لماذا كان إصلاح إدارة ميناء المنامة والمحرق جزءًا رئيسًا من مشروع إصلاحات 1923م التي قادت إلى عزل الحاكم عيسى بن علي وتأسيس شكل الدولة الحديثة في البحرين؟
ظلت إدارة جمارك ميناء المنامة لسنوات طويلة بيد شركة يملكها ثلاثة تجار هنود بانيان. تنص ديباجة العقد الموقّع بين الحاكم عيسى بن علي والشركة الهندية على: «إن محتوى هذه الورقة مفاده أننا الموقعين أدناه جينجو بن تيكا (Gangoo bin Tika) وليكي بن كيسو (Laki bin Kessoo) وراما بن چوا (Rama bin Jiwa) [1] قد استأجرنا جمارك جزيرة البحرين من صاحب السمو الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، زعيم البحرين، بما في ذلك المنامة، والمحرق وغيرها من موانئ الجزيرة» [2].
ينص العقد على أن يتحمّل المستأجرون جباية رسوم الجمارك بقيمة 4% على البضائع كلّها، سواءً أكان ذلك نقديًّا أو عينيًّا. وأن يبقى عقار مبنى الجمارك تحت سيطرة المستأجرين من دون رسوم حتى انتهاء مدة العقد.
منذ العام 1899م، عرف المقيم السياسي أن الشركاء الهنود يلجؤون إلى تجديد عقود إيجار الجمارك قبل سنتين من انتهاء فترة العقد السابق، وهم يحصلون على عقود الإيجار سابقة لأوانها «لأنهم يدفعون مبالغ طائلة من المال نقدًا للشيخ، الذي عادة ما يكون بحاجة لمبالغ جاهزة من الأموال» [3].
أدرك البريطانيون أن فساد إدارة الجمارك يعود إلى استغلال الهنود لسوء إدارة الحاكم للمال وحاجته غير العقلانية للسيولة، وأنه مكبّل بتراكم الديون بسبب السلفيات التي يتسلمها مقدمًا «ولا شك في أن تصرف الشيخ في ما يتعلق بالجمارك يعود إلى الصعوبة التي يعانيها في الحصول على مبالغ كافية من الأموال في الأوقات كلها لتلبية مطالبه كلّها، وأعتقد أن (البانيان) أجبروه، إلى حدٍّ ما، على القيام بهذا الترتيب، فهو مدين لهم دائمًا» [4].
في هذا الكتاب بداية عرضٌ للوثائق المرتبطة بموضوع الجمارك في البحرين وإصلاحاته. وفيه مراسلات متعددة حول إصلاح إدارة الجمارك تداولتها أطراف متعددة بين حكومة الهند، والحكومة البريطانية، والمقيم والوكيل السياسيين. ويتخلل هذه المراسلات مطالب الشيخ عيسى بن علي آل خليفة باعتراف بريطانيا بابنه الشيخ حمد وريثًا معيّنًا لمشيخة البحرين. وكان واضحًا في هذه المراسلات أن مطلب شيخ البحرين شكّل ورقة ضغط حاولت الحكومة البريطانية استخدامها لحثِّ الحاكم على تنفيذ الإصلاحات اللازمة في مصلحة الجمارك.
وتتضمن هذه الوثائق أيضًا سردًا لأحداث المتتالية التي جرت بعد عرض الحكومة البريطانية اقتراحاتها لإصلاح الجمارك، بالإضافة إلى سعي بريطانيا لحثّ الحاكم على إلغاء عقود جباية الرسوم الجمركية مع اتحاد (البانيان)، وفي المقابل تجاوز الشيخ عيسى لهذه الاقتراحات سعيًا منه للحفاظ على موارده المالية السهلة. وفيها أيضًا نصّ اتفاق جمارك البحرين الذي وقّعه الشيخ عيسى مع البانيان، والنقاشات البريطانية لتحرير الشيخ من هذا الالتزام، وتعيين ضابط بريطاني للإشراف على إدارة الجمارك. وفي نهايتها اقتراح لإلغاء نظام الجباية الذي كان قائمًا حينذاك، ونقل الإدارة لتكون لصالح الحاكم، مع جدول يتضمن تصنيفات أفراد الهيئة المطلوبة لممارسة إشراف فاعل في إدارة الجمارك.
القسم الثاني من الكتاب يتضمن المراسلات المرتبطة ببناء رصيف لميناء المنامة بهدف تسهيل التجارة كعنوان رئيس، وتسهيل عمليات التفريغ والتحميل للحمولات في ميناء المنامة. وفي المراسلات، نجد سردًا للأهداف الرئيسة المرجوة من بناء الرصيف، والوسائل التي يمكن اعتمادها لبنائه، بالإضافة إلى التفاصيل كلّها المرتبطة بهذا المشروع، وكلفته، ومصادر تمويله.
