تغییر اندازه فونت
16

مقدمة كتاب الإصلاح المذعون

ما هو المرسوم الملكي الخاص بالبحرين (Bahrain Order-in-Council)؟ وما هي الأحداث والحيثيّات التي أدّت إلى وضعه وإقراره؟ هل يمكن اعتبار هذا المرسوم الحجر الأساس في طريق الإصلاحات الإداريّة في البحرين؟ وما علاقته بتأسيس بلديّة المنامة في العام 1919م؟ والسّؤال الأهم هو لماذا أخذت بريطانيا على عاتقها وضع هذا المرسوم بقرار ملكيّ؟

كان قد مرَّ على عيسى بن علي آل خليفة نحو أربعين عامًا في سدة الحكم، أو (اللاحكم) كما قال المقيم السياسي في العام 1926م في خطاب العزل، فقد كان متساهلًا ومتسامحًا في الأمور المرتبطة بعائلته وأتباعه، الأمر الذي أدّى إلى «تزايد حالات الاستبداد والاستقلاليّة» [1] التي أفضت إلى إضعاف الإدارة بشكل خطير، وهذا هو معنى (اللاحكم) أي ليس هناك سلطة مركزية تفرض النظام على الجميع من غير تمييز ولا محاباة.

في العام 1904م، حصلت بعض الاعتداءات الّتي طالت عددًا من الأجانب في البحرين، إذ أقدم عدد من فداويّة [2] علي بن أحمد آل خليفة على الاعتداء على وكالة التّاجر الألماني (فونك هاوس)، بالإضافة إلى هجوم نفّذه بعض العرب والزّنوج من البحرين ضدّ الرعايا الفُرس هناك.

وجدت بريطانيا حاجةً ملحّة لاستحداث إصاحات في البحرين، لكنها بعد أخذ وردٍّ مع الحاكم، رأت أنه غير قادر على التّجاوب مع هذه المطالب. السّبب هو نفسه –الإصلاحات ستقوّض سلطته المطلقة، وستمنعه من حماية أتباعه من القبائل الموالية له، وتوفير البيئة المؤاتية لهم لممارسة سلطتهم التي كانت مطلقة هي أيضًا.

المدخل إلى هذه الإصلاحات المرجوّة كان النظام القضائي العادل الذي كان مفقودًا في البحرين، فهو كما ذكرت الوثائق البريطانية لا يحقّق إلا الظلم. وكانت المحاكم في هذا النظام شكلية يسيطر عليها الحاكم، والعائلة الحاكمة، ورجال الدين التابعين لهم.

رأت بريطانيا أنّه في حال لم يوضع حد لهذه الاعتداءات، فإنها قد تطال رعاياها أيضًا، وقد تؤثِّر على تجارتها في المنطقة، لذلك صار لزامًا عليها الإسراع في انتهاز الفرص المتاحة لمنع الاعتداء على الأجانب أولًا، وإيجاد ضابطٍ للتّعامل في ما بينهم ثانيًا، فضلًا عن ضرورة حلّ القضايا العالقة تحت سلطة شرعيّةٍ يؤمنون بقراراتها العادلة.

لم يتصرّف حاكم البحرين آنذاك، عيسى بن علي آل خليفة، بشكل مناسب حيال قضايا الاعتداء، وسعى إلى حرف مسار التّحقيق فيها، فأرسل ابنه حمد على رأس وفود الشهود ليكون حاضرًا متربِّصًا، فيلقِّنهم بما سيقولونه، ويمنعهم من قول ما هو من شأنه أن يجرِّمهم ويلقي بثقل التّهمة عليهم.

مارس المعتمدون السّياسيّون المتعاقبون في البحرين مهامًا قضائيّةً لسنوات مضت بصفةٍ غير رسميّة، وهذا ما عبّر عنه الرّائد (تريفور) في رسالته إلى المعتمد السّياسيّ في البحرين في العام 1915م. لم تكن هذه القرارات القضائيّة تتّخذ بحق الرّعايا الأجانب فحسب، بل كانت تشمل رعايا البحرين أحيانًا.

بدأ مخاض المرسوم الملكيّ الخاص بالبحرين في العام 1907م، لكنّه كان عسيرًا، إذ استغرق إصداره سنوات طويلة، فالاتّفاق على بنوده ومواده لم يكن أمرًا سهلًا. في ذلك الوقت، كان المعتمد السياسي قد أصبح قاضيًا من الدرجة الأولى في ما يخص القضايا المتعلقة بالأجانب من هنود، وأوروبيين، وخسر حاكم البحرين أي سلطة قضائيّة عليهم. وكانت بريطانيا شديدة الحذر في صياغة المرسوم الملكي، إذ إنّها أرادت سدّ الثّغرات الّتي قد تفتح المجال أمام القوى المنافسة (فارس وتركيا) للمطالبة بالسلطة القضائيّة على رعاياها. وقد تطلّب هذا الأمر إقرارًا خطيًّا من الحاكم يطلب فيه أن يتمّ إعفاؤه من ممارسة السّلطة القضائيّة على الأجانب في أراضيه، وأن يسلّمها إلى المعتمد السّياسيّ في البحرين. لكنّ هذا الإقرار لم يُمنح عن طيب خاطر، فعناد الحاكم وخوفه من أن يفقد سلطته على المحاكم في البلاد دفع السياسة البريطانية لإجباره على الإذعان والانصياع لمرسومها. «إن قوة هذا المرسوم التنفيذية، وقوته القضائية، تُستمد من قوة بريطانيا التي تحكم البحرين بموجب اتفاقيات تاريخية، وبموجب الإذعان والتسليم من عائلة آل خليفة الحاكمة، فعليهم أن يمتثلوا لما يقتضيه المرسوم. إن هذا يعني أن الإصلاحات في البحرين التي تأسست على هذا المرسوم قد تمت بموجب إذعان العائلة الحاكمة وليس بموجب رغبتها في الإصلاح» [3].

