“وعلى مدى بضع سنين، أدى الحكم المتساهل والمتسامح للشيخ عيسى -قد يسميه البعض سوء الحكم وأنا شخصيًّا أفضِّل تسميته بـ “اللاحكم”- إلى تزايد حالات الاستبداد والاستقلالية التي كانت تتجلّى سريعًا بالمصالح المكتسبة والإضعاف الخطير للإدارة”[1].
هكذا وصف المقيم السياسي في الخليج (ستيوارت جورج نوكس) فترة حكم عيسى بن علي (1869 – 1923م). كان ذلك في خطاب ألقاه في مجلس عزله الذي عُقد بتاريخ 26 أيار/ مايو 1923م، بحضور أفراد من عائلة آل خليفة، وممثلين عن البحارنة والسنة. اتخذ البريطانيون قرار عزل الحاكم وتنصيب ابنه حمد نتيجة سوء حكمه، أو كما عبّر (نوكس) صراحةً “لاحكم”. أي إنه لم يكن هناك سلطة مركزية تحكم، وأن البلاد كانت من غير نظام، لذا وجب التغيير. لقد كان الخطاب واضحًا ومباشرًا وحاسمًا في عزل الحاكم وإنهاء الحكم القبلي والنظام الإقطاعي الذي حوّل الأراضي والمزارع والقرى إلى إقطاعيات تقاسمها إخوة الحاكم وأبناؤه.
في النظام الإقطاعي، لا يملك أمير الإقطاعية أرضًا واحدة، أو مزرعة واحدة، بل يملك مساحات ممتدة تشمل مجموعة من المناطق والقرى. لقد تم توزيع البحرين إلى إقطاعيات، يتحكم كل شيخ من آل خليفة بواحدة منها، ويملك الحاكم أراضي الإقطاعيات كلها.
توزعت مناطق الإقطاع تحت إمرة الشيوخ على الشكل الآتي؛ فعيسى بن علي كان يدير المنامة، والمحرق، وشؤون المقاطعات الزراعية في السنابس، والحد، والدير، والحجر، والقدم، وتوبلي. وكان ابنه عبد الله يدير مقاطعات جدحفص، وبوري، وابنه حمد يدير مقاطعات بلاد القديم، وكرانه، وابنه محمد مقاطعات كرمباد، والقلعة جدعلي، والغازية، والجفير. وحكم حفيده سلمان مقاطعة الزنج، وأخوه خالد بن علي جزيرتي سترة والنبيه صالح. وحكم ابن أخيه علي بن أحمد بن علي مقاطعتي السهلة والصالحية، وحكم إبراهيم بن خالد جبلة حبشي. أما بقية أجزاء البلاد فقد حكمها بعض الأقرباء البعيدين نسبيًّا كبنعلي وخليفة، ابني محمد بن خليفة، اللذين حكما مقاطعات عراد، وعالي، وسلماباد، ودار كليب، والشاخورة، وحمود بن صباح وأخيه جابر اللذين حكما الكورة، وجرداب، والهجير[2].
بدأت حركة المطالبة بالإصلاحات في البحرين في العام 1904م، بعد الاعتداء على وكالة تاجر ألماني (فونك هاوس). دفعت هذه الحادثة الحكومة البريطانية إلى اتخاذ خطوات جذرية في ما يخص النظام القضائي، فأصدرت المرسوم الملكي الخاص بالبحرين (1913م)، وجعلت الولاية القضائية للأجانب من صلاحية المعتمد السياسي البريطاني. لكن هذه الخطوات لا تعتبر سوى شرارة أولى في مسار الإصلاحات الطويل.
تفاقمت الأمور إلى حدٍّ كبير من ذلك الحين حتى العامين 1921 – 1922م، عندما احتدمت الأحداث بسبب ارتفاع مستوى استبداد الشيخ الحاكم وعائلته برعايا البحرين، وتحديدًا من قِبَل عبد الله، الابن الأصغر للحاكم. كان البحارنة آنذاك قد قدموا العرائض والتظلمات التي تبيّن حجم هذا الاستبداد، وأبدوا غضبهم الشديد ورغبتهم في إصلاح الأمور وتحسين أوضاعهم المعيشية.
