المنامة مشي وسِيَر وصور ودكاكين

المنامة مشي وسِيَر وصور ودكاكين

*حسين المحروس

(المشي كشفٌ. خُلق الإنسان ليمشي وليمشي أيضًا! ليس أفضل من المشي لكشف الطريق.)

سيرة المشي

لا تمتلئ عينان بالصّور إن كان صاحبها لا يمشي. ومصوّر لا يمشي لا يُعوّل عليه. قدمان تواقتان إلى المعرفة، تقيمان علاقة معقّدة مع العينين، حتى يشعر المرء أحيانًا بأنهما تتبادلان الأمكنة. تصبح القدم قادرة على الرؤية، والعين هي الّتي تمشي إلى المشهد المقصود. أعني المنامة. أقصد قلبها. ولأكون أكثر تحديدًا، أتكلم عن المكان الذي تمشي فيه مواكب العزاء الحسينيّة في شهري محرم وصفر من كلّ عام. هذه المنامة قبل أن تتّسع ويتّسع المشي فيها.

أتحدّث عن المشي إلى المنامة من بيت منفرد في شارع “أبو العلاء الحضرمي” القريب من باب البحرين. شارع مظلم في الخمسينات، يُضاء بمجموعة من مصابيح الزيت “فنر”. طريق يربط أماكن عدّة، يوصل بينها وبين ميناء المنامة “الفرضة”. هذه المنطقة مختلطة: مسلمون شيعة وسنة، يهود، مسيحيون، بونيان، سيخ، وديانات أخرى، تتشابه كلّها في البحث عن السّلام. بيوت مفتوحة على بيوت؛ ولا تقسيمات: بيت بن رضي، بيت الجشي، بيت العريض، بيت الصفار، بيت العلوي، وبيت بشمي الذي لا يبعد عن المنامة،  وعن درب مواكب العزاء، سوى 400 قدم. المسافة ليست طويلة إلا إذا قيست بحركة العين بالملّيمتر الواحد.

يقول الفنان الراحل عزيز زباري: “كنّا ندخل معابد الهنود (البونيان)، ونرى عيون مائهم أسفل الأرض. كنا ننزل إلى عيون الماء عن طريق سلم. وعندما يحتفلون بعيد الألوان، نشاهدهم يتقاذفون بها، ونفرح لذلك، لكنّهم كانوا يميّزون بيننا وبينهم، فلا يقذفوننا بألوانهم. ولم نكن نغضب لو فعلوا.

كان الحمام في سوق المنامة يسرح ويمرح ويتناسل بكثرة، دون أن يزعجه أحد. هنا في المنامة جبرة كبيرة، يخزن فيها الرز والسكر، فيحوم حولها الحمام لالتقاط ما يسقط من الأكياس، وهنا تتجمّع بعض الحيوانات الصغيرة، مثل أبو العريس”.

طقس عاشوراء

فعاليات مواكب العزاء ظاهرة مترسخة يشارك فيها الجميع. هناك ألفة بين الكلّ. لا يشعر المتفرج أو المعزي بأنّ ثمة حاجزًا بين الطرفين. علاقات إنسانية أكثر من ممتازة، كان العزاء يمثّل ـ في تلك الفترة ـ بساطة أهل البحرين. حدود الوعي عندهم هي حدود التعاطف مع العزاء، فمأتم الإحسائيين يختلف تمامًا عن المآتم الأخرى في شكل موكبه، جميع أفراده بملابسهم، يضربون صدورهم، ويردّدون القصائد الحسينية في فرقتين متجاورتين تتجاوبان وتردّ كل واحدة منهما على الأخرى بشعر محفوظ متّفق عليه. وتلمس اختلافهم ذلك عن المآتم الأخرى. مأتم رأس رمان يتميّز بشيلاته “قصائده” المسيّسة، وباقي المآتم كانت تؤدي العزاء بتقاليده وطقوسه البحرينيّة. أحيانًا، تكون هناك غيرة من مواكب عزاء العجم، لأن لديهم فرقة موسيقية لها ألحانها الحزينة.

سيرة الدكاكين

المنامة القديمة أكثرها دكاكين. لم أكتبْ سيرةً واحدةً ليس فيها دكان، حتى ظننت أن سِيَرَ الناس في المنامة تخرج من الدكاكين. الدكان سوق، والسوق أقدر الأمكنة على سعة الصيد والالتقاط. عندما كنت أعدّ كتاب “إذاعة البحرين سيرة الكلام”، وجدتُ إبراهيم كانو “الأستاذ” يلتقط مؤسّسي إذاعة البحرين واحدًا واحدًا في دكاكين باب البحرين. كان أوّلهم عبد الرحمن عبدالله: “جلست مع أحد أقربائي في دكان تجاري نتحدّث ونتفقّد المارين في الشارع الحيوي. ظهر ذلك الإنسان وكأنّه يعرف أين أنا وأين سأكون، ما رأيك لو نجعل صوتك يطير يا عبد الرحمن؟”.

