مقدمة المترجم
الزملاء في صحيفة “مرآة البحرين” الإلكترونية” (1)، هذا المشروع الإعلامي الناهض التفتوا صدفة في العام 2011 إلى موقع على شبكة الإنترنت، يدعى “مدوّنة الدين والسياسة في البحرين” (2). كان الموقع باللغة الإنكليزية، وكانت ترويسته تحمل ترجمة كلمة شهيرة لعالم الدين البحريني الشيخ عيسى قاسم.
احتوت المدونة ضمن أوائل مواضيعها على زعم جريء مدعم بالأرقام لنسب الشيعة والسنة في البحرين، وذلك بناء على تحليل بيانات مسحأجري في العام 2009. نتيجة هذا التحليل كانت أول “خارطة طائفية” للبلاد.
تبين لاحقا أن المدونة أنشأت في ذروة احتجاجات 2011، وتحديدًا أوائل شهر مارس/آذار، وعلقت بأسلوب فريد على أحداث كبرى في انتفاضة 14 فبراير، كمسيرة الديوان الملكي على سبيل المثال. كانت مواد المدونة غزيرة مفاجئة ومثيرة. وفوق ذلك، ظلت تتابع الأحداث في البحرين بدقة، وعرضت ما مجموعه 126 مادة في عام 2011 فقط كانت كلها مشفوعة إما بمقاطع فيديو، أو برسوم بيانية، أو بمقتطفات مصوّرة من الصحف، أو بصور، ناهيك عن روابط المصادر.
فضلا عن تميز تحليلاتها، وضخامة المتابعة فيها، كانت المدونة عملا مختصا بالبحرين، يشي بأن صاحبه على اطلاع واسع، ولديه اهتمام فرید وغريب. لم يفك لغز هذا الاهتمام إلا معرفة أن صاحب المدونة جستن غينغلر، يحضر رسالته لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، الرسالة التي كان موضوعها البحرين.
ولأن المدونة وأعمال جستن التي تجاوزت التدوين إلى مقالات في فورين بوليسي، وفورين أفيرز، باتت جزءًا من تاريخ انتفاضة 14 فبراير، بدأ حتى قبل هذا التاريخ، فقد تابع الزملاء في مرآة البحرين” ترجمة أغلبها، وخلال السنوات الأربع الماضية، بات الكاتب يعرف على أنه محلل سياسي متخصص في شئون البحرين، وصارت وكالات الأنباء تطلب تعليقاته على التطورات السياسية في البلاد.
هي سيرة فريدة رافقت مرحلة فريدة من تاريخ البحرين، وتوجت بنيل جستن درجة الدكتوراه في العام 2011، عن رسالته، التي طبعت مطلع هذا العام من قبل مطبعة جامعة إنديانا الأمريكية، والتي يقدمها اليوم مركز أوال للدراسات والتوثيق مترجمة للغة العربية، بعد حيازته حقوق الترجمة والنشر
ليس هذا الكتاب العمل الأحدث من بين أعمال العلوم السياسية والاجتماعية المتخصصة في البحرين فحسب، بل هو ربما العمل الأكثر جرأة في استقصاء وتفسير الواقع السياسي المتأزم في البحرين ودول الخليج العربية، بانقلابه على نظرية الدولة الربعية، التي ظلت تسود هذا الفهم على مدى أكثر من 30 عاما.
هذا الانقلاب، وفضلا عن كونه تجاوز الجانب النظري إلى التجريبي دعم بقراءة ربما تكون فريدة للصراع السياسي بين الجماعات في البحرين، أصوله ومآلاته. يجيب هذا الكتاب على سؤال مهم يؤثر في مستقبل المنطقة وشكل الأنظمة فيها لماذا يظل المواطن الخليجي صامتا سياسيا – إن كان كذلك فعلا – ومتى يمكن أن يتوقف هذا الصمت؟
وباختياره البحرين لتكون مثالاً نموذجيًا على فرضية الرسالة، التي تقول إن صفقة الرفاه الاقتصادي مقابل السكوت السياسي ليس لها وجود في دول الخليج، يقوم الكتاب بقياس محددات النشاط والسلوك السياسي على مستوى الفرد في دولة شهدت فشلا ذريعا في الحصول على الاستقرار السياسي المزعوم عبر الآليات الريعية، ومن هذا المنطلق يذهب الكتاب إلى توسيع نطاق الفرضية، لتشمل كل دول الخليج الريعية، في حال توفرت فيها ظروف مماثلة للانقسام السياسي الذي تشهده البحرين.
