منذورة منذ طفولتها للحسين، تبدأ خطواتها على العتبة الأولى؛ إذ كلمات القرآن، تصقل مخارج حروف حَنْجَرَتِها الطّريّة. في الخامسة من عمرها أخذ أبوها الحاج يُوسُف بن حسن مزعل (ت 1940) إلى مُعلِّمي القرآن من آل حبيل بـ(مهزّة) يحملُها على حماره وسط مزارع سترة بمحاذاة البحر والنّخل. كانت بنت جمعة المعروفة في ذلك الوقت مُعلّمتها. والحبيليّة الملاّية، ومُعلّمة القرآن زينب بنت عبدالله بن محمّد بن حسين بن محمّد بن حبيل (ت 1975) رفيقتها.
رسم الأب الطّريق في قلبها وعقلها، لن تحيد عنه أبدًا، أخذت تحفره في وجدانها عميقًا. يتسلّم المهمّة المقدّسة أحياناً أخوها يعقوب بن يُوسُف حسن مزعل (ت ديسمبر 1962)، يسير بها على الطّريق نفسه، لا يحيد عن الجادة، تتمكن من حفظ القرآن سريعًا محفوفًا بأصوات العصافير، وجداول المياه العذبة، ونخيل مزرعة آل حبيل وأشجارها. جمعت في قلبها جنّةَ القرآن، وجنةَ الطّبيعة، فصارت طينتها معجونة بالطيب والطيبة. تقول إحدى حفيداتها: لجدّتي رائحة مميّزة، نحار في مصدرها، ونوعها، واسمها؛ هي رائحة بنت مزْعِل، لا تسمية أخرى لها، لا أعرف من أين تأتي لها؟! حتّى إنّي ظننتُ أنّها أتت معها هكذا من الولادة، إنّها أحدُ أسرار هذه الوليّة العجيبة.
(بنت يُوسُف أو بِنت مزْعِل) الاسم الشّهير لتلك الملاّية التي جالت مآتم البحرين؛ لتصدح بما وهبها اللهُ من نقاء حنجرة، وانفراد كاريزما. سيّدة من بلدة (القرية) السّتراويّة، وهبت وقتها كلَّه للحسين، وأوقفت حياتها على آل الحسين.
في مجلس بنت مزْعِل ما كان أحد يجرؤ أن يرفع رأسه، لا أحد يستطيع ذلك لقدرتها على جعل الجميع تحت تأثير مقامها الصّوتي، وقدرتِها التصويرية، والتمثيلية، إنّها تجعل من المأتم مسرحًا وتغدو هي البطلة المتفرّدة بالمنصة.
ذاع صيتُها حتّى إذا قيل (الحاجيّة) انصرف الذهن إلى (بنت مزْعِل أو بنت يُوسُف). جالت أغلب مآتم البحرين: سترة، النويدرات، العِكر، المنامة، النّعيم، الديه، البلاد، داركليب، دمستان، المالكية، صدد، كرزكان.
ما أن تدخل مأتمَها المكتظ بالمستمعات المتلهفات لقراءتها، حتّى يحدث الاستنفار “جاءت الحاجيّة” فينفتح لها الطّريق، وكأنّها ملكة متوّجة بالهيبة والوقار، وامتلاك قلوب النّاس، تتمركز في الصّدر، يُتوسّع لها في المجلس لا يزاحمها أحدٌ في المكان الذي تستقر فيه، يُخيّم السّكوتُ والسّكونُ لحظات، قبل أن تشقه بنت مزْعِل بصوتها؛ فيشتعل بالأنّات، والونّات، وقوافي الحزن المجرورةِ على إيقاع طورها.
بمجالسها ترتدي العباءة السّوداء والثّوب الأسود، وتلوح بمنديلها، تشير به عبر تحريك إصبعها لليمين والشّمال، وكأنها تُلفت إلى مواقع معركة الطّفّ. انفردتْ بطورها الذي ابتدعته وتمسّكت به. لم تغيّره في النّعي أبدًا، فهذا طور خاصّ بها، ولا يليق إلاّ بنطقها ولسانها، يرتكز هذا الطّور على تلحين الكلمة الثّالثة من الشّطر، والسّادسة تلحيناً حزينا شجيّا مُفجِعاً.
تزوّجتْ بنت مزْعِل من حَجِيّ مُحمّد علي بوحمود المعاميري، أنجبتْ منه: منصور وخديجة، وقد تُوفِيَ في منتصف الثّلاثينيات. ثمّ تزوّجتْ لاحقًا من الشّيخ مُحمّد بن الشّيخ ناصر آل مبارك (ت1948)، وكان معه من الأولاد مَنْ صار شيخًا لاحقاً: يُوسُف، مُحمّد سعيد. سكن معها في بيتها، فربّت صغارَه وأحسنت إليهم، فأحبّوها كثيرًا، حتّى صارت تسمى أمُّ الشّيخ. بعد وفاة زوجها الثّاني، تزوّجت أخاه، الشّيخ إبراهيم آل مبارك (ت 1979)، وبعد سنوات من الزّواج طلبت الخُلْع، فكان لها ما أرادت.
منذ السّتينيات تفرّغت تمامًا للخدمة الحسينية، أوقفت بيتها للحسين، وجعلَتْ منه مأتمًا، ومسكنًا لها، تحوي مكتبتها عشرات المخطوطات والمجاميع، قضت حياتَها بين الكتب والقراءة الحسينية، كانت تقول “كتبي حِجابُ صوني” إنّها مقولة عميقةُ الحضور في وجدانها، لقد منحتها كتبُها قوّة، وغنى، ومتانة، ومعرفة، وذاكرة حاضرة، وصانت مكانتها وجعلتْ منها ملاّيةً تشرئب لها الأعناقُ، ومن جانب آخر أغنتها وجعلتها عزيزة غير مُحتاجة لأحدٍ، بَنَتْ مأتمَها من مالها الخاصّ، وأولت عناية للفقراء، والمحتاجين، والأيتام، وبَنَتْ ثلاثة مساجد بالقرية: مسجد الصّاغة، ومسجد شيخ راشد، ومسجد المزعلية.
هناك أمرٌ لافتٌ في قوّة شخصية بنت مزْعِل، فقد تمكّنتْ من فرض لهجتها السّتراويّة في القراءة، بل وأعطت قوّة لهذه اللهجة. النّساء تخرج من المجلس مبللةً بالدّموع، وصوتُ بنت مزْعِل قد تَمكّن من كلّ شيء فيهنّ، وتلبّس مزاجَهنّ وحالتَهنّ النّفسية، بل إن صرخة (ويلي) المختومة بيائها الممدودة التي تنطقها بالنّبر السّتراوي، أعطاها توقيًعا خاصًا مُحببًا للنفوس.
تقولُ الملاّية أمّ السّادة :”إنّ صوت بنت مزْعِل من القوّة بحيث يغسل المستمعات من ذنوبهنّ وهمومهنّ الصغيرة، أقولها وأنا واحدة من اللواتي عايشنَ مجالسها، نخرج من مجلسها، وكأنّ لا ذنب لنا. لا شك عندي أنّ إخلاصها لله، وللحسين قد أعطاها هذه المكانة “.




