في هذه المقابلة، يتناول مارك أوين جونز (1)، الباحث المتخصّص في تاريخ البحرين، أهميّة الوثائق البريطانيّة في دراسة تاريخ البلاد، والكشف عن جوانب من تطوّراتها السياسيّة والاجتماعيّة خلال القرنين الماضيين. ويسلّط الضوء على أهميّة مشروع ترجمة الوثائق الخاصّة بالبحرين إلى اللغة العربيّة، ودوره في إتاحة المصادر التاريخيّة أمام الباحثين والقرّاء، وفتح آفاق جديدة لإعادة قراءة تاريخ البحرين من منظورات متعدّدة. كما يناقش طبيعة العلاقات البحرينيّة البريطانيّة، وتأثير المصالح الاستراتيجيّة في صياغتها، فضلًا عن الصلة بين الأحداث التاريخيّة والتحوّلات السياسيّة المعاصرة. وتتطرّق المقابلة أيضًا إلى التحدّيات التي تواجه الباحثين في الوصول إلى الوثائق البريطانيّة التي لا تزال محجوبة، وأهميّة الكشف عنها في تقديم فهمٍ أعمق لتاريخ البحرين الحديث.
أجرى مركز أوال معه هذا الحوار في العام 2019م.
أوال: ما الذي دفعك كي تكون مهتمًّا بتاريخ البحرين في بداية الأمر؟
جونز: لطالما كنت مهتمًّا بالبحرين، لأنني نشأت هناك، وقضيت معظم طفولتي في البحرين، إضافةً إلى أنني أدرسها أكاديميًّا. وفي شهادة الماجستير، بدأت أدرس العنف السياسي في البحرين، وكان هذا الأمر في الأيام الأولى لليوتيوب. شاهدت بعض فيديوهات الاحتجاجات ضد الحكومة، وكان هذا الأمر قبل عام 2011. عندئذٍ بدأت بإجراء المزيد من الأبحاث حول تاريخ البحرين، لأنني أردت أن أعرف ما سبب وجود هذا العنف السياسي، وما سبب هذه المشاعر المعادية للنظام.
لقد فاجأني الأمر، لأنني كبرت في البحرين، ودرست في البحرين، ولم أكن مطَّلعًا لهذه الدرجة على تاريخ البحرين؛ فقد كان واضحًا أن قسمًا كبيرًا من التاريخ يشكل حساسية بالنسبة للحكومة. لذلك كان مثيرًا بالنسبة لشخص مثلي كبر في البحرين أن يبحث في قضايا لم يرها ولم يسمع بها سابقًا.
بدأ الأمر فعلًا عام 2010، وقررت أنني أريد أن تكون رسالة الدكتوراه الخاصة بي عن البحرين، عن وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أولي. لكنني كنت أكتب عن السياسة بشكل كبير وعن الوضع بعد عام 2011 -كنت أدوِّن وأغرِّد- وجدت عام 2011 أنني لا أستطيع الذهاب إلى البحرين. ولهذا السبب، كنت ما أزال أركز على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنني توجهت للاهتمام أكثر بالبحث في الوثائق التاريخية. وإذ إنني لا يمكنني العودة إلى البحرين، وزيارتها، وإجراء البحوث هناك، كان واضحًا أن أفضل ما يمكنني القيام به هو محاولة التحدث مع أشخاص من البحرين، والبحث في السجلات التاريخية. فعلى الرغم من أنني أعرف أن هناك كتبًا حول البحرين، ما زال هناك الكثير مما أحتاج إلى قراءته.
عندما بدأت بالبحث في الأرشيف، ظللت أجد معلومات لم أقرأها في مصادر أخرى من قبل؛ أمورٌ بشأن اضطهاد البحارنة في السابق، و أفعال البريطانيين، وذلك النوع من التآمر والتعاون مع آل خليفة -التعاون الذي كان لخدمة المصالح البريطانية. لقد أسس هذا التعاون للنظام السياسي الذي أراه في البحرين اليوم.
لذلك أعتقد أن فهم التاريخ، وتحديدًا السنوات الـ 100 الماضية التي يمكن الاطلاع عليها بشكل مفيد جدًّا في هذه الوثائق، يساعد على تفسير الكثير من الوضع الحالي، ولماذا لا يزال يوجد اضطرابات في البحرين على سبيل المثال حتى الآن، ولا يزال هناك نظام سياسي غير عادل، وتمييز ضد البحارنة. لكل هذه الأمور جذور في فتح آل خليفة للبحرين، وفي علاقتهم مع البريطانيين الذين قدموا لهم الحماية لوقت طويل.
