من والي البصرة إلى “قائمقامية” الدوحة العلاقات العربية – التركية

من والي البصرة إلى “قائمقامية” الدوحة
العلاقات العربية – التركية

*د.محمد السلمان

منذ نشوء الدّولة العثمانيّة، ثمّ اجتياحها معظم أراضي العالم العربيّ في القرن السادس عشر للميلاد من بوابة شمال الشّام، تأرجحت العلاقة فيما بينها بين مدٍّ وجزر، وهيمنة وسيطرة، وتماثل وتضادّ، وتعاون وتنافر، وخضوع وتمرد، غلَّفتها سنوات من النزاعات والصراعات، بالعسكر تارة، وبالنفاق الدبلوماسي تارة، وبالاستسلام والخنوع المباشر من قبل بعض الحكام تارةً أخرى، مسايرةً للوضع، واستفادةً من الباب العالي القابع في “اسطنبول” وعطاياه ومنحه العالية من مراكزَ وألقابٍ من مثل الباشا، والبيك، والوالي، والمتصرف، والقائمقام، وغيرها.

وثيقتنا لهذا العدد تدور حول اللقب الأخير، وهو “القائمقام”، الذي كثُر استخدامه بين نواب الدّولة العثمانيّة من الأمراء والشيوخ وحكام العرب الصغار، على امتداد مساحة الوطن العربيّ جغرافياً في تلك الفترة.   

بدايةً، قبل قراءة الوثيقة والتعليق عليها، لا بدّ من معرفة معنى قائمّقام وقائمّقامية؛ فالقائمّقام هو من يقوم بالعمل في مقام ما، أو نيابة عن شخص آخر أعلى منه مرتبة، فهو مَسؤُول حكومي يتولى شؤون منطقة إدارية في البلد. وبالتالي، فإنّ القائمقاميّة هي مقاطعة إدارية يدير أعمالها ذاك القائمقام. كان هذا اللقب الوظيفي يُستخدم أيضاً للقادة العسكريين الأتراك في الإمبراطورية العثمانية، وهو رتبة عثمانية رفيعة، تمنحها الدولة لكبار الموظفين المدنيين وللقادة العسكريين، وتعادل رتبة عقيد أو عميد.

والوثيقة التي بين أيدينا، هي عبارة عن أمرٍ عثماني صادر عن والي البصرة عبد الرحمن حسن باشا في العام 1907م، بتعيين الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني ولي عهد أو “وكيلاً لقائمّقام قضاء القطر”، كما سمته الوثيقة، وتعني بذلك أنه وكيل لوالده الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، الذي يعتبر المؤسّس الثاني لقطر الحديثة، وهذا هو نص الوثيقة:

” إلى جناب ذي الرفعة الشيخ عبدالله بك الثاني حرسه الله،

البادي لتحرير مرسومنا هذا، هو أنه بناء على ما فهم من كفايتك وأهليّتك ولياقتك، قد عينتك الولاية الجلية وكيلاً عن قائمقام قضاء القطر، وكتبت الكيفية لمتصرفية لواء نجد، فاللازم عليك حسبما تقتضيه صداقتك وحميتك الدينية، أن تبذل مزيد الاهتمام، وتصرف السعي التام لحسن تمشية أمور القضاء، وتسكين العشائر، وإبراز الصداقة والخدمات الحسنة، واستجلاب الأدعية الخيرية من الألسن العمومية لجلالة الحضرة الملوكية، أيدها رب البرية، وأن تعرّف الولاية بما يقتصّ إشعاره من الأمور المهمة، والحوادث الملمّة، وتلازم مسلك الصداقة، ومنهج الانقياد والطاعة، وفقاً للرضاء العالي. وقد سطر هذا البيدر لديّ من مقام والي البصرة الجلية، إعلانًا بمأموريتك والسلام.

11 شوال سنة 1325، و4 تشرين ثاني سنة 1323
والي ولاية البصرة”.

