تغییر اندازه فونت
16

حماة الباب الأخير

لماذا الباب الأخير؟ لأنه الرمز الأخير لهذا الوجود الذي انتهكت أبوابه كلها برعونة مستبدة باب حريته وباب حقوقه وباب عقيدته وباب شعائره وباب إرادته وباب وجوده وباب أصالته في أرضه الرمز الديني هو آخر الأبواب التي يقيم حتى المستبد لها وزنا ويتجنب الاصطدام المباشر بها. ظن البحرينيون أن السلطات لن تتجرأ على هتك هذا الباب الأخير بما يمثله من رمزية خاصة عند الفئة الأكبر من هذا الشعب، ظنوا أنها ستحتفظ بحرمة أخيرة تداري بها سوأتها، ولو من أجل حفظ بقايا صورتها أمام العالم، لكنها لم تكترث، لا للأخلاق ولا للدين ولا للمبادئ ولا لحقوق الإنسان ولا حتى لصورتها القبيحة أمام العالم.

عند الطرف الآخر من الباب، اختارت ثلة من شباب ورجال ونساء هذا الوطن، أن يرهنوا أنفسهم حماة لهذا الباب، قرروا أن يدفعوا حياتهم وأرواحهم ثمناً لوجودهم الرمزي الأخير، غادروا بيوتهم وأولادهم وعوائلهم وتمسكوا بالاعتصام عند باب هذا الشيخ. لم ينكثوا. استبسلوا حتى النفس الأخير.

جمعت شهادات هذا الكتاب على فترات متفاوتة. معظمها بين العامين 2017-2018، بعضها لشباب يعيشون خارج البلاد الآن. لم يكن من السهل نشرها خوفا من تعرض أصحابها للانتقام أو تغليظ العقوبات، خاصة مع اعتقال السلطات قرابة الـ 300 بحريني آنذاك وإحالتهم إلى المحاكمة بتهم التجمهر والاعتداء على رجال الأمن.

لقد أغلق ملف قضية اعتصام الدراز في 30 مايو/ أيار 2019 بعد أن خفضت محكمة الاستئناف العليا الجنائية عقوبات 109 بحرينيين، حكمت بالسجن 7 سنوات بدلا من عشر لـ 27 منهم، وخففت عقوبة 82 إلى الحبس 6 أشهر بدلا من سنة واحدة، وقضت بسقوط الحق في الاستئناف لـ 27 شخصا وتأييد عقوبات لـ 10 آخرين.

وعلى الرغم من إغلاق الملف قضائيا ومغادرة آية الله الشيخ عيسى قاسم إلى بريطانيا لتلقي العلاج في يوليو/ تموز 2018، إلا أننا قمنا، حرصا على سلامة أصحاب هذه الشهادات بوضعها جميعها تحت أسماء مستعارة، كما تجنبنا ذكر بعض التفاصيل الأسباب تتعلق أيضًا بسلامة الشهود الذين حرص مركز أوال على نقل شهاداتهم كما هي. ولا بد من أن يأتي يوم يكشف فيه عن هويات كل الذين خطوا هذه المرحلة من تاريخ البحرين.

وجدنا أنه من الواجب علينا توثيق هذه الملحمة الإنسانية كما عاشها حماة الباب الأخير وكما رووا تجارب الشهداء الذين سقطوا دون الباب، فالتاريخ الذي لا يكتب، يموت.

مركز أوال للدراسات والتوثيق

23 مايو/ أيار 2020