أوال: مركز أوال سيطلق اليوم المجموعة الأولى من أرشيف البحرين في الوثائق البريطانية الأصلية (1820 – 1942م) مترجمة إلى اللغة العربية؛ ماذا تمثل هذه المرحلة بالنسبة لتاريخ البحرين؟
جونز: هذه الوثائق مهمة بالنسبة للبحرينيين، لأنها تشكل أساسًا جزءًا كبيرًا من تاريخهم. وأعتقد أنه من المنطقي ترجمة هذه الوثائق إلى اللغة العربية كي يتمكن الناس من فهمها بدلًا من الحاجة للاستناد إلى لغة غير معروفة. أعتقد أنه من الضروري لأي شعب ولأي دولة أن يتمكنوا من الوصول إلى سجلاتهم التاريخية بالطريقة الأسهل بالنسبة لهم. وتحديدًا اليوم، بوجود الإنترنت، حقيقة أن هذه الوثائق قد تُرجمت إلى اللغة العربية هو أمر يعني أن الجميع، ليس في البحرين فقط، بل كل من يتحدث اللغة العربية في الشرق الأوسط والعالم سيتمكن فعلًا من دراسة هذه الوثائق باللغة التي يشعرون بالراحة أكثر لقراءتها.
أعتقد، حتى اليوم، أن الكثير من الأبحاث التي أُجريت تستند على هذه المصادر البريطانية، ودراستها باللغة الإنجليزية. وذلك لا يتطلب من الأشخاص أن يكونوا قادرين على التحدث باللغة الإنجليزية بشكل جيد فحسب -معظم البحرينيين يتحدثون الإنجليزية بشكل جيد على أي حال- بل يتطلب ذلك منهم أيضًا أن يتمكنوا من المجيء إلى المملكة المتحدة، وتعتبر هذه مشكلة أخرى. إن واقع أن معظم الأرشيفات موجودة في لندن يعني أن أشخاصًا محددين فقط -إما من يمتلكون الأموال أو من يحصلون على منح دراسية- قادرون على الوصول إلى هذه الوثائق. لذلك فإنه من المظاهر الاستثنائية أن تكون الوثائق هنا باللغة الإنجليزية.
من الواضح أن هذا الأمر تغير بوجود مكتبة قطر، إنها تعمل مع المكتبة البريطانية. لقد قاموا فعلًا برقمنة الكثير من سجلات مكتب الهند -لكن ليس الوثائق الموجودة هنا كلها. لقد كان هذا الأمر مفيدًا جدًّا لأنها الآن متوافرة على الإنترنت كي يراها الجميع، لكنها مع ذلك غير متوفرة باللغة العربية، لذلك ما يزال هذا الأمر يشكل مشكلة.
أوال: لماذا برأيك أن الوثائق المرتبطة بالبحرين لم تُترجم بشكل كامل حتى اليوم ومن دون أي تحريف؟
جونز: أعتقد أن السبب وراء عدم ترجمة أرشيف البحرين حتى اليوم هو بشكل جزئي مسألة القدرة على الوصول والتكنولوجيا. فكي يتمكن الفرد من ترجمة هذه السجلات كلها -نحن نتحدث عن آلاف الصفحات- فإن حجم العمل الذي يتطلبه هذا الأمر ضخم جدًّا. لذلك، كي يتم هذا الأمر بسهولة، التكنولوجيا الجديدة مفيدة للغاية. على سبيل المثال، إنها تسمح للأشخاص الدخول إلى الأرشيف والتقاط الصور والصور الممسوحة ضوئيًّا للوثائق التي يتمكنون من أخذها إلى البيت وترجمتها. لو أن هذا الأمر كان مسموحًا منذ ثلاثين عامًا أيضًا، يُفترض أنه كان يتوجب على الفرد أن يزور الأرشيف، وبوجود التكنولوجيا المحدودة، سيتوجب عليه أن يجلس هنا بشكل يومي، أو أن يحاول الحصول على إذن خاص لإزالة الوثائق من الأرشيف -وهو أمر صعب جدًّا- ومن ثم ترجمتها في مكان آخر، لكن هذا الأمر ليس عمليًّا جدًّا. لذلك أعتقد بوجود أسباب واقعية لعدم إنجاز هذا العمل سابقًا.
كما أنني أعتقد أنه نتيجة لتكرر الاضطرابات في البحرين -يوجد التسعينيات، وعام 2011، ومن الواضح أنه كان يوجد مشاكل في الخمسينيات أيضًا- هناك اهتمام وطاقة متجددين للإقدام على أعمال مرتبطة بالبحرين، سواءٌ أكان ذلك يعني الكتابة عن السياسة المعاصرة أو الكتابة عن التاريخ. لذلك أعتقد أن هناك عدد من الأسباب التي جعلت الناس مهتمين اليوم، لكن بشكل أولي، أعتقد أن إنجاز مشروع ضخم مماثل أسهل اليوم فعلًا. لذا، إنني لست متفاجئًا أن ذلك لم يتم مسبقًا، وأنا سعيد أنه يتم اليوم. أعتقد أنه مشروع مهم للغاية.
أوال: هل تعتقد أن ترجمة هذه الوثائق قد تؤدي إلى إعادة كتابة تاريخ البحرين؟
جونز: أعتقد أن ترجمة هذا التاريخ ستسهم بصناعة تاريخ جديد للبحرين، لن تعيد كتابته بالضرورة، قد تؤدي إلى ذلك، لكنها ستسمح للمزيد من الناس، والمؤرخين، والمؤرخين الهواة الذين يعملون في العالم العربي أن يكونوا قادرين على العمل على هذه الوثائق بشكل أكثر راحة بالنسبة إليهم. وهذا الأمر عظيم جدًّا لأن الوثائق لطالما كانت هنا، ويقتصر الوصول إليها على الأشخاص القادرين على الحضور إلى هنا.
