“من شرفة ابن رشد” كان طلبي الأخير منك، أرسلت لك اسم الكتاب وطلبت منك أن تحضره لي من المعارض التي تجوبها طوال العام. كنتَ شرفةً أطل منها على عالم الكتب وميناء أتسلم منه مستجدات عالم النشر.
كانت إطلالتي الأولى على كتب النقد والفكر الحديث من مكتبتك الأولى التي كانت تحمل اسم (النورس). أتذكر خطواتي الأولى لها في مجمع بشارع المعارض وأنا في سنتي الجامعية الأخيرة، شابا قرويا مملوءا بكتب الفقه والعقائد وما تجود به المكتبة الإسلامية، للتو أتفتح على القراءات الحديثة، والترجمات الصادمة لتكويني الديني. صارت مكتبتك واحدة من أهم مصادري في مرحلة الماجستير وما رافقها من قراءة حرة خارجة على الدرس الجامعي وحلقات التدين.
انفتح لي عالم واسع من القراءات، ومن العلاقات، كانت مكتبتك مجمعا للمثقفين والقراء والكتاب ومجلسا دائما للأدب والاجتماع والسياسة، وأحاديث الذاكرة التي لا أرشيف لها.
حين استويتُ كاتبا، من أمشاج مكتبتك، وجدت مكاني بين رفوف كتبك، وحين صارت كتبي محظورة ضمن القائمة السوداء، كنت رفيقا بها، تُؤَمّن عليها وتدسّها بين كتبك من بيروت إلى البحرين. هكذا عبرك وجد كتابي (من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904-1929) أحد طرقه للبحرين.
ولبيروت ذاكرتها معك يا سيد، أنتظر موعد ديسمبر من كل عام، بل صرت أوقت فيما بعد نزولي من كندا على تاريخ المؤتمر السنوي لجمعية وعد وحضورك فيه، لا تأتي إلا محملا بالكتب لي وترحل محملا بالكتب مني. وفي جلساتنا نظل نحلم بالمشاريع التوثيقية والكتب التي تنتظر النشر. واحدة من هذه المشاريع كانت توثيق أعداد مجلة ٥ مارس، وتوثيق ذاكرة من عملوا فيها، كنت متحمسا وداعما للمشروع. تمكنا بفضل جهودك من أرشفة ١١٤ عددا في محرك بحث مركز أوال للدراسات والتوثيق، وذلك بعد مسحها وتحويل الأعداد الورقية إلى إلكترونية. كنت يا صديقي قد سبقتنا بسنوات في الاهتمام بها والاحتفاظ بأعدادها.
في لقائنا الأخير في مدينة مشهد المقدسة، في فندق غدير، بمعية صديق الكتب ورفيقها صديقنا علي كريم. حدثتني بمرارة عن مداهمات إدارة المطبوعات لمكتبتك، وملاحقتهم لكتبك ومطبوعاتك، ومحاكمتك وتجريمك وتغريمك ألف دينار.
ليلة البارحة تسلمت خبر رحيلك من أيضا من علي كريم، كما تسلمت خبر دخولك المستشفى قبل أسابيع منه، ظل وفيا لصداقته معك، يحدثني عنك دوما عنك وعن رفقته معك منذ كانت مكتبتك (كنوز المعرفة). يقول لي: “عرفت السيد موسى منذ نهاية التسعينيات بحكم عملي في قسم الكتب في مكتبة الأيام، لم أفارقه حتى لحظاته الأخيرة. كان عنيدا وصلبا في نضاله من أجل كتابة تاريخ البحرين والخليج، تعرض لهزات مالية كثيرة لكنه ظل يلاحق حلمه ليكون هذا التاريخ مكتوبا ومنشورا. بعد غلق مكتبته كنوز المعرفة، فتح سجلا جيديدا باسم دار فراديس، وأول إصدار كان ديوان شعر المناضل سعيد العيوناتي. طبعه على كلفته الخاصة. في سفراتنا المشتركة لا يعود إلى البحرين إلا محملا بالمصادر النادرة والكتب النافدة”
يهاتفني الصديق علي الجلاوي قبل مدة، وأنا بين قم ورحلة للجنوب، يقول لي السيد موسى كان هنا في مشهد، ترك لك كتابا وبعض الحاجيات.
هكذا، أراد السيد موسى عاشق الكتب أن يكون الوصل الأخير بيننا، كتاب لا ينسى، وكأنه وصية عاشق لعاشق.