والسؤال الذي يبرز هنا: ما علاقة الأتراك العثمانيين بقطر؟ وكيف وصلوا إليها؟

بعودة سريعة إلى خلفية الموضوع، فإنَّ استيلاء العثمانيين في العام 1871م على إقليم الأحساء في شرق شبه الجزيرة العربية، بمساعدة بعض العشائر العراقية، من بينهم “المنتفق”، وبعض المقاتلين من القبائل العربية والسفن من الكويت، شكَّل بداية بسط السيطرة العثمانية على منطقة غرب الخليج، تحقيقاً لهدف بسط سلطان الباب العالي على الخليج وجزره من الكويت إلى مسقط. وكان مهندس هذه السيطرة والداعي إليها، هو مدحت باشا، الَّذي تقلّد منصب والي بغداد بين الأعوام 1869- 1872. وكان من مبادئه، بسط نفوذ الآستانة على المناطق التي كانت تتبعها اسمياً، تعويضاً لها عن الخسائر الإقليميّة في شبه جزيرة البلقان الأوروبية.

كما كان يعتقد بأنّ تحقيق الانتعاش الداخليّ في الدولة العثمانية، لا يمكن أن يتحقّق إلا بضم ممتلكات جديدة في الخارج إليها، فضلاً على رغبته الملحة في مناوأة مركز الإنجليز في الخليج، فقد كان الرجل ينتمي إلى حركة الإصلاحيين في الإمبراطورية العثمانية التي أطلق عليها الأوروبيون، في تلك الفترة، لقب “الرجل المريض” ضمن نقاش المسألة الشرقية. وسرعان ما تم القضاء على هذا الرجل المريض بالإبرة المميتة، وبقطع أجهزة الإنعاش عنه، ما أدى إلى وفاته قسرياً وسريرياً خلال الحرب العالمية الأولى، بتوقيع بريطانيا وفرنسا.

أما لواء نجد، الَّذي تتحدَّث عنه الوثيقة، فقد كان يضمّ قضاء الهفوف والقطيف وقطر. والأخير هو مربط الفرس في الموضوع.

واختصارًا لأحداث التدخلات التركية في منطقة الخليج، فبعد أن وصلت الدولة العثمانية إلى غرضها من حملة الأحساء، بدأت تتطلَّع إلى مدِّ نفوذها نحو الساحل الجنوبي من الخليج، فأخذت تنظر أولاً نحو قطر، ومنحت الشيخ محمد آل ثاني في يوليو 1871 لقب “قائمقام” لأول مرة، وسمحت له برفع الرايات العثمانية في شبه جزيرة قطر. ثم أرسلت قوات تركية إلى الدوحة في شهر يناير من العام 1872، بقيادة شيخ الكويت عبدالله الصباح، ضمت حوالى ثلاثمائة جندي مع مدفعية ميدان كبيرة، بقيادة ضابط برتبة رئيس أول، وأقامت هذه الحامية في إحدى القلاع العسكرية في الدوحة. وبهذا، بدأ أول شبه احتلال من قِبل الأتراك للإمارة، برره مدحت باشا، بأنه لم يرسل تلك القوات التركية بمدفعيتها إلا بناء على طلب من شيخ قطر أمام تهديدات بدو الأمير الوهابي المجاور لهم، رغم أنَّ بعض الكتابات الإنجليزية ذكرت أن الأتراك ووجِهوا بسخط من بعض الشيوخ والأهالي.

وسرعان ما أعلن الأتراك أنّ شبه جزيرة قطر “قائمقامية” تابعة إدارياً لمتصرّف الأحساء، ثم أرسلوا إليها قاضياً شرعياً تُجدد فترة قضائه كلّ عامين ونصف العام. هذا القاضي كان يتبع النظام التركي الإداري في مدينة القطيف، التي كانت دوائر محاكم العدل موجودة فيها، ومن هناك يتم إرسال القضاة إلى قطر والهفوف والعقير وغيرها.  

ومع وصول الحكم التركي إلى المنطقة، أصبحت قطر “قائمقامية” تابعة للواء الأحساء، يحكمها متصرف يرجع في أموره إلى والي ولاية البصرة. كما عيّن الأتراك مديرين للإشراف على شؤون الموانئ في القطيف والعقير وقطر. وكان عدد سكّان قطر ساعة وصول العثمانيين إليها، حوالى عشرة آلاف نسمة، ضمتهم الـ”قائمقامية” مع بعض القرى الصغيرة التي يحكمها مدير يرجع في أموره إلى “قائمقام” قطر.