أمام هذا الكم من الاحتجاجات والمطالبات، وجدت الحكومة البريطانية أن “السياسة التي تعتمدها حكومة جلالة الملك بعد حوادث 1904 – 1905م، ومفادها أن إصلاح الحكومة الداخلية ينبغي أن يتحقق عبر الوسائل غير المباشرة والمسالمة من خلال زيادة نفوذ الشيخ وكسب ثقته لم تثبت نجاحها”[3]، وأرجعت هذا الفشل إلى “شخصية الشيخ وصفات آل خليفة عمومًا”[4].
توالت الأحداث إلى أن بدا واضحًا عدم استجابة الحاكم لأي مطالبات بإدخال إصلاحات إلى إدارة البحرين، فهو كان “تحت تأثير السيدة (أي زوجته)، والشيخ عبد الله”[5] وقد كانا يعارضان انتقال الحكم إلى حمد بن عيسى، ويسعيان إلى أن يتم تنصيب الشيخ عبد الله.
بدأت مظاهر الفساد تتجلى في بلدية المنامة تحت رئاسة الشيخ عبد الله، وأظهرت ملفات الوكالة السياسية أنه ما من تحسّنٍ في ما يخص الإدارة الداخلية للبحرين. في تلك المرحلة رأت بريطانيا أن الشيخ عيسى قد وصل إلى مرحلة من العمر لم يعد قادرًا فيها على إدارة الحكم، وأنه ينبغي أن يتولاه ابنه حمد بن عيسى الذي اعترفت حكومة الهند رسميًّا بكونه وليًّا للعهد في العام 1901م بناءً على طلب الشيخ عيسى شخصيًّا.
مضطرًا تغيّر سلوك عبد الله في النصف الأول من العام 1922م، وبدا متعاونًا أكثر مع الشيخ حمد لتنفيذ الإصلاحات. شكّلت هذه الخطوة تحوّلًا غير مسبوق وفق ما عبرت عنه الوثائق البريطانية[6]، وكانت أولى مظاهره السعي إلى إصلاح النظام الضريبي في البلاد. لكن هذه الخطوات كانت مستبعدة في نظر بريطانيا لأسباب متعددة، منها خوف آل خليفة من ابن سعود الذي كان يرى في هذه التغيرات مساسًا بمصالحه الخاصة. وبدأت علامات التخوف من تأثير قرار ابن سعود بدعم الدواسر على تنفيذ الإصلاحات التي من شأنها أن تضر بمصالحهم أيضًا.
أما الشيخ عيسى، فقد أظهر رفضًا قاطعًا لأشكال الإصلاحات كافةً، فهو قد عرقل تنفيذ أبسطها، التي كانت ستنعكس إيجابًا على التقدّم المادي في الجزيرة. ورأت الحكومة البريطانية أنه لا شك سيعارض الإصلاحات التي ستحدّ من بسط يده في البلاد. لم تكن بريطانيا تجد بديلًا عن اتخاذ قرار بالتهديد بعزله إذا ما استمر باتخاذ مواقف مشابهة، بل وتنفيذ هذا التهديد في حال لم تجد أي استجابة منه.
والحادث المفصلي الذي كان بمثابة شرارة بسيطة أدّت إلى عزله فعلًا كان عراك عارض في سوق المنامة بين النجادة والفرس، تطور إلى أن أصبح اضطرابات خرجت عن سيطرة بلدية المنامة، وقادت إلى الكثير من أعمال العنف.
إنها حادثة السوق التي جرت في 10 أيار/ مايو 1923م، حين سرق فتًى للقصيبي ساعة له، وقيل للأخير إنها معروضة للبيع في متجر أحد الفرس. لم يوافق الفارسي على إعادة الساعة بالمجان، ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأحداث تتوالى، وتحوّلت هذه الحادثة البسيطة إلى صراع سياسي، وديني، وعرقي.
انقسم المشهد البحريني آنذاك إلى قسمين: مؤيد للإصلاحات ومعارض لها؛ المعارضون للإصلاحات كانوا سيخسرون بتنفيذها الكثير من الامتيازات التي منحت لهم من دون وجه حق.
اعتبر البريطانيون أن القصيبي، وكيل ابن سعود في البحرين، هو المسؤول الأول عن هذه الاضطرابات، ووجدوا أن تنفيذ الإصلاحات بات أمرًا ملحًّا لتثبيت الأمن.
