المكتبة الوطنية في لبنان: بيت الهويات المتعددة وخزّان لذاكرة الحرب

غفران مصطفى*

عاش لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية صراعًا جوّانيًا اجتماعيًا وثقافيًا في مأسسة الصروح الوطنية، بعدما تسبّبت الحرب بشروخ في الهوية الجامعة، فتحوّل إلى بلد الهويات المتعددة. هذه الحرب كان لها أثر في قطاعات محلية عديدة، كان من بينها المكتبة الوطنية، بعدما أغلقت أبوابها إثر اندلاع الحرب في العام 1975، وتعرضت مجموعات من الكتب ونحو 1200 مخطوطة للحرق والنهب، فيما نُقلت الكتب والدوريّات الباقية في الثمانينيات إلى مستودع في قصر الأونيسكو بهدف المحافظة عليها، إلّا أنّ أضرار الحرب لحقت بها، ما أثّر سلبًا في ظروف تخزينها، بحسب ما ورد في موقع المكتبة على الشبكة العنكبوتية.

تعود المكتبة اليوم إلى الواجهة الثقافية اللبنانية، بعدما أُعيد افتتاحها رسميًا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي في مبنى كلية الحقوق والعلوم السياسية قديمًا، في منطقة الصنائع في بيروت، بعدما كان مقرّها في مرفأ بيروت. يمهّد الزرع الأخضر ممرات الدخول إلى المكتبة، فيما ترخي عمارة المبنى العثماني القديم جوًّا من الألفة على الزائر، وكأنه في بيت كبير. المبنى الذي جرى وضع الحجر الأساس لبنائه في العام 1905 أُنجز في العام 1907. في الداخل ممرّات عريضة تؤدّي إلى قاعات واسعة، أكبرها وأهمها قاعة القرّاء. المكان الواسع الهادئ تتوسَّطه طاولات عريضة مخصَّصة للقراءة، تحيطها من الجانبين الأيمن والأيسر رفوف كثيرة تصطفّ عليها مئات الكتب والنماذج التي يحرص أمناء المكتبة على عرضها لتبيان أهمّ ما تتضمنه، فيما توضع بعض الكتب بشكل فردي كأنها قطع فنيّة نادرة.

 

أبرز مقتنيات المكتبة

تتضمَّن المكتبة وثائق نادرة، مخطوطات، لوحات، كتبًا، دوريّات، مجلّات، نشرات، منشورات حكوميّة، خرائط وتصاميم، بطاقات بريديّة، مقطوعات موسيقيّة، ملصقات، وثائق إلكترونيّة (أقراصًا مدمجة)… وتتضمن أيضًا الوثائق الإدارية والتاريخية التي تركها الأتراك في العام 1918، “الفضائل المحمدية” (طُبعت على نفقة الدولة العثمانية في العام 1318)، كتبًا فنية أجنبية من العام 1933، مجموعة “شرح قانون المحاكمات المؤقت” لسليم بن رستم باز اللبناني التي تعود إلى العام 1895، مجموعة إدمون نعيم القانونية التي وهبها للمكتبة، الأعداد الأولى للعديد من الجرائد، من مثل “حديقة الأخبار”، وهي أول جريدة مطبوعة في لبنان، و”ثمرات الفنون” الَّذي يعود إلى العام 1858، أعداد مجلة “الأدب الشعبي” من الستينيات، أعداد مجلة “الآداب” منذ انطلاقتها حتى اليوم، مجلَّة “روضة البلابل” الموسيقية التي تعود إلى العام 1920، أعداد المجلّة الكهنوتية من الخمسينيات، سفر المزامير الصّادر عن أوَّل مطبعة في لبنان في دير قزحيا، أعدادًا من الثلاثينات والأربعينات لمجلة “العصبة”، دوريات حزبية وملحقات فلسطينية، من مثل “الثورة” و”المعركة” و”رصيف 81″ و”فتح”، إضافةً إلى احتوائها قصاصات ومخطوطات ثمينة، منها مخطوطات متنوعة في الدين الإسلامي والكتب المقدسة باللسان العربي مع النسخة اللاتينية العامة المطبوعة بأمر من المجمع المقدس المتوكّل على انتشار الإيمان المسيحي لمنفعة الكنائس الشرقية في العام 1671، والكتاب مترجم عن الفولغاتا اللاتينية، وكان من بين العاملين على نصه العربي رهبان لبنانيون، بينهم إبراهيم الحاقلاني وسركيس الرزي. 

وتضم المكتبة أيضًا الإنجيل المقدس “المكتوب من أربع الإنجيليين المقدسيين… متى ومرقس ولوقا ويوحنا” من العام 1591، القرآن الكريم (بيروت، المطبعة العثمانية، 1887)، كتاب “در التاج في قصة الإسراء والمعراج” (مخطوطة)، ديوان أبي الطيب المتنبي من كتب جرجس صفا في العام 1898، كتاب “مرزبان نامه” ترجمة الشيخ العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه (القاهرة، مطبعة الحجر، 1278هـ/ 1862م). وقد ترجم هذا الكتاب من اللغة الطبرية إلى اللغة الفارسية، ثم إلى التركية، وبعدها إلى العربية، ووضعه في القرن الرابع الهجرة أحد حكماء العجم المسمى أسفهيد مزربان من أبناء ملوك طبرستان.

كل ذلك إضافةً إلى لوحات زيتية لأركان النهضة الأدبيّة منذ القرن السابع عشر حتى القرن العشرين، من مثل عبد الله زاخر مؤسس الطباعة اللبنانية، داوود القرم أول مصور لبناني، والعلامة الشيخ أحمد عارف الزين مؤسس مجلة “العرفان” (1883 – 1960).

