تغییر اندازه فونت
16

داعش من النجدي إلى البغدادي

آثارت احتفالية التيار الوهابي في المملكة السعودية، وبدرجة أقل تيارات أخرى سنية وإخوانية في الخليج على وجه الخصوص، بالاعلان عن سيطرة تنظيم «داعش» على محافظة الموصل العراقية في 10 حزيران (يونيو) 2014 حزمة أسئلة كبرى حول ما يمثله التنظيم في الوعي الشعبي الوهابي في الهوية الدينية، وفي التوقعات المعلنة والمضمرة لدى أتباع المذهب ولدى عموم السنة.

في غمرة الصخب الداعشي الذي رافق الاجتياج لمناطق واسعة في العراق شعر جمهور الناشطين وطلاب الحرية في المناطق السنية في العراق وبما يحملونه من مطالب مشروعة اقتصادية واجتماعية وسياسية بالإحباط الشديد لأن ثمة عدواناً آخر وقع عليهم نتيجة اختطاف تنظيم «داعش» لنضالهم السلمي المدني وساهمت قنوات فضائية خليجية في تعزيز المعادلة الميدانية على حساب الحراك الشعبي السلمي في المناطق السنية في النتائج برز «داعش» بوصفه حبل نجاة ليس لسنة العراق فحسب بل ولعموم السنة في المنطقة، الأمر الذي فجر هواجس أمنية وسياسية إقليمية ودولية…

وبدا أن «داعش» ليس ظاهرة فكرية أو سياسية ـ اجتماعية طارئة أو عابرة، ولا أفكاره صنعت في غير أرض، وإن الاكتشاف، بوقع الصاعقة، تمثل في أن هذا التنظيم كان بمثابة السلالة النقية للجيل الوهابي المؤسس، وهنا تكمن خطورة ما يدبر المستقبل المملكة السعودية على وجه الخصوص والمنطقة عموماً.

في التداعيات، وخصوصاً بعد إعلان «داعش» عن الخلافة الاسلامية في 29 حزيران (يونيو) 2014، فإن المشروعية الدينية للدولة السعودية باتت في موضع خطر جدي، إذ لم تعد الوكيل الحصري للعقيدة الوهابية. فإعلان الدولة الاسلامية يشي بنزع المشروعية وجدارة الاستمرار، وإنها، أي دولة «داعش»، أصبحت الوارث الشرعي للوهابية، الأمر الذي يعني أن السعودية، دون بقية الدول المستهدف الأول المشروع دولة الخلافة بقيادة أبي بكر البغدادي، الذي حقق، بحسب متبنيات العقيدة الوهابية في ولي الأمر العنصر المفقود في الأسرة المالكة في الجزيرة العربية، أي العنصر القرشي وهو الذي ينظر اليه بكونه شرطاً جوهرياً، من وجهة نظر تيولوجيين إسلاميين ابي الفراء الحنبلي وابن خلدون وابن القيم وغيرهم في الخليفة.

في لحظة ما، وفي محصلة أولية، أخرج «داعش» المستور والكامن والمحبوس داخل كثيرين ينتمون للتيار الديني الوهابي في المملكة السعودية. اكتشف هؤلاء في ضوء السردية الداعشية أنهم أعضاء غير رسميين في التنظيم، وربما رعايا في دولته أيضاً. عبر كل منهم عن انتمائه له على طريقته، وبإسلوبه الخاص، فمنهم من وصف سيطرة «داعش» على الموصل أنها حركة تحرير كما جاء في تغريدة للشيخ الصحوي سلمان بن فهد العودة، بالرغم من الخصومة المعلنة بينه وبين تنظيمات السلفية الجهادية (القاعدة وداعش حصرياً)، ومنهم من وصف مقاتلي «داعش» أنهم ثوار كما فعلت صحيفة (الجزيرة) التي تصدر من العاصمة السعودية، الرياض، بالرغم مما قيل عن تمايز بين «داعش» و مجموعات ثورية انتفضت على الحكم العراقي، فيما راح ناشطون من التيار الديني الوهابي يملأون فضاء (تويتر) بتغريدات تمجيدية صريحة تارة ومواربة أخرى لارتكابات مقاتلي «داعش» في العراق وإدراجها في سياق الثورة الشعبية، إلى جانب الطابع المذهبي الطائفي المرافق لها وتصويرها على أنها منازلة سنية – شيعية…

وفي يوم الاعلان عن «الدولة الاسلامية» أو «الخلافة» وتتويج أبي بكر البغدادي، إبراهيم بن عواد البدري خليفة على المسلمين، بادر بعض أتباع المذهب الوهابي في المملكة السعودية إلى مبايعته على الأقل في العالم الافتراضي، وهنا يكمن السؤال المفتاحي لفهم علاقة «داعش» بالمملكة السعودية، وبأتباع المذهب الرسمي فيها.