بحارنة البنادر
تغییر اندازه فونت
16

أشجار البحارنة

 

سادنُ الذاكرة، ومقيمُ شعيرةِ التذكّر. باحث في التاريخ والتراث، وصاحب مدونة سنوات الجريش. يتعامل مع الماضي باعتباره مادة حيّة، يعيد تشكيلها بوثيقةٍ وصورةٍ وشهادة، في عملٍ يشبه ترميم مسجدٍ قديم حجرًا حجرًا، ما إن يكتمل بناؤه حتى يصبح محرابًا رمزيًا،  يقف فيه مصليًا.

 

يندرج عمل جاسم آل عباس ضمن مقاربةٍ ترى التاريخ الاجتماعي للعوائل بوصفه نتاج تفاعلٍ حيّ بين الإنسان والمكان، حيث لا تقل الجغرافيا بلاغةً عن الرواية الشفوية، ولا تقل البيئة الاجتماعية أثرًا عن الوثيقة المكتوبة. وفي هذا السياق، برزت عائلة آل عباس بوصفها نموذجًا لعائلة تشكّلت ذاكرتها عبر حركة المكان، وتبدّل القرى، واستمرار الأثر.

 

في لقاء جمعنا مع فرع مهاجر من آل عباس في عبادان، أشار الأستاذ جاسم إلى أن الموطن الأول لآل عباس يعود إلى قرية عسكر، الواقعة في الجهة الجنوبية من البحرين على الساحل الشرقي. وهي قرية ضاربة في القِدم، تختزن إرثًا علميًا وروحيًا بالغ العمق؛ إذ تحتضن ضريح صعصعة بن صوحان العبدي، التابعي الجليل، إلى جانب عدد من كبار العلماء والفقهاء. وتذكر كتب التراجم أحد عشر فقيهًا من أهلها، خلّفوا مصنفات تشهد لزخمها العلمي. كما يمتلك الشيخ حسين الشويكي مخطوطة طال البحث عنها كثيرًا، ويُرجَّح أنها للشيخ علي الشهدائي العسكري الأوالي، شيخ الشهداء، وهو ما يعزّز مكانة عسكر بوصفها حاضنة علمٍ ورواية.

يرتبط آل عباس بعسكر ارتباطًا روحيًا عميقًا؛ فالمنطقة تضم، إلى جانب ضريح صعصعة، ضريح الشيخ إبراهيم بن الأشتر حفيد إبراهيم بن مالك الأشتر، فضلًا عن مقام الصحابي حيّان العبدي، أحد صحابة رسول الله ﷺ من أهل البحرين. وقد شكّلت هذه المقامات عامل جذبٍ روحي شدّ أهلها إلى الأرض، فآثروا البقاء فيها رغم أنها منطقة نائية مقارنة بباقي القرى.

 

ومن عسكر بدأت حركة الهجرة، على مرحلتين أساسيتين. كانت المرحلة الأولى قرابة عام 1717م، إبّان دخول العمانيين إلى البحرين، ثم عادوا إلى القرية في فترة لاحقة بفعل استقرارٍ نسبي في الأوضاع. واستمر وجودهم فيها حتى عام 1802م، حين غادروها إلى قرية بربورة.

كانت  بربورة دوحة واسعة، غنيّة بالنخيل، وقد أعاد آل عباس إحياءها وعمارتها. وبعد سنوات من الاستقرار، انتقل جزء منهم إلى منطقة المعامير الساحلية، فقد عاد بعضهم إلى مهنتهم القديمة، الغوص والصيد، واستقروا هناك. وكانت المعامير آنذاك قريةً مهجورة، أسهموا في إعادة إعمارها وبعث الحياة فيها.

توزّع آل عباس بين بربورة والمعامير، ويُرجّح أن الفرع الذي هاجر لاحقًا يعود إلى المعامير الشرقية، وهي المنطقة التي يقع موقعها اليوم ضمن نطاق خزانات النفط التابعة لشركة بابكو، لقد أُقيمت الخزانات في أربعينات القرن العشرين فوق موقع القرية القديمة.

وفي سياق تتبّع هذا الفرع، يذكر الأستاذ جاسم أن بعض كبار السن من البحرين سافروا في الأربعينات إلى مدينة مشهد الإيرانية. وقد مرّت رحلتهم عبر جزيرة فيلكا في الكويت، ثم إلى المحمّرة، مرورًا بمنطقة القصبة. وهناك التقوا بالحاج محمد بن ميلاد، الذي عاش عمرًا مديدًا قارب 110 أو 120 عامًا. وقد تبيّن من خلال شهادته أن أصوله تعود إلى المعامير، وأنه ينتمي إلى آل عباس، وكان على معرفة بتفاصيل دقيقة عن أشخاص معروفين من العائلة.

وتتكرر هذه القصة مع مهاجرين آخرين من المنطقة، ممن دفعتهم الاضطرابات إلى الهجرة، وكانوا يملكون مجموعات من النخيل. ويشير جاسم إلى أن السكن الحالي في المعامير الغربية (الجبلية) يجاور مخططًا زراعيًا قديمًا، يضم آثار جداول وجذوع نخيل، ما يدل – بالاستناد إلى الكتب والمصادر – على امتداد زراعي قديم يتصل بسلسلة من القرى الجنوبية، وصولًا إلى المعامير ودوحة شْبَاثَة، ويرتبط بوجود  المهاجرين.

ومن خلال الروايات الشفوية الموثقة صوتًا وصورة، يؤكد كبار السن أن فرعًا من آل عباس هاجر قديمًا باتجاه المحمرة ومنطقة القصبة. ويأمل الأستاذ جاسم، عبر البحث الميداني القادم والزيارات المرتقبة، في ربط فروع الشجرة العائلية، والوصول إلى حلقة الوصل التي ما زالت غائبة بين الذاكرة والمكان.