أم السادة
تغییر اندازه فونت
16

مقدمة كتاب سيرة أم السادة

ترحل معلمة القرآن الحاجة خديجة علي حسن العكري في عقدها الثامن (1942-2024)، مصقولة الجوهر، تطرب لكل بارقة لحن، تهفو إلى الصوت الجميل، يشدها صوت الحزن، لكنه لا ينسيها صوت الفرح. تحن للحظات كثيرة من ذاكرتها الممتدة، تتحدث بحيوية وامتنان عن معلمتها (أم جاسم ت1988) تترحم عليها ولا تنسى أن تهديها ثواب ختمة كل قراءة قرآن. تضرب أمواج ساحل قريتها (الديه) في آذان ذاكرتها، وكأنها ما زالت تضرب في جدار بيت أبيها المطل على البحر، حيث غرفة المعلمة المخصصة لوليداتها. تتذكر الأشهر الستة التي حفظت فيها القرآن بسرعة دفعت معلمتها لإخفائها؛ خوفًا عليها من العيون.

 تتأمل في قرآنها وهي تتساءل: ماذا يمكن أن أكون لو لم أحفظ القرآن؟ لا جواب غير الصمت الذي يقول أبلغ ما فيها من امتنان لمعلمتها التي مكّنتها من فك حروف بسم الله الرحمن الرحيم، فتدفق منها نور المعرفة للعالم. 

بعد القرآن تتذكر جيدًا كتابها الأول (الجمرات الودية)، عشيقها الذي تضعه في شنطة سفرها يجوب معها العالم، ما زالت جمرته الودية تُشعل قلبها وتشغله.

الابنة الوحيدة للحاج علي حسن العكري، استفردت بدلال أبيها، لم يُقاسمها أحد عاطفة الأبوة غير أخيها مكي الذي تكن له محبة العضيد. تنعمت بعاطفة الأبوة لكن ليس بإفراط الدلع، بل بإفراط المسؤولية، مسؤولية الكلمة، أوقفت حياتها على الكلمة، كيف تعلمها للناس؟ كيف تصوغها في لحن جميل؟ كيف تشرح قلوب المتلقين بها؟ كيف تُفطر قلوبهم بها في عاشوراء، ثم تعالجها في مراسم الفرح؟

سخّرت دلالها لفتح مدرسة للكلمة، تسأل أباها أن يفتح لها معلمًا لتتولى تعليم القرآن، بما وهبه الله لها من جمال صوت وذكاء حفظ، يستجيب الأب لمدللته، فيفتح لها بابا على الطريق خاصا بوليداتها يُفضي إلى غرفة تعليم القرآن. تقضي طفولتها معلمة للكلمة (اقرأ). تُنزل على وليداتها نور الكلمة، فتمكنهم من فتح أسرارها. تصف غرفتها المطلة على نور القرآن، فتبرق عيونها بالفخر والفرح والحنين، تتنهد تنهيدة طويلة ثم تقول: كان وليداتي لآلئ عقدي وهم يُحيطون بي، أحببتهم كثيرًا، رأيتهم كلمات الله لي.

مفتوح هواها على البحر، وهو يأخذها من بحر قريتها الديه على مراكب السفن الهندية نحو كربلاء عبر البصرة، تعدد أسماء السفن وأحوال الطقس وعشق الوصول، تحكي لي عن حديثها مع الحمامة العاشقة التي قابلتها في مشهد علي (ع): ليتني مثلك أيتها الحمامة أقيم فوق قبة علي، أطير على أجنحة كلماته حتى أبلغ السماوات السبع. 

توصيني: إذا كتب الله لك زيارة العباس، فالتفت ناحية نخلتي هناك، بلّغها سلامي، وقل لها تُقرِأُك بنت عبد قيس السلام، إنها تُعرف أهلها العبديين منذ تجسّدت كلمة الله في المسيح وحتى صارت قرآناً لمحمد وآل محمد.

تعدد كتبها النجفية والكربلائية، تتذكر كيف كان أبوها يقدمها لها (تحفة السفر) تجيش بالبكاء، وهي تقرأ فيها قصة (تحفة سفر) أطفال الحسين:

خـذوا لـكـم مـن دم الأحـبـاب تحفـتـكــم

وخـاطـبـوا الـجـد هـذي تـحـفـة  السـفر

تضم مكتبتها الخاصة تحفًا من كتب ومخطوطات تحكي السرد الكربلائي وملاحم الحزن وفجائع الطف. تقف أم السادة على مجاميع مخطوطاتها، تحدثهم بلسان طفولتها: سألت أمي، كيف أصير خادمة للإمام الحسين، قالت لي تعلمي قراءة القرآن، لقد تعلمت القرآن؛ لأعرف كيف أقرأ قصة الحسين المخطوطة بين سطوركم، صرتم أصدقائي، فاشهدوا لي أني كنت خادمة صادقة للحسين، واشفعوا لي عند رب الحسين، فأنتم كتابي المسطور.