تغییر اندازه فونت
16

مقدمة كتاب هبة اللؤلؤ

”أين شواهدكم، معارككم، شهداؤكم؟

أين ذاكرتكم القبليّة؟

أيّا السّادة في القبّة الرّماديّة.

البحر…البحر قد أقفل عليها.

البحر هو التّاريخ“. [1]

إنه البحر، معبر السفن، وطريق التجارة، وسوق النخاسة، ومصدر الرزق، وكنز اللؤلؤ، وقناة الوصل والفصل، وساحة الحب والحرب، كلّ قوى الحرب والاستعمار مرّت من هنا، تركت شواهدها، وكتبت تاريخ معاركها وكرّمت شهداءها، ونسجت ذاكرة قبّتها الرمادية.

إذا كان البحر هو التاريخ، فاللؤلؤ هو ديباجة هذا التاريخ، إذ لا يمكن أن تفهم تاريخ بحر الخليج من دون اللؤلؤ فهو مقدمة الفهم، ولا يمكنك أن تتحدث عن جمال هذا البحر من غير أن ترى صفاء لؤلئه وحسن منظره، ولا يمكنك أن تصيخ إلى أعماق تاريخ هذا البحر من دون أن تسمع الحكايات التي نقشتها لآلئه، ففي هذه الحكايات التاريخ المسطور. هكذا يجمع اللؤلؤ معاني الديباجة الثلاثة: النقش والجمال والمقدمة.

يفصّل آلبير لوندر هذه الديباجة بوصف مدهش قائلًا: ”إن البحرين هبة اللؤلؤ، فلا تُصنع السّفن، ولا تُخاط الأشرعة، ولا تُفتح المتاجر، ولا أحد يسعى، ولا أحد يركب البحر، ولا أحد يعود إلى البر، ولا أحد يدخل يده في جيوبه، ولا يخرجها منها، ولا يعيد إدخالهما فيها، إلا من أجل اللؤلؤ. إنه المَلك، والجميع في خدمته“. [2]

لقد كان أمرًا محيِّرًا وجود هذه الأحجار الجميلة داخل تلك الأصداف، لذلك ذهب البشر إلى صياغة مختلف الأساطير عن سبب تشكلها؛ فمنهم من قال إن القمر عندما يكتمل يُنادى بالمحارات لتخرج من أعماق البحار، فيضع في هذه الأصداف قطرات من نوره الفضي، لتتحول إلى لآلئ. أما الرومان، فقد قالوا إن اللآلئ تتشكل عندما تدخل قطرات الندى إلى المحارات وتتجمد فيها. في اليابان ودول الشرق، قيل إن اللؤلؤ مرتبط بدموع الملائكة، والحوريات، والجنيات. الحال أن الدموع التي كانت تُذرف فعلًا هي دموع الغواصين، وأسر العاملين في هذه المهنة. لقد كانت هذه اللآلئ حقًّا كنزًا مدفونًا، لكنها كانت في المقلب الآخر نقمةً على الغواصين. فصيد لؤلؤة ليس بالأمر اليسير، ودونه تحديات ومخاطر كثيرة تكاد تكون سببًا رئيسًا في انتهاء حياة هؤلاء العاملين في هذه المهنة في وقت مبكر جدًّا.

ومتى ما سلَّم الشخص روحه لهذه المهنة، يكون قد أطبق على حياته داخل أمواج البحر، واختزل من أنفاسه المقدرة له في هذه الحياة. إنها مهنة قاسية بطبيعتها، تتأرجح بين انعدام الأوكسجين، والتقلب المفاجئ لضغط المياه، ناهيك عن الحيوانات البحرية المفترسة.

لقد صور شاعر بحريني هذا الحزن في رحلات صيد اللؤلؤ هذه، أثناء وداع الغواصين لأسرهم على أمل لقاء ليس بأكيد [3]:

واختلاجات الوداع

وانسكاب دمعة عذراء من طفل صغير

يحتمي بالأم … عيناه نداء

وسؤال لحَّ في الأعماق … مبحوح الرجاء

يا أبي، كيف اللقاء؟؟

ربما عزَّ اللقاء [4].

لا تعوِّض قيمة اللآلئ المرتفعة على الغواصين الثمن الذي يكلفهم لإحضارها، فهم إلى جانب ما سبق، تثقل أكتافهم الديون المتراكمة التي لا يستطيعون تفاديها.

لم تكن اللآلئ عامل جذب للتجار، والنساء، والملوك فحسب، إنما شكَّلت همًّا رئيسًا لدى البريطانيين. إننا هنا لا نقصد اللآلئ زينة النساء وتيجان الملوك، بل تلك الأحجار التي وجد فيها الناس أنها تستحق عناء المرض والموت للحصول عليها. مساحات صيد اللؤلؤ في الخليج شاسعة، ومواسمه طويلة جدًّا، طويلة على من يخوضون غمار المياه للوصول إليه.