سيرة المصوّر الفوتوغرافي عزيز زباري أكثرها دكاكين، “عندما كنت صغيرًا، كان أبي يصحبني إلى دكانه. كنت أحمل بعض البضائع منه. أذكر أنّي كنت أحمل بعض قناني ماء الورد الإيراني من الدكان، مارًا بها بسوق الطواويش بالمنامة مع أخي أحمد. كان زجاج القناني رقيقًا جدًا، لا يتحمل أيّ صدمة، ولو يسيرة، ما جعل أخي أحمد يوصيني مرات بالاحتراس أثناء المشي بها، لكن ما خاف منه وقع. اصطدمت إحداها بجدار أحد البيوت، وبدأ ماء الورد يسيل منها قليلًا قليلًا. دخلت مطبخ البيت خائفًا. وضعتها هناك، ولم أخبر أحدًا.

يقع دكان أبي في وسط سوق المنامة تقريبًا. حوله مجموعة دكاكين لتجار يهود. كنتُ أرى النشاط في دكان أبي لا يهدأ، والبحارة وأهل السفن والغاصة لا ينقطعون عنه، والناس في السوق في قمّة نشاطهم اليومي. أفرح لأنّي أشاهد هذا النشاط. وتزيدني طربًا تلك اللعب التي يحضرها أبي من الهند ويبيعها في الدكان. يمرّ صبّاب القهوة مشيًا على قدميه، منطلقًا من المقهى الشعبيّ في حيّ أبو صرّة في المنامة، ويطوف بجميع الدكاكين في السوق”.

يحضر الدكان في سيرة الخطيب السيد محمد صالح الموسوي “نسيج العمامة” في أشكال مختلفة: دكان يمدّ العائلة بما تحتاجه في اتفاق يعرف سابقًا بـالعميل، دكان المرح جدًا والحيوي عاشور بن عبد الله في زاوية البستان في السنابس الشرقية، ملتقى بهجة السيد بعد عودته ليلًا من المجالس التي خطب فيها، ودكان الخوف الذي منع صاحبهُ الخائف السيدَ من دخوله بعد محنة كتاب “حصايل الفكر” في المنامة.

في “سيرة خيوط الذهب”، الدكان ملتقى مزاج مطرزي البشوت ابتداءً من خياطة “البروج” وانتهاء بخياطة “لمِكسر”، حتى ينتهي العمل بالخبان. في شارع باب البحرين في المنامة، يرحّب صاحب دكان صناعة البشوت عبد الله بن علي الجعفر، المولود في المنامة العام 1953 من والدين إحسائيين، بالزائر بطريقة جميلة ورقيقة تشبه خيوط الذهب. هذه الصناعة تعلّم الدقّة والرقّة. تَعَلَّم خياطة البشوت منذ أن كان صغيرًا في دكان لأجداده في شارع العلاء الحضرمي في المنامة. كان الدكان يحمل اسم بوحمود، وهو اسم جدّه لأمه. عندما بلغ الجعفر سن السابعة أدخل مدرسة القلب المقدس حتى العام 1964. يقول الجعفر: “علّمتني نساء إيطاليات راهبات مخلصات في عملهن. كنت أراهنَّ كيف يبذلن جهودًا كبيرة في كل درس”. وعندما أكمل دراسته الثانوية في المدارس الحكومية البحرينية، تفرّغ لدكان جدّيه.

الدكان هو سيرة حياة المصوّر “أحمد الماضي، صور ملوّنة بلذة ما بعد السياج”، خارج سياج كلّ شيء: الدين، الحيّ، حتى الدكان نفسه. دكان البصير إبراهيم البزاز الذي يرى بيديه، يضعهما على الجدار الفاصل بين باب بيته والباب الخشبي لدكانه. اليدان مصدر معرفةٍ لا يخطئ. بهدوء يشبه هدوء الحيّ عندما يغادره الرجال صباحًا إلى أعمالهم، يتحسّس الجدار بحثًا عن مزلاج باب الدكان ذي اللون الأخضر. يُتمتم بكلماتٍ وأدعية، الرزقُ في التبكير.

السيرة تحتاج إلى ترويج، ولا يفعل ذلك غير الدكان. الحبّ يحتاج أولًا وتاليًا إلى دكان.

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: المنامة مشي وسِيَر وصور ودكاكين

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو 3 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا:

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>