وبعيدا عن الاستسلام لما يبدو بديهيات في الصراع السني الشيعي القائم على أساس ديني، والذي يُعزى له أي اضطراب سياسي يحدث في هذه المنطقة، يذهب الكتاب بالتساوي إلى استشراق آفاق النشاط السياسي الذي يمكن أن يصعد وسط الجماعات السنية، تحديدا في البحرين، ومن ثم في الخليج، مرجحا أن يكون هو الناتج الفعلي للتعبئة السياسية المضادة، التي رعاها النظام الحاكم.
ويذهب الكتاب أيضًا، عبر تحليل بيانات المسح والآراء التي جمعها من القادة السياسيين إلى الاستنتاج بأن الصراع بين الجماعات في البحرين، هو صراع على هوية الدولة وشكل النظام السياسي، وموقع كل جماعة فيه، وليس تنافسًا على منافعها الاقتصادية، ثم يذهب إلى تحليل إمكانية أن تشهد دول الخليج الأخرى، ذات الصراع، بعيدا عن العوامل الاقتصادية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى توقف حالة “الصمت السياسي” التي استقرت بفضلها الممالك الخليجية، كل هذا الزمن، رغم احتكارها السلطة بشكل كامل.
لقد حضر الكاتب بنفسه في العام 2009 مراسم عاشوراء الدينية التي يحييها الشيعة في البحرين، ليستمع ومن ثم يحلل خطاب الناشط عبد الهادي الخواجة السياسي المثير في ذلك العام، تماما كما حضر ندوة عامة بمجلس رجل الدين السني الشيخ جاسم السعيدي، تناولت خطابا سياسيا مثيرا هو الآخر.
إن هذا الكتاب، كما يوضح جستن لا يقرأ سيرة انتفاضة 2011، كونها طرات بشكل مفاجئ على البحث الذي بدأ في 2009، بقدر ما يستقرئ المشهد السياسي في البحرين منذ الإصلاحات البريطانية في عشرينيات القرن الماضي، ولأنه قد قدر له أن يأتي في مرحلة تشهد ذروة هذا التاريخ السياسي المضطرب، فقد حقق فائدة علمية كبيرة يزعم المؤلف أنها قد تؤثر في مسار البحث العلمي السياسي لهذه المنطقة.
ترجمة هذا الكتاب، مرت بمخاضات عسيرة بذل فيها المركز جهودًا مضاعفة لإخراجه بهذه الكيفية. ورغم أن فريق الترجمة كان قد ألف أسلوب جستن غينغلر المتميز ببلاغته وتعقيداته، عبر مشاركته في ترجمة مقالاته عن البحرين خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا العمل كونه ذا طابع أكاديمي، كان أكثر مشقة.
وجدنا أن المصطلحات العلمية ليس فقط قد لا تبدو مألوفة لدى القراء السياسيين، بل قد لا تقابلها مفردات عربية معروفة حتى في الأوساط الأكاديمية. ووجدنا أن لغة جستن المركبة، والتي تحاول أن تربط الكثير من الأشياء بشكل متماسك تحتاج في حد ذاتها إلى تفكيك وتفسير أعاننا عليه هو شخصيا. ومن واقع قربنا من الحيز السياسي، لا نغفل أن نقول إننا في كثير من الفقرات كنا نتساءل مستغربين ما الذي يريد جستن قوله؟
غرابة المشهد السياسي في البحرين تعقيداته، وضخامته، تبدو منعكسة حتى في لغة الكاتب، لكن أسلوبه التقريري، البعيد عن الرتابة وحججه التي يصيغها بشكل حذر، مناقشا أي تضارب أو ثغرات تجعلها عرضة للنقد، فضلا عن قصصه، أرقامه، وتدليلاته العملية، من واقع البحث الميداني الذي أجراه جعلت من العمل ممتعا، وفتحت حتى أذهان المترجمين على مساحات فهم جديدة.
وبكونه عملاً علميا متخصصا محايدا رصينا، ومشوقا، سيضيف الكتاب قراءة متأنية وجديدة للمشهد البحريني، يزعم فيها دقة الاستنتاجات مؤسسا ربما لشكل جديد من البحث واللغة التحليلية سيتذوقها حتما القارئ المهتم، حتى لو لم يكن من الوسط الأكاديمي.
(1) موقع صحيفة مرآة البحرين bahrainmirror.com
(2) موقع المدونة bahrainipolitics.blogspot.com