يعكس التاريخ هذا الأمر أحيانًا، لذلك فربما بعض البحرينيين المهتمين بالتاريخ، الذين يعيشون في البحرين، ومضطرين على العودة إلى البحرين قد لا يودون الكتابة عن موضوعات حساسة جدًّا. لكن اليوم، العلماء العرب حول العالم يمتلكون القدرة على الوصول إليها. سيكون بإمكانهم، بشكل ما، الكتابة عن أي موضوع من دون وجود ضرورة للخوف من التعرض لانعكاسات سلبية لأنهم قد لا يكونون ممن يعيشون في البحرين. أعتقد أن هذا ربما من الأمثلة الأكثر وضوحًا. أظن أن ما يثير اهتمامي أكثر هو أن معظم البحرينيين، وتحديدًا أولئك الذين ينتقدون الحكومة -الحكومة الاستبدادية- سيقدمون مقاربات لدراسة التاريخ عبر منح الأفراد المزيد من القدرة على الوصول إلى التاريخ -الأشخاص الذين يأتون من خلفيات مختلفة، والأشخاص الذين كانوا، على سبيل المثال، منخرطين في محاربة الاضطهاد في الخطوط الأمامية- سيتمكنون من إظهار منظور جديد لدراسة التاريخ. وهذا ما يحتاجه التاريخ -إنه يحتاج إلى منظور جديد.
أعتقد أنه بوجود هذا الجمهور الجديد، والمجموعة الجديدة من الأشخاص القادرين على دراسة التاريخ، فإنهم سيستفيدون في دراستهم للبحرين بشكل كبير.
أوال: هل يمكن أن يسمح هذا الإصدار بفهم الأحداث التي تحصل في الخليج اليوم؟ (الأزمة القطرية على سبيل المثال)
جونز: أعتقد أن إصدار هذه السجلات باللغة العربية هو أمر مهم للغاية لمساعدتنا على فهم الأزمة الحالية في الخليج. الأمر ليس مرتبطًا فقط بدور البريطانيين في البحرين -رغم أنه موضوع مهم جدًّا- وليس مرتبطًا بتعاون آل خليفة مع البريطانيين وتهميش السكان الأصليين واضطهادهم المستمر حتى اليوم -من الواضح أن هذا الأمر مهم جدًّا. كما قلت في السابق، إن دراسة تاريخ السنوات الـ 100 الماضية تحديدًا، والتاريخ الذي تغطيه هذه الوثائق المترجمة ستساعد الناس على فهم الوضع الحالي، والعلاقات الحالية لبريطانيا مع البحرين، وعلاقة البحرين بأطراف أجنبية بشكل عام، وعلاقة البحرين بالسعودية، لذلك أعتقد أنها مهمة جدًّا في هذا السياق.
في ما يتعلق بالأزمة القطرية، الكثير من الأشخاص الذين يدرسون الخليج يدركون أن آل خليفة أتوا أساسًا من قطر إلى البحرين -من الزبارة غربي قطر. وتاريخيًّا، لطالما نظر آل خليفة إلى الزبارة على أنها موطنهم الأصلي. وقد أدى هذا الأمر إلى وجود توتر مع قطر على مدى سنوات. كان هناك خلافٌ لكن تمت تسويته مؤخرًا حقيقةً حول الحدود البحرية بين قطر والبحرين. كان هناك مرحلة منذ عدد من العقود كان ظاهرًا فيها أن قطر والبحرين قد يتجهان للدخول في حرب في ما بينهما. حتى أنني دائمًا ما أتذكر اقتباسًا – أظنه من العشرينيات أو الثلاثينيات- لأحد المسؤولين البريطانيين عن الشيخ حمد في ذلك الوقت، بحسب ما أعتقد، قائلًا إن: الشيخ حمد لا يأبه بالبحارنة ولا بالبحرين لأنه مهتم بالزبارة فقط.
من الواضح أن هذا الأمر تغير كثيرًا الآن، وكما تعرفون كان هذا الأمر قبل اكتشاف النفط، وقبل أن يمتلك آل خليفة هذه الثروة الكبيرة نسبيًّا بعد اكتشاف النفط. لكن ما يظهره هذا الأمر فعلًا أن هناك ما يتجاوز السياسة المعاصرة في هذه الأزمة. في بعض الحالات، أعتقد أن الأمر أكثر عمقًا بالنسبة للبحرينيين، لكن هذا لا يعني أنه سبب الأزمة.
أعتقد أن الأمر مهم أيضًا لأن التاريخ سيظهر لنا مثلًا خضوع البحرين التاريخي لقوى خارجية بما فيها المملكة العربية السعودية.
