرتبطة باللؤلؤ، والسكان، والتجارة، والمعيشة، وغيرها من الموضوعات التي تناولها الرحالة والمساحون السابقون. لقد كان معظم حديثه يرتكز على وصف البحرين وتضاريسها ومساحتها، والمسافات التي تصل بين المناطق المختلفة. كما وصف طبيعة الصخور والأحجار فيها. كان (ويش) ينتقل من منطقة إلى أخرى، فيذكر أبرز معالمها، وعيون المياه فيها، ويقدِّم لمحة عامةً عنها.

بعد المسح الذي أجراه (ويش)، أجرى (آرثر وليام ستيف) و(سي. جي. كونستبل) مسحًا آخر للبحرين بين العامين 1857م و1860م، جُمعت نتائجه ضمن ما يُسمى بـ (دليل الخليج الفارسي وخليج عُمان). نُشر هذا التقرير في العام 1864م، وهو أشبه بمعجم للبلدان، لكنه يتضمن معلومات عن المناطق الواقعة على ساحل الجزيرة العربية، الممتدة من (رأس ركن) إلى (جزيرة بوبيان).

ويحتوي التقرير على تعدادٍ لأبرز المدن والقرى، والقلاع في البحرين. أثناء قراءة هذا التقرير، يشعر القارئ أنه يتقدم مع (كونستبل) و(ستيف) في رحلتهما عبر البحرين خطوةً بخطوة.

يبدأ المسح بوصف جزيرة (البحرين) بشكل عام، من مساحتها، وسكانها، ومياهها، ثم ينتقل إلى (المنامة)، فقلعة البرتغال، وجزيرة (المحرق)، فـ (السايه)، فـ (خصيفة)، فـ (قلالي)، وغيرها من معالم (البحرين). وبين هذه المناطق، كان (كونستبل) و(ستيف) يمران على ذكر مناطق أخرى بشكل موجز. كما يذكران الاتجاهات التي يتوجب على السفن اتباعها أثناء الإبحار في المياه المحيطة بتلك الجزيرة. إنه وصفٌ يجمع بين الإيجاز والتفصيل في موضوعات مختلفة عن (البحرين).

التقرير الأخير يستأثر بالقسم الأكبر من هذا الكتاب. وهو وصف (إدوارد لو ديوراند) لجزر (البحرين). لقد شغل (ديوراند) منصب المساعد الأول للمقيم السياسي في الخليج الفارسي في العام 1878م. وفي تلك الفترة، أرسله المقيم السياسي في (بوشهر)، العقيد (إي. سي. روس) ليجريَ مسحًا لـ (البحرين).

قدَّم (ديوراند) وصفًا تفصيليًّا لجزر (البحرين)، وتضمن هذا الوصف عرضًا لجغرافية الجزر ومياهها المحيطة، إضافة إلى موقعها حسب خطوط الطول وامتدادها. كما تحدث عن تجارتي اللؤلؤ والتمور، وعن وسائل تحسين هاتين التجارتين. ثم وصف المنطقة الداخلية للجزر متحدثًا عن أبرز المعالم الجغرافية، وعيون المياه العذبة فيها. كما ذكر الأشجار والحيوانات باختلاف أنواعها.

سرد (ديوراند) أيضًا التاريخ القديم لهذه الجزر، بما فيها حكم الفينيقيين، والبابليين، والفُرس، والعرب، والبرتغاليين. ثم انتقل للحديث عن الآثار القديمة الموجودة في الجزيرة، فذكر المساجد القديمة، ووصفها وصفًا دقيقًا، إلى جانب البئر القديم قرب بساتين النخيل في (بلاد القديم).

بقي (ديوراند) أيامًا عدة يعمل على اكتشاف مدافن تلال (عالي)، التي كان يَعتقد أنها تعود إلى أصول فينيقية (مقبرة الجرهاء الفينيقية). ويتضمن التقرير رسومات توضيحية لمعظم المعالم التي ذكرها.