لقد كان هذا المرسوم الخطوة الأولى في طريق استحداث إصلاحات إداريّة في البحرين شملت قطاع الجمارك، والشّرطة، والمحاكم. كما أدى إقراره إلى تأسيس أوّل بلدية في البحرين هي بلديّة المنامة في العام 1919م بموجب المادة 70 من ذلك المرسوم. وكانت القوانين المنصوص عليها لهذه البلدية تهتم بحفظ الأمن في حدود عملها، والمحافظة على النظافة العامة. لقد أُسِّست هذه من أجل أمن المواطنين وسلامتهم.

في هذا الكتاب، نجد مراسلات كثيرة تمّ تبادلها بين حكومة الهند والمقيم السيّاسي والحكومة البريطانية سعيًا منها إلى إصدار مرسوم ملكي خاص بالبحرين بهدف تنظيم قطاع المحاكم وإصلاحه، وذلك لحماية الأجانب وإدراجهم تحت السلطة القضائيّة للمعتمد السّياسي. ويتألّف هذا المرسوم الملكي من سبعة أجزاء تضم تسعة وسبعين مادة.

يبدأ المرسوم ببنود أوّليّة وعامّة، تتضمّن تعريفًا بالمصطلحات كافّةً التي سترد في سياق المواد اللّاحقة، ومن بينها المواطن البحريني، والمواطن البريطاني، والمساعد القضائي، ومختلف المحاكم، وغيرها الكثير. كما حدّدت بنود المرسوم صلاحيات الضابط السّياسي الموجود في البحرين، ومنحته سلطة قضائيّة على الأجانب في هذه الدّولة. ونص على أحكام وتنظيمات مختلفة مرتبطة بعمل المحاكم في البحرين.

أما القسم الثاني من الكتاب، فترد فيه القوانين والأنظمة التي وُضعت بموجب المرسوم الملكي، التي نجد فيها نصَّ تأسيس بلدية المنامة «من أجل حماية البيئة والنّظافة بشكل أفضل في بلديّة المنامة». ويتضمن هذا النّص تفصيلًا للقوانين التي تمّت صياغتها، وقد جرى فيها تحديد الضرائب، ووصفٌ لهيكليّة البلديّة المقترحة، والجلسات التي يتوجّب انعقادها، وأعداد الأفراد المسؤولين عن حفظ الأمن والنّظافة، بالإضافة إلى صلاحيّات المجلس البلدي، ومدير البلديّة، والصلاحيّات المالية، وصلاحيات أمير المنامة.

جاء المرسوم الملكي الخاص بالبحرين نتيجة إصرار بريطانيا على استحداث إصلاحات في البلاد. هو مرسوم وضعته بريطانيا، وعملت على إقراره، وتثبيته، وإدخاله حيّز التّنفيذ. نتائجه كانت واضحةً وملموسة، ولم يأت بقرار محليٍّ يظهر حرص الحاكم على مصالح بلاده، وامتدّت نتائجه لتصل إلى عزل الحاكم الذي رفض مسار الإصلاح.

لم تعد البحرين في تلك الفترة دولةً ذات حكم عشوائي قبائلي، ولم يعد ممكنًا أن تبقى كذلك. فهل يمكن أن يكون هذا القرار البريطاني الصارم على استحداث الإصلاحات الإدارية تحضيرًا لمرحلة جديدة في هذه الدولة؟ وهل يمكن القول إن بريطانيا كانت تجّهز النظام الإداري في البحرين لاستقبال زمن النّفط؟

 

[1] انظر خطاب المقيم السياسي أس. جي. نوكس في مجلس عزل عيسى بن علي في 26 أيار/ مايو 1926م، أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية الأصلية 1820 – 1971م، مركز أوال للدراسات والتّوثيق، (بيروت، 2019)، مج 4، ص 471 – 476.

[2] الفداوية هي ظاهرة برزت خلال فترة حكم الشيخ عيسى بن علي، والفداوية هم أشخاص مرتبطون بالشيوخ سواءٌ أكانوا من عبيدهم أو حلفائهم من أبناء القبائل، وهم الحرس الشخصي للشيوخ، وظيفتهم الدفاع عنهم وتنفيذ أوامرهم كلها.

[3] علي الديري، من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904 – 1929م، مركز أوال للدراسات والتوثيق، (بيروت، 2018م)، ص 72.