عندما ننظر إلى الأزمة اليوم، نرى أن الإمارات العربية المتحدة، والسعودية، ومصر، والبحرين يتحدون ضد قطر. لكن السبب الذي يدفع البحرين إلى القيام بهذا الأمر هو أنها لا تمتلك القدرة فعلًا على اعتماد سياستها الخاصة، لذلك يتوجب عليها دومًا أن تتبع ما يقوم به السعوديون، ولا يسعدها خيانة المملكة العربية السعودية.
لذلك أكرر أننا قادرون على فهم تاريخ البحرين ليس مع قطر فقط بل مع المملكة العربية السعودية أيضًا. يمكننا أن نرى كيف تتصرف البحرين غالبًا عند حدوث هذه الأزمات المحلية. أعتقد أنها ضرورية لفهم الأحداث الحالية.
أوال: كنت قد واجهت مشكلة في السابق مع الأرشيف البريطاني عندما طلبت الحصول على وثائق مرتبطة بـ “إيان هندرسون” لأن هذا النوع من الوثائق يؤثر على العلاقات البريطانية البحرينية؛ هل يوجد وثائق ما زالت غير مكشوفة للناس؟ أين قضيتك اليوم؟
جونز: لقد حاولت في السابق الحصول على وثائق حساسة موجودة في عهدة وزارة الخارجية، وتلك الوثائق التي أتحدث عنها تحديدًا مرتبطة بـ “إيان هندرسون” الذي كان رئيس الشرطة السرية في البحرين منذ العام 1965 تقريبًا. لقد عاش في البحرين حتى وفاته تقريبًا منذ سنوات عدة. وحتى عندما أنهى عمله رسميًّا كشرطي، صار إيان هندرسون مستشارًا للحكومة البحرينية، ومنحته الحكومة البحرينية عددًا من الميداليات لقاء خدماته. تاريخه في البحرين يعتبر حساسًا جدًّا، وقد أبلغ عدد من الأشخاص أنهم تعرضوا للتعذيب على يديه بشكل خاص. لذلك أصبحت مهتمًّا جدًّا في دراسة السجلات التاريخية منذ ستينيات القرن العشرين حتى سبعينيات القرن. ولم يكن ذلك فقط كي أطلع على إيان هندرسون فقط، بل على الشرطة البحرينية أيضًا التي كان إيان هندرسون من أبرز مظاهرها. الأمر المثير للاهتمام حول الوثائق الموجودة في المبنى خلفي هو أنها ترسم صورة مختلفة بعض الشيء عن هندرسون، إنها ترسم صورته بعد الاستقلال عندما أخذ موقعًا ثانويًّا خلف رئيس الوزراء خليفة بن سلمان. وعند هذه المرحلة، زعم هندرسون أنه ناضل كي يحصل على النفوذ الوهابي الذي كان في السابق.
ولكن في الوقت نفسه، كان هندرسون مدركًا تمامًا لممارسات التعذيب التي كانت تجري في البحرين؛ كان البريطانيون مدركون لهذه الأمور كلها.
كانت هناك أحداثٌ، استنادًا على الأبحاث الأرشيفية التي قمت بها، اكتشفت فيها أن المسؤولين البريطانيين في البحرين يحاولون عن قصد تضليل عامة الناس من البريطانيين بشأن طبيعة التعذيب في البحرين.
لذلك من الواضح أن يدفعني هذا الأمر للاعتقاد أنهم يخفون شيئًا ما، ولا شك في أن هذا النوع من المعلومات حساس جدًّا، وكان ليكون الأمر أكثر حساسية عندما كان هندرسون ما يزال حيًّا لو أنه اتُّهم بممارسة التعذيب. وإحدى الوثائق التي صادفتني كانت ناقصة، فقلبت الصفحة، وغالبًا في الأرشيف، تظهر لك قصاصة ورقية كُتب عليها: “هذه الوثيقة محجوبة بموجب القسم X من قانون حرية المعلومات”. أساسًا في بريطانيا، هذا الأمر يعني: “سيتطلب حصولك على هذه الوثيقة وقتًا طويلًا”. ففكرت بتقديم طلب لحرية الحصول على المعلومات، وقد رُفِض طلبي. قدمت استئنافًا، فرُفِض أيضًا. توجهت إلى هيئة أخرى راجعت القضية وهذه الهيئة وافقت وزارة الخارجية الرأي، فقمت بإحالة القضية إلى المحكمة. ربحنا القضية في المحكمة، لكنهم لم يمنحونا سوى بضع جملٍ إضافية. لقد كانت الوثيقة مهمة جدًّا وتُظهر قلق إيان هندرسون تجاه وضع الشرطة البحرينية، وأنه كان قلقًا أنها في حال استمرت باعتماد الأسلوب نفسه، فلن تتمكن من السيطرة على الاضطرابات في البحرين، وقد يؤدي ذلك إلى سقوط آل خليفة، وإلى تدخل السعودية.
كما أعتقد أنها تتضمن معلومات محرجة جدًّا عن فرد حيٍّ من العائلة الحاكمة، ولذلك تم حجب معظم أجزاء الوثيقة، فلا يستطيع الفرد قراءتها.
