جزر البحرين بين حكم “الهرامزة” وإطماع القبائل العربية

جزر البحرين بين حكم “الهرامزة” وإطماع القبائل العربية

*د.محمد السلمان

الوثائق هي المادة الحية لتسجيل حركة التاريخ وديمومته، أما الإنسان فهو صانع ذاك التاريخ. ولذا فلا شكّ بأن التاريخ بحق، هو الوثائق والمخطوطات التي تُشكل الأساس في كتابته. وأي تاريخ يُكتب في غياب تام للوثائق والمخطوطات يُنظر إليه بعين الشك والحذر الدائم. وإن كان هذا لا يعني إهمال التاريخ الشفاهي الذي يُنقل على لسان الرواد الأوائل، خصوصاً إن كان بحضور من سجل حديث أولئك الرواد الرواة، أو كان على شكل مذكرات شخصية لزعيم روحي، أو سياسي، أو تربوي، أو اقتصادي، أو غيرهم.

والوثائق، في معناها العام، هي كل الأصول المدونة التي تحتوي على معلومات تاريخية يعتمد عليها الباحثون في كتابة التاريخ. وتحديداً أكثر، الوثيقة هي كل ما هو متكوب بخط اليد، أو مطبوع، ويُشكل أهميته في دعم البحث التاريخي، مما أفرزته المؤسسات والجهات الرسمية، أو شبه الرسمية عبر الشخصيات المتنوعة في المجتمع، سواء من معاهدات، ومراسلات سياسية، وتقارير سرية، وتعليمات، وأوامر، وقوانين، وغيرها. كلّ هذه وتلك تعدّ من بين الوثائق التي يبحث عنها الدارسون للتاريخ والباحثون فيه.

وفي هذه الزاوية من (حكاية وثيقة)، سنكون معنيين بالبحث عن الوثائق الورقية فقط، سواء المخطوط منها أو المطبوع، وعرضها والتعليق عليها بشكل مختصر، خصوصاً تلك التي تتناول جميع جوانب الحياة في محيط المياه الخليجية الزرقاء بين الساحلين العربي والإيراني، خلال القرون بين السادس عشر والعشرين للميلاد.

من كان يتصور أن بعض زعماء قبائل العرب، والهرامزة، قد تكالبوا سوياً، عن طريق مد يد العون للبرتغاليين، في أن يكونوا هم السبب المباشر لأن تفقد جزر البحرين مرة أخرى استقلالها وتقع تحت يد المحتل الخارجي لها؟!. لكنه الواقع التاريخي المرير والذي يُعيد نفسه عنوة أحياناً على مر العصور.

فقد أرسل الشيخ محمد بن مغامس الفضلي، زعيم آل شبيب في البصرة عام 1519، برسالة إلى حاكم الهند البرتغالي المدعو (Diogo Lopos de Sequeira)()، تتضمن استعداده لدفع مبلغ يقدّر بنحو مئة ألف أشرفي () للبرتغاليين، أي نصف ميزانية هًرمز مجتمعة آنذاك، إذا ساعدوه في السيطرة على البحرين، والقطيف، حيث سيعترف بعدها بتبعيتهما لملك البرتغال ().

وهنا نطرح حكاية وثيقة لها علاقة بأسرة آل مغامس، المذكورة أعلاه، وفي جزئية خاصة بموقفها من بعض المهاجرين من الأحساء إلى البحرين هرباً من سياط البطش، وسياسة الظلم التي لحقت بهم خلال مرحلة صدور الوثيقة.

هذه الوثيقة متوافرة اليوم في الأرشيف الوطني البرتغالي في العاصمة “لشبونة” والمعروف باسم (Arquivo Nacional da Torre de Tombo ) وتحديداً تحت عنوان خاص بالوثائق الشرقية (Documentos Orientais)، من عربية، وفارسية، وغيرها. وأخذت رقم 62 ضمن مجموعة (الميكروفيلم) في الأرشيف، وهي منسوخة بشكل خاص تحت رقم (292)، ومدوّنة باللغة الفارسية القديمة. ولم تُذكر سنة كتابتها، لكن الغالب أنها دوّنت في مطلع الأربعينيات من القرن السادس عشر للميلاد، استناداً لوثيقة برتغالية، كُتبت في الفترة نفسها تقريبا بتوقيع حاكم البحرين الهُرمزي، محمود الفالي، مؤرخة في العام 1540 م.