في القسم التالي من الكتاب، عرض للعلاقات البحرينية مع ابن سعود، التي تمثّلت في العام 1920م على شكل نزاع حول رفع الشيخ عيسى للرسوم الجمركية المفروضة على البضائع المتوجهة إلى البر الرئيس للجزيرة العربية. كما يتضمن تفصيلًا لأسباب كل من شيخ البحرين وابن سعود التي استندا عليها في قضيتهما، بالإضافة إلى الموقف البريطاني من هذه القضية التي وجدت أن حاكم البحرين غير محق إذ إنه يستطيع رفع الإيرادات بوسائل شتى لا علاقة لها بزيادة الرسوم الجمركية بشكل غير منصف. كما تشير المراسلات إلى الأوامر النهائية التي صدرت عن حكومة الهند موجهة إلى الشيخ عيسى، بشأن تثبيت قيمة الرسوم الجمركية في الخليج بشكل عام، وهو قرار وجده حاكم البحرين غير منصف بحقه. تظهر المراسلات أيضًا انصياع حاكم البحرين لعدد من الأشخاص الطامعين من حوله الذين أرسلوا ردًّا باسم الشيخ عيسى يُظهر فيه اعتراضًا على أوامر الحكومة البريطانية الحاسمة في البداية ومن ثم موافقته عليها كلّها لتجنب سخطها الشديد وفق النصيحة التي وردته من المقيمية البريطانية في بوشهر.
يتضمن الكتاب أيضًا تقريرين مهمين؛ الأول رسالة سرية من المعتمد السياسي في البحرين، النقيب (سي. جي. برايور) إلى المقيمية السياسية في الخليج. إنها رسالة مطولة تتضمن تلخيصًا للأحداث التي نتجت عنها الإصلاحات، بالإضافة إلى شرح لماهيتها، ومقاصدها، ومدى تنفيذها.
الهدف الرئيس من هذا التقرير هو دراسة ما إذا كان من المناسب التراجع عن الإصلاحات المستحدثة في البحرين، وقد توصل المعتمد السياسي إلى أن أثرها كان إيجابيًّا، لكنه قدم بعض الاقتراحات التي من شأنها أن تحسن من تنفيذها.
أما التقرير الثاني فهو رسالة من المقيم السياسي في الخليج (سي. سي. جيه. باريت) إلى وزير الخارجية في حكومة الهند حول علنية التدخل البريطاني في إدارة شؤون البحرين. وقد جرى فيها عرض للأسباب التي دفعت الحكومة البريطانية إلى اللجوء للتدخل المباشر بعد أن فشل أمر تقديم النصائح للحاكم بهدف استحداث إصلاحات في الجزيرة. وقد أكّد (باريت) في نهاية هذه الرسالة على أهمية التخفيف من مظاهر هذا التدخل البريطاني في إدارة البحرين مع الإبقاء على الضباط البريطانيين الأساسيين الذين يعملون بصفة مستشارين للحاكم للمحافظة على هذا النفوذ.
عبّرت الوثائق البريطانية بشكل صريح عن خوف الشيخ عيسى من فقدان الموارد المالية سهلة المنال، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرارات لم يكن أثرها إيجابيًّا في سياسة الحكم. وعلى الرغم من أن الإصلاحات التي سعت بريطانيا لفرضها في البحرين في مختلف القطاعات، ولا سيما الجمارك، كان هدفها تحسين التجارة وازدهارها، إلا أن الشيخ عيسى لم يكن يراها سوى نهاية لاستقلاله، وهو استقلال لا وجه حقيقي له سوى أنه ابتعاد عن ممارسة الواجبات المنوطة بالحاكم لاستحداث إصلاحات تعود بالفائدة على وطنه ورعاياه، واحتكام إلى مصالحه الخاصة حصرًا.
[1] جينجو بن تيكا، وليكي بن كيسو، وراما بن چوا من الرعايا البريطانيين المقيمين في البحرين من الهنود الهندوس (البانيان) الذين يعملون في تجارة المواد الغذائيّة والذهب. وكانت هذه الجالية ذات نفوذ من خلال ثرائها وإقراضها المال للحكام. ولهذا استأجرت الجمارك عدّة سنوات من دون استشارة المقيم السياسي البريطاني في الخليج.
[2] اتفاق جمارك البحرين مؤرّخ في 8 جمادى الثانية 1315هـ، الموافق لـ 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1897م.
[3] رسالة مؤرّخة في 28 أيار/ مايو 1899م “بوشهر”، الفقرة رقم 2.
[4] المرفق رقم 2، رسالة رقم 27 ، “بوشهر”، مؤرّخة في 12 آذار/ مارس 1899م، الفقرة رقم 6.