أعتقد أن مسار الإجراءات كان قيِّمًا، لأنه يتوجب على المؤرخين، والناشطين، أو الأكاديميين أن يبذلوا مجهودًا كبيرًا لمحاولة الوصول إلى المعلومات. لكن المشكلة تكمن في أن العملية تأخذ وقتًا طويلًا، لذلك أعددت لائحة تتضمن الوثائق جميعها المحجوبة بموجب قانون حرية المعلومات. لدي لائحة بها جميعها في جدول واحد. هناك تقريبًا ما يفوق المئة وثيقة ما تزال محجوبة، والكثير منها موجود هنا. هناك وثائق لا يمكننا الوصول إليها من خمسينيات القرن العشرين، وهذا الأمر مثير للاهتمام، فمن الواضح أنه في العام 1956 في البحرين -الكثير من هذه الوثائق تعود إلى العامين 1955/ 1956- كان هناك انتفاضة شعبية تورط البريطانيون في إخمادها. حصل هذا الأمر عندما كان المستشار تشارلز بلجريف ما زال مستشارًا في البحرين. ونعلم أيضًا أن البريطانيون ساعدوا على إخماد الاضطراب الذي حصل في الستينيات عن طريق إرسال المروحيات التابعة للبحرية الملكية.
لذلك وجدت أن الكثير من السجلات التي ما تزال محجوبة هنا، وغير مكشوفة لعامة الناس، تتضمن معلومات مفيدة جدًّا تخبرنا كيف عمل البريطانيون مع العائلة الحاكمة في البحرين لمساعدتها على منع نشوء مؤسسات أكثر ديمقراطية. وأظن أن هذا النوع من السجلات يعود إلى الخمسينيات، مما يعني أنها كانت حساسة جدًّا، كما قد نرى في الثمانينيات والسبعينيات أمورًا كثيرة عندما بدأت ممارسة التعذيب. تم تسجيل حالات الوفاة الأولى جراء التعذيب في السبعينيات بعد الاستقلال.
وعندما كان إيان هندرسون رئيس الشرطة السرية، وضابط آخر يدعى جيم بيل رئيس الشرطة النظامية، تعتبر تلك الفترة أكثر حساسية أيضًا. لذلك لا يمكنني أن أرى أن الحكومة البريطانية قد تسمح بنشر الكثير من هذه الوثائق، لأنني أشعر أنها تتضمن معلومات قد تكون حساسة جدًّا. لكن الأرشيف ليس المكان الوحيد الذي يحتوي هذا النوع من المعلومات، فقد قدمت طلبًا بحرية الوصول إلى المعلومات إلى شرطة المدينة حول إيان هندرسون في ما يتعلق بالاتهامات الموجهة إليه بسبب ممارسة التعذيب.
لكن المثير للاهتمام أن شرطة المدينة أسقطت القضية لأنها قالت إنها لا تمتلك الدلائل الكافية. فما قمت به هو أنني قدمت طلبًا للحصول على الدلائل كلها التي جمعوها لهذه القضية كي أرى ما هي.
يهمني أن أعرف تحديدًا إذا ما كانت شرطة المدينة تمتلك القدرة على الوصول إلى الوثائق السرية هنا؛ من المفترض أنها تمتلكها، فهي الشرطة على أي حال! لذلك تضمن طلبي ما يلي أيضًا: “هل تمتلك شرطة المدينة القدرة على الوصول إلى الوثائق كلها المحجوبة المرتبطة بـ إيان هندرسون كي تكمل تحقيقها؟”. أعتقد أن هذا الأمر كان ليكون مفيدًا.
أوال: هل تعتقد أن آل خليفة اليوم منعوا نشر هذه الوثائق أو ترجمتها لأنها تكشف صورة سيئة عنهم في ما يتعلق باللائحة المدنية على سبيل المثال، وتُظهر عددًا من الصفات التي كان يطلقها عليهم الضباط البريطانيون (ضعفاء، فاسدون، يتكاثرون كالأرانب، وغيرها)؟
جونز: أظن أن آل خليفة سيمنعون نشر سجلات البحرين باللغتين العربية والإنجليزية في البحرين. على مدى تاريخ البحرين، أعتقد في ستينيات القرن العشرين، في نهاية الستينيات، كان هناك قانون واضح مرتبط بالمنشورات يمنع نشر أي مادة يمكن أن تجلب السمعة السيئة للحكومة. الجميع في البحرين يعرفون أن هذه المواد يمكن أن تكون أي شيء. لذلك، لطالما كانت الحكومة البحرينية حساسة جدًّا تجاه المعلومات التي تنتقد العائلة الحاكمة والحكومة بشكل عام. ولهذا السبب، تم منع بعض الكتب في البحرين، مثل كتاب فؤاد الخوري “القبيلة والدولة في البحرين”، الذي يستخدم فيه أيضًا الكثير من الوثائق التاريخية. إنه ممنوع فعليًّا في البحرين. كما ذكرت تقارير أن مذكرات بلجريف ممنوعة أيضًا.
