نبحث عن أشجار المهاجرين
تغییر اندازه فونت
16

الفرع المهاجر من آل عباس…

في سياق الهجرة والشتات، ذكر السلسلة هو فعل بقاء. حين يقول نجيب اسمه، تتزاحم أصوات الآباء في الحروف، ويطلّ أحد عشر جيلًا من خلف اللفظ.

“أنا نجيب بن أيوب بن يوسف بن يعقوب بن محمد بن عباس بن عبدالله بن أحمد بن نصيف بن عبدالله بن عباس”

نحن من الذين تبدأ حكايتهم من الصوت، من جلسات المساء حين يخفّ وقع النهار، ويستعيد الأب ما حمله العمر.
كان والدنا، نوخذة خبير بالبحر وبالأنساب، كلما رست لنجاته على سواحل الخليج، يسأل عن أثرٍ قديم، عن بحارنة عبروا، عن أسماءٍ سكنت الماء ثم توارت.

كان سؤاله عن أجدادنا في البحرين سؤال معرفة، لا فضول. كيف خرجوا؟ وأي طريقٍ أخذهم؟
وكان الجواب يعود دائمًا إلى تلك اللحظة التي تغيّر فيها وجه البلاد، وصارت السلطة بيد غير أهلها.

في تلك الأيام، تقدّم أحد الخدم (الفداوية) من أتباع آل خليفة بطلب فتاة من بيت بن عباس. لم يكن الرجل معروف الأصل، والحسب والنسب. رفض أهلنا، تمسكًا بما عرفوه عن أنفسهم من تدين وولاء. وكان الرفض في زمن السلاح فعلًا محفوفًا بالعواقب.

توتّر الجو، واتسعت الهوة، وصار الاحتكاك قريبًا. حينها اختير البحر مخرجًا، كما اختير في محطات كثيرة من تاريخ البحارنة.

في ليلةٍ محاقية، خرجوا. رجالًا ونساء وأطفال، ركبوا اللنجات، واتخذوا في البحر سبيلا سربا، حتى بلغوا البصرة. لم يحملوا معهم سوى أسمائهم، وذاكرة بدأت منذ تلك اللحظة تختبر طول الغياب.

استقروا أولًا في منطقة الدواسر بين البصرة والفاو.
كانت تلك الأرض امتدادًا اجتماعيًا لنجد، فظهر التباين سريعًا، وتجدّدت المصادمات. بعد مدة قصيرة شدّوا الرحال مرة أخرى، وعبروا شط العرب إلى القصبة، ثم إلى هور الحويزة، واستقروا أخيرًا على نهر بودقل.

هناك بنوا بيوتًا من طين، وغرسوا النخيل، وكأنهم يعقدون عهد إقامة مع الأرض. ومضت الأعوام، وتعاقبت الأجيال، حتى جاءت الحرب العراقية–الإيرانية، فتفرّق آل عباس في بنادر متعددة: بندر لنجة، وبندر عباس، وبوشهر. عائلتنا استقرت في بندر كنگان، وبقي الاسم شاهدًا على مسار الهجرة.

أول المهاجرين من البحرين كان جدّنا عباس بن عبدالله. تاريخ الهجرة غير محدد بدقة، غير أن الذاكرة ترجّحه في السنوات الأولى لقدوم آل خليفة، بعد 1783م.
حين غادر الجد عباس البحرين، كان معه ولداه جدي محمد وأخوه عبدالله.
ومن فرع عمنا عبدالله جاء غضبان، ونجم، وشاوي، وجابر، وأحمد. أسماء تأثرت بالبيئة المحيطة، واختلفت عن المألوف في البحرين، غير أن الانتماء بقي واحدًا.
هؤلاء الإخوة كانوا من الموقّعين على عريضة بحارنة القصبة إلى المعتمد السياسي في 27 أغسطس 1932م، ثم عاد بعضهم ووقّع مرة أخرى في 28 يونيو 1934م، عقب مقتل السيد حسين سيد جمعة. وتبقى هذه العرائض شاهدًا مكتوبًا على حضورهم وتمسكهم بهويتهم يقيمون حاليًا في بوشهر، في منطقة كَنگان (كنكون).