وكان المتصرف التركي في الهفوف يعتبر رئيساً للسلطة المدنية والعسكرية، وتقع تحت إمرته القوة العسكرية لسنجق الأحساء و”قائمقامية” قطر. كما وضعت فرقة مدفعية في الدوحة تخضع لقيادة الأحساء.

ويمكن قراءة اهتمام الأتراك بـ”القائمقاميات” كما هو في وثيقة قطر، إذ يتركّز على “السعي التام لحسن لضبط أمور القضاء، وإقرار العشائر في مستوطنات تجعلهم يرتبطون بالأرض، وإبراز الصداقة والخدمات الحسنة للدولة العثمانية، وتكرار الدعاء بالخير دائماً لجلالة الحضرة العثمانية. كما التركيز على نقل كل ما يخص قائمقامية قطر للوالي، وخصوصاً إشعاره عن الأمور المهمة، والحوادث الملمة بالسكان، وضرورة أن يلتزم الوكيل والقائمقام بمسلك الصداقة، ومنهج الانقياد والطاعة للدولة العثمانية، وفقاً لرضا الباب العالي”.

ولم يكن التواجد التركي في قطر طيباً وجالباً السعادة لسكانها، بل فرض العثمانيون ضرائب باهظة عليهم، حتى إنَّ مدينة الدوحة وحدها كانت تدفع سنوياً مبلغاً يتراوح بين تسعة وعشرة آلاف “قران”، رغم أن عدد رجال الشرطة الأتراك كانوا لا يزيدون على خمسين رجلاً.

لذا، فإنَّ الشّيوخ من آل ثاني، الَّذين رحَّبوا بالوجود التركي في بدايته، كوسيلة لوقف الضغط البريطاني عليهم، قد ضاقوا به ذرعاً بعد ذلك. وكان الشيخ محمد بن ثاني على رأس المتبرمين من السيطرة التركية في العام 1875، وبقي يفكّر في كيفية التحرر من أغلالها، إلا أنه كان يخشى أن تبدر منه أية بادرة توحي بذلك، وتؤدي في نهاية الأمر إلى ترحيله إلى اسطنبول، ونفيه إليها لفترة غير محدودة. وهذا الشعور ربما حدا بالسلطات التركية إلى منح ابنه الطموح جاسم، الَّذي استمر في تعاونه مع الأتراك، لقب “قائمقام” قطر في العام 1876.  

ورغم ذلك، لم يفلح هذا الأمر في تغيير الولاء نحو الأفضل، من قِبل شيوخ قطر نحو الأتراك، فقد اتّسمت السنوات الممتدة من 1893 إلى العام 1913، بتغير واضح في سياسة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، والد عبدالله صاحب الوثيقة، فقد تحوَّل بولائه من الدولة العثمانية إلى الحكومة البريطانية. وسار ولده الوكيل، الشيخ عبدالله بن جاسم، على دربه حين تسلّم السلطة قُبِيل الحرب العالمية الأولى، (1913- 1949م)، ما ساهم في نهاية الوجود التركي في شبه جزيرة قطر، وبقي حاكماً لها حتى توفي في العام 1957م.

____________________

 المراجع:
  • القريني، محمد بن موسى، الإدارة العثمانية في متصرفية الأحساء، 1288-1331/ 1871-1913، الرياض، 1426هـ.
  • السعدون، خالد حمود، الأوضاع القبلية في ولاية البصرة خلال الحكم العثماني الأخير والاحتلال البريطاني، بيروت، 2006م.
  • المنصور، عبدالعزيز محمد، التطور السياسي لقطر في الفترة ما بين 1868-1916، ط 2، الكويت، 1980م.
  • القحطاني، حمد محمد، الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إقليم الأحساء 1288-1331هـ/ 1871-1913م، الكويت، 2012م.

__________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: من والي البصرة إلى قائمقامية الدوحة العلاقات العربية – التركية

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو 5 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>