أعتقد أن توافر هذه الوثائق باللغة العربية يزيد من حساسية الموضوع، لأنها لطالما كانت باللغة الإنجليزية، وهي بتلك الطريقة يُنظر إليها على أنها يسهل السيطرة عليها. ربما لم يروا أنها تشكل تهديدًا إلى هذا الحد، لأن من يقرأها عادة ما يكونون من الأكاديميين. ولكن اليوم، سيسبب لهم توافرها باللغة العربية قلقًا إلى حد كبير، ففيها الكثير من المواضيع الحساسة بشأن العائلة الحاكمة.
إذا عدنا إلى الفترة الممتدة من بداية العام 1900 حتى ثلاثينيات القرن العشرين، فإن معظم المعلومات المذكورة في وثائقها تنتقد العائلة الحاكمة، وغالبًا ما تكون محرجة جدًّا. إنها لا تسبب إحراجًا فقط، بل إنها قد تحدث انقلابًا في نظرة العائلة الحاكمة لتاريخها.
سأعطيكم عددًا من الأمثلة على هذا الأمر. أولًا، سأعطيكم مثالًا على نوع النقد الذي كان لدى البريطانيين. إذا شاهدتم الأخبار اليوم، دائمًا ما ستجدون المسؤولين البريطانيين يتحدثون عن “الصداقة التاريخية بين بريطانيا والبحرين”. ومن المضحك استخدامهم لهذه الكلمة “صداقة”، لأنه من الواضح أن الصداقة تشير إلى العلاقة المتبادلة بين أشخاص يحبون بعضهم بعضًا فعلًا. ولكن منذ بداية العام 1900، كان معظم المسؤولين البريطانيين الذين يعملون في البحرين لا يحبون العائلة الحاكمة حقًّا -قد نتهمهم بالتحيز بأي حال من الأحوال. لقد قالوا عددًا من الأمور حولهم؛ أحد المسؤولين ادعى أن العائلة الحاكمة كانت مستبدة وتميل إلى الاضطهاد، وآخر قال إنهم خبيثون. وقد قال مسؤول بريطاني آخر إنهم منيعون تجاه الإدراك، أي إنهم لا يمتلكون حسًّا للإدراك المعنوي. حتى أن تشارلز بلجريف أمضى معظم وقته ينتقد أفرادًا من العائلة الحاكمة. لقد أنشأ تشارلز بلجريف فعلًا علاقات وثيقة مع سلمان، وحمد، وحكام البحرين جميعهم، ولكن في معظم صفحات مذكراته، ينتقد بوضوح أفرادًا من العائلة الحاكمة لأسباب متعددة.
الأمر ليس مرتبطًا فقط بوجود معلومات حساسة في هذه السجلات، بل يمكن القول إن هناك الكثير من المعلومات الحساسة، والكثير من النقد. وفي ما يتعلق بوجود معلومات جديدة، أعتقد أنه في دراستي الخاصة عن البحرين، يوجد الكثير من القضايا المثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، كان هناك محاولة لقتل الشيخ حمد في عشرينيات القرن العشرين، وقد تم اتهام أحد الخوالد بقتله (الخوالد هم أسلاف الخوالد الحاليين في البحرين). تعرض للمحاكمة، ورُحِّل من البحرين بسبب محاولته قتل الشيخ حمد أو اغتياله. لكنه فعليًّا عاد إلى البحرين، وصار يعيش مع الشيخ حمد -إنها قصة غير طبيعية.
لكن المثير للاهتمام -إذا قرأنا مذكرات تشارلز بلجريف، ومن ثم طابقناها مع سجلات البحرين- سنرى أن المشتبه به الرئيس هو عبد الله بن عيسى آل خليفة، أخو الشيخ حمد. والملفت بشأن عبد الله بن عيسى هو أنه لطالما كان الفرد الذي يشتكي منه البريطانيون بسبب ترهيبه للبحارنة. على سبيل المثال، كانوا يقولون إن بعض خدامه يغتصبون سكان القرى، ويختطفونهم. كان يقوم بابتزاز الناس مقابل المال -لقد قام بالكثير من الأمور التي وثقها أحد المسؤولين البريطانيين، هذا الشخص بالتحديد. لقد كان فعلًا المصدر الرئيس لمحاولة البريطانيين استحداث إصلاحات. لقد كان يحاول أن إضعاف حمد. كان حمد الرجل الخاص بالبريطانيين في موقع المسؤولية، الذي يستطيعون التلاعب به. أساسًا، كانوا مقتنعين أن المسؤول هو عبد الله بن عيسى، أخو الحاكم. لكن البريطانيون كانوا يجادلون الفرد الأكثر كفاءة وذكاءً في العائلة الحاكمة. على الرغم من أنه كان يقوم بهذه الأمور السيئة كلها، إلا أنه كان مؤثرًا، وكان كفوءًا فعلًا. لذلك كانوا يريدون منه أن يكون في الحكومة، لأنه كان أحد الأشخاص القادرين على دفع العائلة الحاكمة للتوقف عن محاولة إضعاف حمد. كما أنه يمكن أن يكون الشخص القادر على المساعدة في بدايات الحكومة الجديدة لأنه كان ذكيًّا فعلًا، ويبدو أن البريطانيين كانوا يعتقدون أن معظم عائلة آل خليفة ليسوا أذكياء.