بدأت حينئذٍ عملية وضع سيناريو عزل عيسى بن علي، لكن بريطانيا كانت حريصة على أن يطلب الحاكم تنازله عن الحكم بنفسه حفاظًا على ماء وجهه، ومرةً أخرى كي لا تظهر بريطانيا أنها تتدخل مباشرة في شؤون البحرين بشكل علني. كان لعيسى بن علي خطاب تنازل سري، الهدف منه أن يتعهد بعدم التدخل في شؤون الحكم.
تم العزل رسميًّا في 26 أيار/ مايو 1923م، في مجلس شمل كلًّا من القبائل، والبحارنة، وآل خليفة، أُعلِنَ فيه تنازل عيسى بن علي عن الحكم لابنه حمد على أنه الوكيل المفوّض منه بالكامل، وانتقلت البحرين في تلك اللحظة من نظام الحكم القبلي إلى نظام الدولة الحديثة.
ينقسم هذا الكتاب بشكل رئيس إلى قسمين، الأول يتضمن المراسلات والتقارير التي تتناول السلوك الاستبدادي الذي انتهجه شيخ البحرين وعائلته تجاه رعاياه، والعرائض التي قدمها الرعايا حول حالات الظلم والاضطهاد، بالإضافة إلى مذكرة حول الوضع السياسي في البحرين، تسرد حالات الاستبداد، والفساد، ووضع الإدارة الداخلية في الجزيرة، والأحداث المتتالية التي أثبتت للحكومة البريطانية فشل سياسة عدم التدخل المباشر.
في هذا القسم أيضًا الكثير من المراسلات بين مختلف الجهات البريطانية التي تناولت أعمال الاضطهاد في البحرين، وسعت إلى حلّها بمختلف الوسائل المسالمة (تقديم النصح لشيخ البحرين، وحثّه على رفع حالات الظلم عن رعاياه، ودفعه لتنفيذ عدد من الإصلاحات التي من شأنها أن تهدئ المواطنين المحتجين)، ومراسلات أخرى بشأن الإصلاحات المقترحة على النظام الضريبي ومحاولة تنفيذها بهدف إيجاد تكافؤ في تسديد الضرائب بين السنة والشيعة.
أما القسم الثاني، فيتمحور حول حادثة سوق المنامة التي أدت إلى اندلاع الاضطرابات بين النجادة والفرس، وعن موقف شيخ البحرين من هذه الحادثة بشكل خاص. وقد تضمّن الكثير من المراسلات حول حقيقة هذه الحادثة، ونشأتها، ونتائجها، بالإضافة إلى المراسلات المرتبطة بتنحية عيسى بن علي، وتنصيب ابنه حمد. وكان اللافت في هذه المراسلات تشديد الحكومة البريطانية على أن يبدو أمر التنحية طوعيًّا من دون أي ضغط منها.
يحتوي هذا القسم أيضًا على تقرير مطول تحت عنوان “مذكرة حول الوضع السياسي في البحرين” للمعتمد السياسي (1920 – 1926م) الرائد (كلايف كيركباتريك ديلي) حول إصلاحات البحرين، فيه سرد للأحداث التي بدأت بين النجادة والفرس، وانتهت بالتحضير لمجلس العزل، وعرض للمشاكل التي يتوجب حلّها في الإدارة الداخلية من خلال الإصلاحات.
يختتم هذا الكتاب بخطاب المقيم السياسي في الخليج (ستيوارت جورج نوكس) في مجلس عزل الحاكم وتنصيب ابنه حمد بن عيسى في أيار/ مايو 1923م. تحدث (نوكس) عن سنوات حكم عيسى بن علي، ثم انتقل إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في البحرين مخاطبًا كل مكون برسالة خاصة: السنة، وآل خليفة، والدواسر، والسكان الأصليين، والحاكم الجديد حمد بن عيسى، مؤكدًا ضرورة الإصلاح.
هوامش
[1] أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية الأصلية 1820 – 1971م، مركز أوال للدراسات والتوثيق، (بيروت، 2019)، المجلد الرابع، ص 471.
[2] فؤاد إسحاق الخوري، القبيلة والدولة في البحرين: تطور نظام السلطة وممارستها، مركز أوال للدراسات والتوثيق، (بيروت، 2016م)، ص 66.
[3] المصدر نفسه، ص 358.
[4] المصدر نفسه.
[5] المصدر نفسه، ص 360.
[6] أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية الأصلية 1820 – 1971م، مركز أوال للدراسات والتوثيق، (بيروت، 2019م)، المجلد الرابع، ص 397.