وهذه الوثيقة التي نستعرضها هنا، هي عبارة عن رسالة من عماد الدين مراد إلى شرف الدين لطف الله الفالي وزير هُرمز، يتحدث ضمنها عن طمع الشيخ مانع بن راشد آل مغامس () في الاستيلاء على جزر البحرين. وبدلاً من أن يقوم بحماية العرب من قومه، فإنه اضطرهم للجوء لحماية “الهرامزة” في جزر البحرين، وذلك في قوله عن الشيخ مانع:”راودته فكرة الاستيلاء على البحرين للقبض على العرب من آل رحال ()، الذين فروا إلى هناك بسبب الظلم الذي تعرّضوا له. فأحاطهم محمود، وزير البحرين برعايته وحمايته ورفض تسليمهم إليه، إلا أن شيخ العرب مانع، ما لبث أن رأى أن الظروف تقتضي الصلح مع وزير البحرين والكف عن التفكير بشن الحرب عليه، فانسحب من أمام البحرين ليعود أدراجه إلى الأحساء قبل أن تكتمل ملامح الصلح بينهما بشكل جلي”.   

حُررت في جيرون [ هُرمز] في جمادى الآخرة  [د. ت.]
خادمكم عمادالدين مراد

وسبب هرب أو هجرة تجار اللؤلؤ هؤلاء من أسرة آل رحال، وتحديداً محمد وحسين بن رحال وعائلتيهما، كما تبعهم أفراد من آل مسلم كذلك لاحقاً بقيادة محمد بن مسلم وأتباعه؛ هي سياسة الشيخ مانع الاقتصادية في فرض الضرائب الكبيرة على تجار اللؤلؤ، والخيول. مما أضطرهم للجوء إلى عدو الشيخ مانع، وهو الرئيس محمود الفالي، حاكم البحرين آنذاك. وكما تذكر بعض الوثائق البرتغالية دعماً لهذه الوثيقة “الهُرمزية”، فإن الرئيس محمود الفالي، تمكن من الوصول إلى موقع الشيخ مانع البحري، بطريقة ذكية عبر مياه الخليج بين جزر البحرين والقطيف، وقام، بعملية (كومانوز) بحرية وفق التعبير الحديث، أدت لحرمانه مما استولى عليه بغير وجه حق، حيث تم إحراق نحو 150 مركباً كانت تابعه لملك هُرمز استولى عليها الشيخ مانع في وقت سابق. فقام الشيخ مانع بالاستيلاء على جميع مراكب تجار البحرين الموجودة وقتذاك في البصرة بسلعها التجارية. وهذا ما لم يرضَ عنه أعيان البصرة وتجارها، فطردوا الشيخ مانع، وبايعوا بدلاً عنه ابن عمه، يحي بن محمد بن مغامس عام 1544. مما دفع الشيخ العربي الأخير، بالنظر في مصالحه السياسية والاقتصادية، فقرر الإسراع بإقامة علاقات وديّة مع البرتغاليين مباشرة، في (القرنة)، قريباً من البصرة ليتقوى بهم على أعدائه. كما سارع الشيخ مانع في العام نفسه، بفتح ملف العلاقة مع البرتغاليين في هُرمز وعرض عليهم، في رسالة دوّنت في شهر نوفمبر من العام 1544، [ سنعرض لها مستقبلاً] تسليمهم القطيف إليهم، إذا ما مدّوا له يد العون العسكري ليتمكن من استرجاع عرشه الذي تمّ اغتصابه منه، كما يقول، في البصرة.

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: جزر البحرين بين حكم الهرامزة وإطماع القبائل العربية

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو  1 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا:

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>