ألف لا شيلة
تغییر اندازه فونت
16

مقدمة كتاب ألف لا شيلة

سألتني فضاء عباس: ما سرّ اهتمامك بكتابة سيرة جدتك سلامة، والآن سيرة عمة والدك تقية؟

ربما يكمن السر في الجرح الذي لا يريد أن يستوي في هويتي، فأنا لم أتعافَ بعدُ من فعل إسقاط جنسيتي، وما أرويه عبر سلامة وتقية ربما يضمّد شيئًا من هذا الجرح. يحتاج السرد إلى جرحٍ وتجربة فَقْدٍ، ومعاناة، لا بد أن نفقد شيئًا، لنعيد إيجاده بشكل آخر.

الإنسان كائن مبدع، يُحوّل كل شيء يعتمل فيه إلى شكل فني، يُبلّغ عن جرحٍ غائرٍ فيه أو يروي حكاية جرحٍ في لاوعيه. 

كانت مريم عبدالواحد، بنت المعلمة تقية وتلميذتها ومساعدتها، تروي لنا في ليالي الشتاء قصصًا وحكايات ندفئ بها شتاءنا القارص. تربينا في بيتنا على سردها الساحر ونمت مخيلتنا من خلالها. تعلمت مريم القرآن من أمها تقية وتعلمتْ فن السرد كذلك من روايات مخطوطات أمها، تلك الروايات التي تسرد قصة كربلاء وفاجعتها، مشبوكة بقصص الخليقة من آدم إلى مريم بنت عمران إلى يحيى بن زكريا وصولًا إلى قصة مسلم بن عقيل ووليدات مسلم، إنه عالمُ واسع وفاتن من القصص.

الحب لا شك محرك قوي لدفعي نحو كتابة هذه السير، لكنه لوحده لا يكفي، أشعر أن هذه الشخصيات قطعة من الحياة، وُجدت في زمانٍ يتلاشى من الذاكرة. نحن كائنات ناقصة من غير قصة نرويها أو نروي من خلالها حياتنا وحياة من سبقونا.

 لم تعبر هذه الشخصيات مرورًا بل أقامت إقامة، أقامت  في قلوب الناس وزمانهم وتاريخهم. سرد حياة سلامة وتقية وعشرات النساء اللاتي عشنَ بتفرد في ذلك الزمن يمنحنا حياة أخرى، نحن بحاجة لها، أحب أن يقرأ أبنائي هذه السير، وأحبهم أن يعرفوا كيف تكونت أنا من خلال هذه السير، وأريدهم أن يتعلموا كيف يحتفظون بالحياة التي عاشها آباؤهم وأمهاتهم في شكل سردي، أريد مخيلتهم أن تنمو على هذا السرد.

قبل أربع سنوات سعيت لكتابة تاريخ قرية الدير من خلال النساء، لدى النساء تفاصيل من الحياة لا يلتفت إليها الرجال، كانت الخطة تقتضي الاستماع إلى سرد حياة عشر نساء من المتقدمات في السن، أردت أن أرى القرية بعيون نسائها، لم يكتب لهذا المشروع أن ينجز، لأني لم أجد فريقًا يغامر معي في هذه التجربة. 

في القرية نساء قويات صنعن فرادة خاصة تستحق أن تروى، وأنا أستمع لشهادات الرجال الذين تتلمذوا على يد المعلمة تقية لاحظت الإعجاب والإكبار التي تركته هذه الشخصية النسائية في نفوسهم. يفخرون أنهم تعلموا عندها، لاحظت كيف يسرد الرجل تاريخ إعجابه بما صنعته المرأة في عقله وروحه. لم يكونوا يتحدثون عن سيرة حب نسائية بل تحدثوا عن سيرة تكوين ثقافية. شخصيات نساء الدير وغيرها من المناطق في قلب تاريخ القرية ولم يعشن على الهامش، ولا بد أن ينصفهن السرد ويعطيهن حيّزًا مميزًا في تاريخ القرية.

أحب أن أقرأ تاريخ قريتي من خلال نسائها، وأن آراهم بطلات وشخصيات استثنائية، وأنا أستمع إلى عمتي ملكة، وهي تتحدث عن عمتها المعلمة تقية، كانت تتحدث عن جدها حجي عبد الله ابن عيسى، وكيف أنه أودع ثقته في شخصية ابنة أخيه فاطمة بنت علي بن عيسى. كان لا يفعل شيئًا من دون استشارتها، لثقته بحكمتها وشخصيتها. 

هناك نماذج نسائية كثيرة في القرية على شاكلتها، يكفي أن تعرف أن هناك ما يفوق عشر معلمات للقرآن في قرية الدير، كن يعلمن الرجال كيف يقرؤون حرف الألف التي لا شيء لها من النقاط «ألف لا شيلة» وكيف يميزون بينها وبين الباء التي لها نقطة تحتها.

تتمتع هؤلاء المعلمات بالمهابة والرجاحة وحضور الشخصية كحضور الألف في الأبجدية. علينا أن نكتب تاريخهن، ونصنع منهن شخصيات ملهمة نفخر بها.

علي أحمد الديري

14 أغسطس 2018

ويندسور- كندا