لذلك انطلاقًا من رؤيتي للتاريخ، فإن اتهامهم المفاجئ لأحد الخوالد في محاولة قتل الشيخ حمد قد تعكس واقع أنهم لا يريدون أن يُخضعوا عبد الله للمحاكمة. وما حدث فعلًا هو أن عبد الله كان أحد القضاة في المحكمة التي أدين فيها الخوالد. ومن ثم يذكر بلجريف تحديدًا أن وجود عبد الله كقاضٍ في المحكمة هو أمر ذكي جدًّا، لأنه حينئذٍ يستطيع أن يوجه إصبع الاتهام. أظن أن هذا الأمر قد يكون مثيرًا للاهتمام، أعني إن كان هذا صحيحًا، فأن يعرف أفراد آل خليفة هذا الأمر، فإنه مثير للاهتمام. لا أن يظهر لسكان البحرين فقط، أو للناس العاديين ما كان عليه تاريخهم فقط، بل ربما أن يدرك آل خليفة أيضًا أن بعض مظاهر تاريخهم قد لا تكون كما هم يعتقدون. أظن أن الحساسية تكمن في هذا الجانب أيضًا.
أوال: هل يمكن أن تساعد هذه الوثائق على فهم الوضع في البحرين منذ العام 2011؟
جونز: كما ذكرت مسبقًا، أعتقد أن هذه الوثائق من شأنها أن تساعد على فهم الوضع في البحرين اليوم كمثال على التذكير بأن التاريخ في بعض الأحيان يكرر نفسه في أشكال متعددة. لذلك أظن أن ما كنا نراه دائمًا في البحرين هو مجموعة من الأشخاص المضطهدين، الذين يعتمدون على القوى الخارجية لمحاولة الحصول على الحماية مقابل عائلة حاكمة مُدَمِّرة نوعًا ما. في عام 1910م، كانت هذه العائلة متمثلة بالشيوخ القبليين بمن فيهم آل خليفة، والدواسر. كانوا يجبون الضرائب من البحارنة المزارعين، بالإضافة إلى الانخراط في الابتزاز، والاختطاف، والاغتصاب.
وما نقوله اليوم ببساطة هو أننا نرى البحرينيون مجبرين على الاعتماد مجددًا على المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، واللجوء إلى دول أخرى بهدف تحصيل احترام لحقوق الإنسان الخاصة بهم، والضغط على البحرينيين. وأظن أن المثير للاهتمام بخصوص السجلات التاريخية هو أنها تظهر لنا كيف تغيرت الأشياء في الكثير من النواحي، وكيف تحضرت الدولة لتصبح دولة حديثة من الناحية التقنية. لكن الكثير من أسس الاضطهاد المؤكدة والخضوع السياسي ما تزال على حالها، يرتكبها الأشخاص أنفسهم بطريقة أو بأخرى. وأعتقد أن الحصول على نظرة عميقة إلى الأمور ضروري جدًّا، وستدفع الناس إلى التأمل أكثر في أحداث عام 2011م، كما أظن أنها ستؤدي بالأشخاص الذين قد لا يكونون يعرفون أن الحكومة تابعة لنظام استبدادي غير ديمقراطي كي يدركوا أنهم يدعمون حكومة انخرطت تاريخيًّا في اضطهاد مجموعة محددة من الناس.
أحب أن أنظر إلى القضية على أنها حركة حقوق مدنية. أعتقد أنه في الولايات المتحدة الأميركية، ومع نمو الوعي الأميركي بشأن دور العبودية، تطلب ذلك إدراكًا تاريخيًّا. لو أن الأشخاص الذين يدعمون الحكومة في البحرين اليوم يمتلكون إدراكًا تاريخيًّا، فإنهم قد يشعرون بالمزيد من التعاطف مع المعارضة.
أوال: هل يمكن لهذه الوثائق أن تساعدنا على فهم السلوك البريطاني تجاه البحرين اليوم كنظام يدعم البحرين؟ أو أنها غير مرتبطة بالوضع الحالي للعلاقة بين البلدين؟
جونز: أعتقد أن أحد أكثر الأمور أهمية في هذه الوثائق اليوم هو أنها ستشرح لنا الموقف الحالي لبريطانيا تجاه البحرين، بالإضافة إلى الموقف التاريخي. فما نراه خلال هذه الوثائق هو في الأساس العلاقات البريطانية مع البحرين. لقد كُتبت الوثائق البريطانية بأقلام المديرين الاستعماريين، ولاحقًا السفراء، وفي بعض الأحيان كانت تُكتب بأيد المعتمدين أو المقيمين السياسيين، لذلك فإنها تمثل المنظور البريطاني للأمور، ومن المؤكد أن هذا الأمر سيساعد الناس على فهم الأمور.
