دكتور علي أحمد الديري
تغییر اندازه فونت
16

وثائق العقود المهاجرة ، من البحرين إلى المحمرة

علي أحمد الدّيري

في شتاءِ ديسمبر 2023، كنْتُ في ضيافة السّيّد محمّد سيّد طالب سيد محمد سيد طالب البنادرة البحرانيّ، سألتُهُ هل لديكم وثائق تحمل أسماء عوائلكم وملكياتها؟ في الصباح وقبل أنْ تعد لنا زوجته الفاضلة فطورها الفاخر الذي يمزج ثقافاتٍ متعددة وأطباقًا كثيرة، أحْضَرَ لي ملفًا شفّافًا يحوي مجموعة من الوثائق العتيقة. لم أتمالك أنْ أحافظَ على وقار الضيافة، ولا جديّة الباحث وتجهم الكاتب، شَهَقْتُ شهقة تجمعُ اللهفة، والدّهشة، والفرحة، والخرعة.

رحْتُ أقلّب بروح طفوليّة الوثائق، وجدْتُها بِكْرًا لم يمس أحدٌ خامتها، هأنا أقلّب فَصْلًا من تاريخ بحّارنة المهاجر بشحمه ولحمه، شحم الحبر، ولحم الورق؛ فذلك هو جسد التوثيق والتاريخ.

إنّها وثائق العُقُود، البيوت والمزارع والأراضي. زاخرة بأسماء عائلة السّادة البنادرة، ومُزْدَانة بالنّسَب للأرض الأم (بحرانيّ). مَصُوغة على الطريقة البحرانيّة الشّرعيّة، في كتابة فرائض العُقُود.

كأنّ السّيّد مُحمّد البنادرة أراد أنْ يُلقمني وثيقةً (بدل حجرا) ليُشبع السّؤال الذي بادرته به، فأحضر لي كيسًا كبيرًا، وأخذ يُخرج منه مخطوطات كتب الحسينيّات النّسائيّة في ميناب، وجدتها عينها التي جمعتُها من حسينيّات النساء في البحرين، هي المجاميع التي أعملُ عليها في كتابي (وآثاركم في الآثار). الخطّ، والتجليد، وأسماء النُّسَاخ، والصّيَاغة، والعتاقة،والأغلفة،والأصالة، والبحرانيّة هي عيْنُها، مُمتدَّة من قُرى البحرين إلى قُرى بنادر السّاحل الجنوبيّ لإيران.

فيما أنا غارقٌ بين وثائق العُقُود ومخطوطاتِ المجاميع الحسينيّة، ضحك في وجهي (كما تقول أمهاتُنا البحرانيّات) اسم سيّد علوي سيّد طالب البنادرة، صرختُ يا الله، إنّه مَنْ نبحثُ عنه أنا ودعاء منذ عدّة سنوات، كم أضنانا التحقيقُ في اسم مَنْ ألّف كتاب (تُحْفَةُ الأَصْحَابِ) وهو ثاني أقدم كتاب في موازين اللؤلؤ، إنّه هو بشحمه ولحمه، هو نفسُهُ الذي وضع هذه العبارة في مُقدّمة كتابه مُحذِّرًا من التَجاسُر على طبعه “ولو تَجَاسَرَ على طبعه أحدٌ، فغرمه ألفين روبيّة حتّى لا يخفى، وأنا العبد الرّاجي لعفو ربه الغفور السّبحاني علوي بن السّيّد طالب البنادرة الموسوي البحرانيّ،1325هـ [1907م]”.

لم يُعد اسمه ملتبسًا بأحدٍ، ولن يُنسب كتابه لأحدٍ آخر كما حدث، ولن تضيع حقوق ملكيته لكتابه، صارت له عائلة، وشجرة نسب، ووثائق عقود وملكيات، يتحدّث فيها  باسمه نفسه ويهب زوجته”فقد وهب جناب المستطاب السّيّد علوي بن المرحوم السّيّد طالب البنادره البحرانيّ، لزوجته المصونة العفيفة السّيّدة هاشمية بنت المرحوم السّيّد محمّد البنادرة البحرانيّ، تمام وكمال النخيل والفسيل والبستان…”. لقد قابلتُ في ميناب عائلته وعرفتُ أحفاده وعثرتُ على وثائق عقود ملكيات أراضيه.

