في قرية السّهلة بين بيوت سعف النخيل ولدت الملاية الحاجة حصّة حسن العكري (1943-1996). بين نخيل البساتين، وحقول الدواليب تدرجت طفولتها. مدّت يدها إلى حيث تعين أمّها. وخطت برجلها إلى حيث تطيع أباها، وفتحت ذراعها إلى حيث تحضن أخاها. ومشت بين شجيرات الورد، وخضرة الزرع وجذوع النخل الباسقة؛ لتصل إلى معلّمة القرآن، الحاجة فاطمة بنت سالم بن سليم. تفتحت حديقة القرآن في قلبها. ومجاميع كتب المقاتل في صوتها. تفتحت هنا زهرة في حديقة الحسين، لتؤول قارئة لحكاية الرأس الشريف الذي لم يفارق القرآن الناطق في كلّ جارحة فيه.
وُلِدَتْ حصّة على فطرة الأرض الأولى، وهي تتلو آيات النور ومجاميع أهل النور. تَلوّن قلبها بربيع القرآن، ومزارع الأرض التي رُويت بعرق أهلها، حتى صاروا أصلها وفصلها. تغذت جوارحها بكلّ ما في هذه الأرض من أصالة وطهارة ونقاوة. فكانت حياتها وسيرتها صورة من أرضها ونخلها.
تزوجت من الحاج علي بن أحمد الدّقاق (ت ١٩٩٨) وحملت منه أربعة عشر بطنا، أشربتهم حبّ الوصي وغذتهم به من عروق لبنها. فكانوا جميعا على خط الولاية والعلم، وبرز منهم سماحة الشّيخ الدكتور عبدالله الدقاق مدير الحوزة البحرانية بمدينة قم المقدّسة.
قادت ضمن فريق ثلاثي من الملايات القراءة الحسينيّة في مأتم النساء الغربي في كرباباد. الملّاية فاطمة بنت الحاج سالم أمّ عبدالله زوجة الحاج يحيى (ت ١٩٨٢). والملّاية السيّدة حسنية بنت سيّد محمد سيّد شبر أم علوي (ت ٢٠٠٧).
تميّزت بالقدرة على الارتجال، تنشئ القصائد الرثائية وهي في وسط المجلس، من غير تحضير مسبق، تُلهم ذلك إلهاما لحظة التفجع والحماس، فيضج المجلس معها بالبكاء بكلّ حرقة.
كانت النسوة بعد انتهاء المجلس يتحلقن حولها في مأتم كرباباد الغربي، وهي تُمسك بورقة تقرأ منها: وسلّموا على فلانة وفلانة، وبلغوا بيت الحاج فلان سلامنا، لم ننسكم يا أهل الديرة من الدعاء عند الإمام الحسين (ع). إنّه (الخطّ) يعني الرسالة التي يرسلها الزوّار من الأماكن المقدّسة لأهاليهم. عادة تعلن الملّاية حصّة باكرًا لأهالي القرية، إنه قد وصل (خطّ) من عائلة فلان الزوّار، واليوم سنقرأه في المأتم بعد الانتهاء من المجلس، هكذا كانت تنقلهم بصوتها من مقام الحزن إلى رسائل الفرح.
محاطة دوما بالأذكار والآيات، كان آخر ما قرأته قبل رحيلها بساعة، في فاتحة الشهيد سيّد علي سيّد أمين يوم ١٩٩٦.٨.١٨م “وَارْحَمْني صَريعاً عَلَى الْفِراشِ تُقَلِّبُني أيْدي أحِبَّتي، وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ مَمْدُوداً عَلَى الْمُغْتَسَلِ يُقَلِّبُني صالِحُ جيرَتي، وَتَحَنَّنْ عَلَيَّ مَحْموُلاً قَدْ تَناوَلَ الاْقْرِباءُ أطْرافَ جَنازَتي”.
لا شك أنّ الله رحمها بصرختها التي أوقفتها (لهم) طوال حياتها “وارحم تلك الصّرخة التي كانت لنا”.