كان صيد اللؤلؤ المهنة الأبرز في المنطقة، لذا كان لا بدّ للضباط البريطانيين أن يحيطوا بتفاصيلها. وبعد أن حدّد البريطاني مطلبه من الخليج، وصار اهتمامه بالمنطقة واضحًا، عمل على تسجيل تفاصيل هذه المهنة كلها ابتداءً من المعدات، ورُتَبِ الرجال المشاركين في هذه العمليات، والمشاكل التي تعترضهم، وأنواع اللآلئ، وغيرها من الموضوعات. حتّى إنه وضع جداول تتضمن أسماء المصائد كلها في الجانبين العربي والفارسي من الخليج.

لكن ما كان هدف البريطاني من تنظيم العمل في هذه الصناعة؟

لقد كانت بريطانيا القوة الاستعمارية التي فرضت سيطرتها على منطقة الخليج بهدف حماية مصالحها التجارية، وحماية سفنها التي تمرّ في مياه هذه المنطقة. كما أنّها رسّخت وجودها في الخليج لتسهيل عملياتها التجارية مع الهند. هذا كان شعارها الرئيس «تجارتنا وسلامتكم» [5]. واستقرار أي دولة يعني نمو التجارة وازدهارها. ولم يكن من مصلحة هذه القوة الكبرى أن تجتاح المشاكل المناطق التي تقع ضمن سيطرتها، فهذا من شأنه أن يؤثر على مصالحها، لذا كان لزامًا عليها أن تسعى إلى تنظيم هذه الصناعة.

حُفظت سجلات اللؤلؤ بين وثائق الأرشيف البريطاني، ومن ضمنها تقرير حول تاريخ مصائد اللؤلؤ في الخليج، كتبه في العام 1878م (إدوارد لو ديوراند)، الّذي كان مساعدًا أولًا للمقيم السّياسيّ في الخليج آنذاك. وقد ذكر (ديوراند) في هذا التقرير الأدلة التاريخية التي تشير إلى قيمة اللآلئ المستخرجة من هيرات الخليج، وإلى اتّساع رقعة انتشارها في دول العالم، مع تأكيده على أن ممارسة الصيد كانت حصرًا لسكّان سواحل المنطقة، فلا يمكن لأيّ أجنبيّ أن ينزل إلى قاع تلك المغاصات، فينشل هذه المهنة من أيادي الغواصين المحليين.

لقد كان البريطاني مجرّد مراقب يقدّم الحماية أثناء سير عمليّات الصّيد منعًا للقرصنة، والنّهب، والسّلب!

ذكر (ديوراند) الضّرائب الّتي كانت تُفرض على المراكب العاملة في الصيد، وتوزيع الأرباح، وحصة الحكام منها.

لقد صاغ (ديوراند) حكاية اللّؤلؤ في سرد أشبه بقصّةٍ طويلة، تحكي هذه المغامرة الّتي تبعث على القلق والحزن، ذاكرًا أدقّ تفاصيلها. تحدّث عن الرّجال الّذين يشاركون في الصيد، والمهام المنوطة بهم، وأجورهم، ومشاكلهم، والصّعوبات الّتي يعانونها، ومواسم الصّيد، وأشهر المغاصات، بالإضافة إلى المحارات وأنواعها، وأنواع اللّآلئ المختلفة والمتعدّدة، والتّجارة بها وغيرها من التّفاصيل الدّقيقة في هذا المجال.

التّقرير الثّاني في هذا الكتاب يمكن أن نقول عنه إنه دراسة مطولة، وهو مأخوذ من دليل جيه. جي. لوريمر للخليج الفارسي، وعُمان، والجزيرة العربية، كما أن المعلومات الموجودة فيه وردت في تقارير عدد من الضباط البريطانيين الذين عملوا في مناصب المقيم السياسي، ومساعد المقيم السياسي، والمعتمد السياسي في البحرين والخليج.

ورد في هذا التقرير معلومات مفصلة عن صيد اللآلئ من وصف للمصائد أو الهيرات، وتحديد مواقعها في تلك المنطقة، وتصنيفها، وطبيعتها، وأنواع المحارات، واللآلئ التي تحتويها، بالإضافة إلى مراحل نموها وتغيّر أعدادها، وكيفية تشكلها داخل الأصداف. وفي هذا التقرير، توجد دراسة حول تنظيم مصائد اللؤلؤ  وعملها، وتتضمن تصنيفًا للعاملين في هذه المهنة.

المثير للاهتمام في هذا التقرير، إلى جانب ما يُذكر عادةً في التقارير الأخرى من شرح للمواسم، والمراكب المستخدمة وأساليب العمل، التركيز على جوانب مهمة في هذا المجال، تمّ عرضها بشكل واضح وممنهج. على سبيل المثال، ورد قسم يتحدث فيه الكاتب عن الحياة الاجتماعية، والعادات والانضباط في مصائد اللؤلؤ، وحول الأنظمة المالية في هذه المصائد، ومشاكلها، وخصائصها، والمعنيين بها.

