تغییر اندازه فونت
15

مقدمة كتاب العبور نحو الدولة الحديثة في البحرين

التاريخ ليس سرداً، بقدر ما هو تأمل وعبرة، واستنطاق للمستقبل، التاريخ كاشف لآثار مضت مخلد لحراك شعوب وأمم، بعض من حوادث التاريخ حركها قادة أفذاذ، وأصحاب جرأة وإقدام، وبعضها كان محورها جماعات أبت إلا أن تضع بصمتها على تاريخها؛ ليكون عابراً لأجيالها، جزء من التاريخ ساكن أو يتحرك ببطء، وآخر منه ثائر كأمواج البحر العاتية سنون مشتعلة، وسنون ميتة، بعضها مثير وأخرى مؤلمة قاسية، لكن من يحرك الحدث ومن يصنعه؟

تاريخ البحرين، هو تاريخ شعب سكن هذه البقعة الجغرافية منذ بدء الخليقة، تفاعل الإنسان البحريني مع البحر الذي هو قدره، فكان مده وجزره، بمثابة وثوبه وتعثره، انفتح على العالم بمد البحر وسعة أفقه، تطلع إلى ما وراءه، عبره بشق الأنفس؛ ليرى من حوله، وغاص في أعماقه، لكي يعيش، عانق النخلة حيث استقى منها الاستقرار والعلو والشموخ والعزة التي دفع من أجلها الكثير ليبقى، هو الإنسان البحريني في كل مرحلة من تاريخه، يطمح نحو التغيير، يقفز إلى مرحلة جيدة يرويها بدمه وصبره.

1919م – 1939م، مرحلة جديدة بناها البحريني لينتقل من القبيلة إلى الدولة، وبفضل حراكه، انطلقت البحرين نحو الحداثة والتنظيم والتطور ففي الجانب السياسي، انتقلت البحرين من النظام القبلي التقليدي إلى الحكم المركزي القائم على أساس التنظيم الإداري والمالي، وتشكيل المجالس البلدية المنتخبة، كما أنها فترة سياسية مضطربة عرفت فيها البحرين المعارضة السياسية بشكليها السلمي والثوري. أما في الجانب الاقتصادي فقد شهدت البحرين انتكاسة الغوص، بظهور النفط الذي غير مجرى الحياة الاجتماعية من حيث تغير في أنماط العيش والتفكير الناتجين عن الوفرة المالية والتنمية البشرية والاحتكاك بالعمالة الأجنبية المرتبطة بالنفط. وفي المجال التعليمي والثقافي، أنشئت لأول مرة المدارس النظامية في البحرين، والتي بدأت بإدارة أهلية ثم خضعت للحكومة، ومع النهضة التعليمية انطلقت الأندية الأدبية الثقافية والرياضية، وبرزت الصحافة، والمجالس الأهلية، والمسارح الفنية.

هذا الكتاب، عزيزي القارىء هو دراسة تاريخية للأوضاع السياسية، والثقافية، والاجتماعية والاقتصادية في البحرين خلال الفترة الممتدة من 1919م حتى 1939م، وهي فترة مهمة في تاريخ البحرين وذلك لتشجيع المهتمين بتاريخ المنطقة على البحث والاستقصاء. ما يدفعنا هو حسنا الوطني نحو البحث عن الحقيقة حول تاريخ الوطن والمساهمة الجادة في تزويد المكتبة العربية بالدراسات العلمية التي تتناول تاريخ البحرين الحديث.

نسأل الله السداد والتوفيق، فإن أصبت فذلك توفيق منه، وإن أخطأت فعذري أني اجتهدت.

رملة عبد الحميد