توفي جدي قبل صدور قانون رضا شاه للجنسية عام 1929م. كانت لديه وثائق، تداول أبي وأعمامي خبرها، ثم فُقدت خلال سنوات الحرب.
أجدادي الأربعة: يوسف، ويعقوب، ومحمد، وعباس، دُفنوا في القصبة، في منطقة نهر بودقل. المقبرة محاطة بمزارع النخيل، ومع مرور الزمن اندرست القبور، بفعل الماء والطين وغابت الشواهد.

أكثر البحارنة اتخذوا لقب البحراني أو الربيعي.
بيت بن عباس تنوّعت ألقابهم كما فروعهم: الأسماء اختلفت، والجذر واحد. نحن نحمل لقب ربيعي، وهناك من أهلنا من يحمل لقب بدراني، أو عباسي، ومحمدي، وشاوياني.

البحراني بطبيعته يميل إلى تعريف نفسه بالانتماء الديني والحضاري. الانتساب القبلي لم يكن محور هويته، فالغالبية عُرفت بالعلم والإيمان والولاء. ونحن نفتخر بالانتساب إلى عبدالقيس، القبيلة التي نالت مدح النبي الأكرم (ص) وأمير المؤمنين(ع).
قبيلة عبد القيس استقرّت في البحرين وتحضّرت، وكانت درع الولاية.
عائلة آل عباس، في مطالع هجرتها، بقيت خارج الأطر العشائرية، ثم كُتبت مع “بني معرّف” ضمن ترتيب اجتماعي يخفف وطأة الهجرة ويؤمّن الاستقرار، مع بقاء الأصل محفوظًا. ومع تشكّل قبيلة ربيعة البحارنة، التحقت بها العائلة في سياقها الطبيعي. والبحراني، في وعيه الهويّاتي، يرى البحرين انتماءً راسخًا يعتز به ويجهر به.
أفرز الشتات حساسية عالية، ووعيًا جمعيًا متقدّمًا بأهمية حفظ النسب. فغدا استحضاره فعل ذاكرة وحماية، يتجدد كلما التقى الناس.
هويتنا البحرانية كانت حاضرة في كل جانب من حياتنا، من العمل اليومي إلى اللغة والدين.
امتهن أهلنا الزراعة وركوب البحر، وكما وصف القدماء سكان جزيرة أوال: “ومأكولهم التمر والسمك”.
لا يوجد فيما بيننا نحن بيت بن عباس شعراء أو خطباء، غير أنه يوجد ملالي يحيون أمر أهل البيت في أفراحهم وأحزانهم.
حافظنا على لغتنا العربية وعاداتنا البحرانية نتيجة وعي الأجداد. كانوا يدخلوننا الكتاتيب قبل المدارس الفارسية، لنتعلم أصول الدين والصلاة وقراءة القرآن إعرابًا على الطريقة البحرانية، ألف لا شيلة.
درست عند الملا السيد حمد سيد شهاب الريحاني في غرفة صغيرة من داره، تسمى المكتب. التعليم يبدأ من الفهم قبل الإسراد، لتصبح اللغة والدين جزءًا من هويتنا.

سألته بفضول الباحث الذي يحمل شعورًا داخليًا يدفعه للتحقق من أمر ما: هل سيد حمد عربي؟
فأجابني أن سيد حمد سيد شهاب بحراني أبًا عن جد، جده سيد علي الريحاني هاجر من البحرين سكنوا منطقة نهر بوچمبه وأسسوا هذه الشجرة.

في هذه اللحظة استلم زمام الحديث الباحث جاسم آل عباس الذي كان يرافقنا في هذا اللقاء. فاجأنا أن السادة الريحاني تعود أصولهم إلى قرية عين الرحى المندثرة في جزيرة سترة. هاجر أبناء السيد علي الريحاني الثلاثة، سيد أحمد وسيد هاشم وسيد يوسف، وتفرّقوا في مناطق مختلفة. ..
وربما، في مكان ما على طول الشط أو بين ظلال النخيل، لا تزال قصة لم تُحك بعد، تنتظر من يسمعها، ويكشف سرها، ليعرف أن التاريخ ليس مجرد تواريخ وأسماء، إنما نبض حيّ لا ينقطع، يحيا في من يبقيه حيًّا.