أما تجارة اللؤلؤ، فهي مرحلة أخرى في تسلسل العمل في هذا المجال، فلكلٍّ تفصيل ابتداءً من الأسواق، والموزعين، وأحجام اللآلئ، وغيرها من الأمور. ولا شك في أن السياسة كان لها دور كبير في هذه الصناعة، نظرًا لأهميتها، وللثروة الكامنة فيها، فورد في التقرير عرض للمحاولات والمخططات التي جرت من قبل الشركات الأجنبية لاستثمار مصائد اللؤلؤ أو بالأحرى استغلالها، والحصول على تراخيص للعمل فيها.

أُلحق بهذا التقرير عدد كبير من الجداول التي تتضمن تفصيلًا حول إحصائيات اللآلئ المصدرة من الخليج، بالإضافة إلى جدول بأعداد المراكب والرجال الذين يشاركون في عمليات الصيد في الخليج، والسلطة التي تخضع هذه الأطراف لحمايتها،

سواءٌ أكانت بريطانيا، أو تركيا، أو فارس. ومن بين الجداول المدرجة في هذا التقرير جدول بأسماء المصائد في الجانبين الفارسي والعربي، وآخر بالضرائب التي كانت تفرضها السلطات المحلية سنويًّا على مصائد اللؤلؤ.

التقرير، أو العنوان الأخير في هذا الكتاب يتضمن عددًا من المراسلات حول الإصلاحات المقترحة في صناعة صيد اللؤلؤ، وذلك نتيجة الأوضاع المتردية التي كان يرزح في ظلها العاملون في هذا المجال. فهم كانوا تحت رحمة النواخذة [6] الذين يتلكؤون في تسجيل حسابات العمال لحفظ حقوقهم. وكانت مسألة الديون المتراكمة المشكلة الأبرز التي سعى البريطانيون إلى إصلاحها في هذا المجال. فمن أين تتراكم هذه الديون؟

يعمل الغواص في أشهر الصيف فقط، ولا يعمل في الشتاء، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مدخوله، وهذا ما يدفعه إلى أن يستلف مبلغًا من النوخذة الذي يعمل تحت إمرته، ويضطر إلى تسديد هذه السلفة في أشهر الصيف، وهكذا إلى ما لا نهاية [7].

ومن هذا المنطلق، عملت الحكومة على استحداث إصلاحات جديدة عبر وضع دفاتر حسابات جديدة للغواصين ليتمّ تسجيل الحسابات فيها بشكل واضح ودقيق، بالإضافة إلى إنشاء مستشفى على ظهر مركب يتواجد بين مراكب الصيد بشكل دائم، كما تمّ تحديد نسبة الأرباح التي يُسمح للنواخذة تقاضيها على اللآلئ، ونسب الفائدة على السلف التي يأخذها الغواصون. وذكرت إحدى المراسلات أن الصعوبات التي تواجهها صناعة اللؤلؤ يمكن أن تنخفض إذا ما تمّ إطلاق صناعة منافسة في المنطقة كتطوير النفط لتأمين فرص عمل أخرى.

لطالما كانت اللآلئ بظاهرها رمزًا للجمال والثراء، لكنها كانت تخفي بين طبقاتها السبع معاناة أولئك الذين خاضوا عباب الماء للوصول إليها.

غفا زمن اللؤلؤ في أحضان آبار النفط. المصدر كان واحدًا، فالبحر فاض باللآلئ والنفط على حدٍّ سواء. لكن هل بقيت معاناة العاملين في الصناعتين هي نفسها؟ أم إن زمن النفط قد ساهم في تحسين أوضاعهم؟

[1] مطلع قصيدة تحت عنوان “البحر تاريخ” للشاعر الكاريبي ديريك والكوت (1930 – 2017م).

[2] انظر: آلبير لوندر، صائدو اللؤلؤ، ترجمة منذر الخور، ص 131.

[3] انظر: علي عبد الله خليفة، أنين الصواري.

[4] انظر: علي عبد الله خليفة، أنين الصواري.

[5] “تجارتنا وسلامتكم” هو الشّعار الّذي عبّر عنه اللّورد كرزون أثناء زيارته إلى منطقة الخليج في العام 1903م حين التقى بحكّام السّاحل المتصالح وغيرهم من زعماء الدّول على متن سفينة قبالة الشارقة.

[6] النواخذة هم الذين يتولون شؤون سفينة الغوص في الذهاب والإياب طوال موسم صيد اللؤلؤ.

[7] انظر: علي الديري، من هو البحريني؟ بناء الدولة وصراع الجماعات السياسية 1904 – 1929م، مركز أوال للدراسات والتوثيق، (بيروت، 2018 م)، ص 275 – 276.