آمنتُ أنّ وثائق العقود فيها أرشيف الأراضي والنفوس، نفوس مَنْ عاشُوا على أرض أوال، وهاجرُوا وهم ينسبون نفوسَهم لأرضهم  “وقد أقر بصحة هذه الوصايا وما تضمنته لدى الأحقر محمّد بن حسن البحرانيّ … يشهد بذلك الفقير لله خلف ابن عبد الله البحرانيّ … يشهد على إقراره بذلك الأقل محمّد بن شرف الموسوي … شهد بذلك الأقل محمّد بن (حمد) البحرانيّ”.

مازلت أحدثكم من بيت سيّد محمّد سيّد طالب،  وأنظر تارة إلى النخلة القابعة في مزرعة السّيّد التي أطلّ عليها من زجاج الصالة المتصلة بصريا بالحديقة، وتارة أطلّ على النخلة المزروعة في الوثيقة. إنهم الأجداد المهاجرون القابعون في هذه الوثائق البكر التي لم تُمس، ولم تُفض، ولم تُنشر، هي وثائق الأرض، وكذلك وثائق الهجرة.

لم أجد حرجًا أن أضمها إلى وثائق البحرين، فالبقعة التي يحلّ فيها مهاجرٌ، تغدو بحرانية تمامًا، كالسفارات والمقرّات الدبلوماسية، المهاجر سفير أرضه، وثقافته في هجرته. أنا في الأصل بدأتُ ألتفتُ إلى وثائق العُقُود بعد أنْ حركتني وثائقُ المهاجرينَ، وهم يحملون معهم وثائقَ أرضهم وبيوتهم.

في اليوم الثاني في مقرّ ضيافتنا ببيت السّيّد الذي صار مقرًّا صحافيًا وتوثيقيًا لاستقبال وفود البحارنة وتقديم شهادتهم التاريخيّة، التقيتُ بيوسف بن شيخ عبّاس بن يوسف التّرابيّ، حفيد مؤسس مأتم البحارنة في ميناب، مأتم التّرابيّ، جاءني وهو يحمل ملفًّا يحوي وثائق حسينيتهم التي تأسست في 1863م.

مُؤرَّخ العقد في العام 1878م وهو عقد وصية ووقف “مضمونه هو أنه قد أوصى الرجل المكرّم الحاج محمّد بن المرحوم الحاج آدم البحرانيّ البصري … فقد جعل تولية وقف الحسين الذي صار تحت يده وقّفه بنفسه ووقف الغير لأوصيائه المذكورتين وصرف ذلك في المأتمين رجال ونسا … نخل كليكي مع الأرض المنسوبة لها ونخل كبربكية وما يتبعها والأرض المسكونة المشهورة بها فهي وقف على جهة الحسين”.

العُقُود زينة وأحجار كريمة مُنضّدة تتزيّن بها النّساء. كذلك عُقُود الأراضي مَصُوغة بهذا التّنضيد والجمال، ويُطلق عليها (جواهر الكلمات)، فهي كلمات موزونة مَصُوغة بدقّة، فكلّ كلمة فيها مصطلح شرعي بُذِل فيه جهد فقهي. في هذه العُقُود المنضودة تاريخ غير مَنضود، غير مكتوب. بمعنى يمكننا كتابة تاريخنا غير المكتوب، اعتمادًا على ما ترويه وثائقُ العُقُود، بما تحويه من أسماء شخصيات، وقُرى، ومزارع، وحدود،  وعملات، وصيغ شرعية، وتواريخ، ومعالم.

بهذه الوثائق التي تبلغ تقريبًا مئة وثيقةٍ في هذا الكتاب، يمكننا أنْ نقول مجازًا، اكتمل العقد إذن، عقد تاريخ الأراضي، ويُمكن أنْ نطلق عليه (اللُّؤْلُؤُ الْمَنْضُودُ فِي تَارِيخِ الْعُقُودِ) اقتفاءً بكتابي ناصري الخيري (قلائد النحرين في تاريخ البحرين) والتاجر (عقود اللآل في تاريخ أوال).