ومن أبرز ما اكتشفه (ديوراند)، حجر من البازلت الأسود، في مسجد في البلاد القديم، عليه نقوش بالكتابة المسمارية، ونقش لرسم سعف نخلة. وقد ساعد اكتشاف هذا الحجر على ربط البحرين بدلمون، التي لم يكن قد تمكن أحد من تحديد موقعها الجغرافي، أو التحقق من وجودها فعلًا. فقد أقدم السير هنري رولنسون على فك نص هذه النقوش، ونصها: “هذا قصر ريموم خادم الإله إنزاك من قبيلة أغاروم”. فشكلت هذه العبارة مفتاحًا لفك الغموض حول دلمون القديمة.

[1] انظر:

John Gordon Lorimer, Gazetteer of the Persian Gulf, Oman, and Central Arabia, Vol. I, Historical Part II,  Appendix P: Cruise of his Excellency Lord Curzon, Viceroy and Governor-General of India, in the Persian Gulf, pp, 2637 – 2639.

[2] انظر:

Louis Allday, The British in the Gulf: An Overview, Qatar Digital Library.

[3] لقد تحدث اللورد كرزون عن سياسة المحميات التي انتهجتها الإمبراطورية الهندية، حين أحاطت الأراضي التي تقع تحت سيطرتها بحزام من الدول المحلية التي لا تقع تحت الحكم البريطاني المباشر، إنما تحصل على النصح من بريطانيا، وتخضع لرقابتها. وقد عقدت مع هذه الدول تحالفات ومعاهدات. انظر:

James Onley, The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers and the British in the Nineteenth-Century Gulf, Oxford University Press (New York, 2011), Preface.

[4] اللورد كرزون هو السياسي والرحالة جورج نثانيال كرزون، مركيز كدلستون. كان نائب ملك الهند. بدأت رحلة الأسفار العظيمة ل (كرزون) في آب/ أغسطس 1887 عندما انطلق في رحلته حول العالم. كان الهدف الرئيس من أسفاره سياسيًا: وقد شكلت جزءًا من مشروع واسع وشامل لدراسة المشاكل في آسيا وتأثيرها على الهند البريطانية. خلال رحلاته، كتب (كرزون) مقالات وأرسلها إلى موطنه لصحيفة (التايمز)، وغيرها من الصحف. في تشرين الثاني/ نوفمبر 1891، عينه رئيس الوزراء في منصب وكيل الوزارة في دولة الهند. وفي العام 1895 ، تم تعيينه مستشارًا في مجلس الملكة، ووكيلًا للوزارة في وزارة الخارجية. أصبح (كرزون) المتحدث الرسمي الرئيس في الخارج باسم مجلس العموم البريطاني. في 6 كانون الثاني/ يناير 1899 ، تم الإعلان عنه بصفته نائب الملك في الهند. وعند وصوله إلى بومباي، أعلن (كرزون) أنه أتى إلى الهند «كي يحكم بالعدل والمساواة» بين الأعراق والديانات المختلفة في البلاد. أما في ما يتعلق بالشؤون الخارجية، فقد كان حازمًا، وحث على التأسيس للحماية البريطانية في الكويت، فنجح بذلك بمنع نمو النفوذ الفرنسي في مسقط. لم يكن مهتمًا بالسياسة الداخلية. في كانون الثاني/ يناير 1919 ، وبالإضافة إلى مهامه الأخرى، طُلِبَ من (كرزون) أن يتولى مسؤولية وزارة الخارجية. انظر:

David Gilmour, ‘Curzon, George Nathaniel, Marquess Curzon of Kedleston (1859- 1925)’, Oxford Dictionary of National Biography, Oxford University Press, 2004; online edn, Jan 2011 [http://0-www.oxforddnb.com. serlib0.essex.ac.uk/view/article/32680, accessed 20 March 2017].

[5] انظر: علي عبد الله فارس، شركة الهند البريطانية ودورها في تاريخ الخليج العربي (1600 – 1858)، (رأس الخيمة، 1997)؛

Mathew, H. and Harrison B. (2004), From the Earliest Times to the Year 2000. [S.I.]: Oxford University Press, V. 23, PP. 347; Al-Qasimi, The Myth of Arab Piracy in the Gulf, second edition, (New York, 1988), S.M. PP. 348.

[6] انظر:

Dr. Mark Hobbs, George Barnes Brucks and the First English Survey of the Gulf, Qatar Digital Library.

[7] انظر:

Bahrain Through the Ages: The History, ed. Shaikh Abdullah bin Khaled Al- Khalifa and Michael Rice, int. Tariq Al Moayad, p. 534.