يوجد بعض الأمثلة الواضحة أيضًا بشأن سبب الدعم البريطاني للبحرين، لأننا كما نذكر، لطالما كان المسؤولون البريطانيون واضحين في تعبيرهم عن أن دعمهم لآل خليفة لم يكن يومًا معنويًّا، لقد كانوا في الواقع لا يحبون آل خليفة مطلقًا. لذلك دائمًا ما كان السبب استراتيجيًّا، ومرتبطًا بالمصالح الخاصة. كما تعرفون، فإن حكومة الهند في العام 1900 كانت تريد أن تكون البحرين مكانًا مستقرًّا يمكنها من إنشاء بعض مخازن الفحم فيها كي تتمكن السفن من عبور الخليج. وأرادت أيضًا أن تتأكد أن القراصنة لن يعتدوا على السفن.
في خمسينيات القرن العشرين، ساعد البريطانيون على إخماد الانتفاضة الشعبية، وبعد سنوات عدة، ظهر السبب الذي دفعهم إلى الالتصاق بآل خليفة. لقد قالوا إنه في ذلك الوقت، 1954 – 1955، كان البريطانيون على تواصل مع هيئة الاتحاد الوطني؛ لقد كانوا يتحدثون مع المعارضة، وكانوا يفكرون بدعمهم -يبدو الأمر غير اعتيادي اليوم لكنهم كانوا فعلًا يقومون بذلك. لكنهم قرروا لاحقًا أنهم يعرفون أن آل خليفة سيسمحون للبريطانيين بإنشاء قاعدة لهم في البحرين، ولأن آل خليفة كانوا يعتمدون على البريطانيين، فإنهم سيسمحون دائمًا بنوع من التواجد العسكري لهم في البحرين.
لم يكن البريطانيون على يقين، ولم يعتقدوا أن هيئة الاتحاد الوطني ستسمح للبريطانيين بإنشاء قاعدة عسكرية لهم في البحرين، الأمر الذي كان يشكل مصلحتهم الاستراتيجية. ولهذا السبب الرئيس، قرروا أن لا يدعموا هيئة الاتحاد الوطني، وبقوا مع آل خليفة. لذلك نرى أن الأمر كان استراتيجيًّا حقًّا.
خلال السبعينيات والثمانينيات، نرى المشهد نفسه، البريطانيون كانوا ما زالوا يعتقدون أن آل خليفة مهتمون جدًّا بالمصالح البريطانية، وبالتالي يدافعون عن واقع أن بريطانيا تمتلك علاقات تجارية جيدة مع البحرين. نذكر أن المصالح البريطانية فيما بعد، في الستينيات والسبعينيات، كانت تتلخص بالبريطانيين الذين يعملون في الخليج ويرسلون الأموال إلى بريطانيا، وبالحصول على عقود بريطانيا لعدد من الشركات كـ “ويمبي” التي تمتلك مبنًى كبيرًا للشركة؛ لطالما كانت بريطانيا حريصةً على تحسين علاقاتها التجارية مع الخليج، ويبدو واضحًا أن آل خليفة كانوا يعتمدون تاريخيًّا على بريطانيا، وكان البريطانيون يشعرون أنهم يحصلون على التجارة الملائمة لهم. لطالما كان الأمر استراتيجيًّا جدًّا.
وفي هذه الأيام، نرى المشهد نفسه إلى حد كبير، ففي العالم بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستحتاج بريطانيا أن تعتمد على المزيد من الدول المشابهة للبحرين بهدف التجارة، وأيضًا بهدف بيع الأسلحة، والدعم الأمني، وتقديم “الخدمات”. إن ما يحصل اليوم، أي في ما يخص الأزمة في البحرين، فإنها تستغل التجارة، لأن بريطانيا اليوم يمكنها أن تؤمن خدمات للبحرين مثل تدريب الشرطة، وتقديم الإصلاحات القانونية، والاستفادة منها فعلًا. وكما نرى من خلال الأزمة الحالية في قطر، قامت بريطانيا ببيع الطائرات والطائرات النفاثة لقطر مقابل الكثير من الأموال.
يُظهر لنا هذا الأمر كيف تستغل بريطانيا الأزمات، والأسباب المختلفة التي أدت ببريطانيا إلى صقل علاقاتها مع البحرين.
____________________________________________________
(1) مارك أوين جونز (Marc Owen Jones)، باحث وأكاديمي بريطاني متخصّص في تاريخ البحرين والسياسة في منطقة الخليج، والقمع السياسي ووسائل الإعلام الرقميّة. نشأ في البحرين والسعوديّة، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسيّة والشؤون الدوليّة من جامعة دورهام البريطانيّة عام 2016، حيث تناول في أطروحته تاريخ القمع السياسي في البحرين. عمل في جامعة إكستر، ثم في جامعة حمد بن خليفة في قطر، ويشغل حاليًّا منصب أستاذ مشارك في التحليل الإعلامي بجامعة نورثويسترن في قطر. من أبرز مؤلّفاته كتاب «القمع السياسي في البحرين» (Political Repression in Bahrain)، الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج عام 2020. كما شارك في تحرير كتاب «انتفاضة البحرين: المقاومة والقمع في الخليج» (Bahrain’s Uprising: Resistance and Repression in the Gulf)، الصادر عام 2015.