 

تأسيس المكتبة الوطنية

الأمر اللافت في تأسيس المكتبة الوطنية أنها انطلقت من مبادرة شخصية للفيكونت فيليب دي طرّازي (1956 – 1865)، الذي أسّس في العام 1919، وهو من هواة جمع الكتب النادرة ومؤرّخ الصحافة العربيّة، دار الكتب في منزله. وشكّلت مجموعته الخاصة – بحسب موقع المكتبة – الّتي تحتوي حوالى عشرين ألف وثيقة مطبوعة وثلاثة آلاف مخطوطة بلغات عديدة، نواةَ الدار. وأطلق لاحقًا على مكتبته اسم “دار الكتب الكبرى”، واختار ثمانية أدباء لمساعدته.

وبين الأعوام 1922 و1928، قام فيليب دي طرّازي بأسفار عديدة إلى أوروبا، ومن ثمّ إلى مصر، بغية اقتناء أعمال جديدة وجمع الهبات. وبهذا نشأت شبكة من العلاقات مع المثقّفين وجامعي الكتب في المنطقة. استقال دي طرّازي من منصبه كأمين للمكتبة في العام 1939 ليخلفه عدد من الأمناء، منهم: يوسف أسعد داغر، عبد اللطيف شرارة، هكتور خلاط، خليل تقيّ الدين، نور الدين بيهم، وإبراهيم معوّض.

تقول أمينة المكتبة والمسؤولة عن اختيار المجموعات المتضمنة فيها، ميشال سعادة أبي رعد، لـ”أرشيفو”، إن المكتبة ضمّت

بين العام 1940 والعام 1975 مجموعة مؤلّفة من حوالى 200000 كتاب أو مخطوطة، وكذلك مجموعة فريدة من الأرشيف، ووثائق إداريّة وتاريخيّة خلّفها الأتراك في العام 1918، إضافةً إلى مستندات ودراسات عن بعثة هوفلان التي شكّلت أرشيف السنوات الأولى للانتداب. وقد اعتُبرت المكتبة مرجعًا مهمًا للجامعيّين والمدرّسين والمسؤولين الإداريّين، وباتت تساعد المكتبات العاملة في لبنان، لا سيّما المكتبات الجامعيّة. وخُصّصت فيها قاعة ضمّت أثمن التحف الفنيّة والمخطوطات القديمة، منها شاهناما الفردوسي.

الجدير بالذكر أنّه في إطار تزويد المكتبة بمجموعات الكتب، تمّ التعرّف إلى هُويّات واهبين كثر، نذكر على سبيل المثال أوّل رئيس للجمهورية اللبنانيّة بعد الاستقلال الشيخ بشارة الخوري، وبعض جامعي الكتب، من مثل ج. يني أو ج. صفا، وكذلك عائلات بعض المؤلّفين اللبنانيّين، على غرار حبيب فارس.

 

مرحلة إعادة التأهيل

شهدت المكتبة ورشة إعادة تأهيل للمرة الأولى بعد الحرب في العام 1999. وُقّع حينها اتّفاق بين وزارة الثقافة اللبنانية والوكالة العالميّة للترقيم الدوليّ (ISBN)، يخوّل لبنان الانتساب إلى نظام الترقيم الدوليّ. وفي العام 2000، تمّ تطبيق الترقيم الدوليّ الموحّد للكتاب الذي يعطي كلَّ كتاب صادر في لبنان رقمًا دوليًا وهُويّةً عالميّة، وفقًا للمعلومات الواردة في موقع المكتبة.

وفي أواخر العام 2005، أعلن أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تقديم هبة قيمتها 25 مليون دولار لترميم المبنى القديم وبناء المساحات الإضافيّة اللازمة. تذكر أبي رعد أنَّ العمل في ورشة إعادة التأهيل تركَّز على فتح الصناديق، تعداد الكتب، التنظيف وإزالة الغبار، الفرز ووضع الأرقام الإلكترونيّة (باركود)، المسح الضوئيّ

لصفحة العنوان (الرقمنة)، إدخال بيانات الجردة، والتخزين على الرفوف. وخضعت الدوريات لخطّة العمل نفسها: فتح الصناديق، الفرز، التنظيف، الجردة الإلكترونيّة والتخزين، وورشة ترميم الوثائق القديمة. تُعالج الوثائق التي تحتاج إلى ترميم وفق الحاجة، فإمّا توضع في علب أو تخضع للترميم البسيط، التعليب، الخياطة البسيطة، ترميم الزوايا والدوائر، وترميم الأوراق.

تهدف المكتبة الوطنيّة إلى حفظ الإنتاج الفكريّ الوطنيّ المنشور، على اختلاف أنواعه وأشكال نشره، تقول أبي رعد، وكذلك الأعمال والوثائق المتعلّقة بهذا الإنتاج خصوصًا، وتلك المتعلّقة بلبنان واللبنانيّين عمومًا، ممّا هو منشور أو محفوظ في الخارج، والمحافظة على هذه المجموعات بشكل دائم، وتنميتها باستمرار، وتلبية الحاجات الثقافيّة والعلميّة للجمهور.

وتضيف أن المكتبة تجمع مقتنياتها من خلال طرق عدة، منها تلقّي النتاجات الفكرية التي تصدر في لبنان على أنواعها، وتلك المودعة لديها بموجب الأحكام الخاصّة بالإيداع القانوني (كل كاتب يترك نسختين من كتابه لدى المكتبة الوطنية)، وجميع النتاجات التي سبق أن أُنتجت في لبنان ووُضعت بتصرّف الجمهور فيه، والاقتناء عن طريق الشراء أو الهبات أو الاستعارة أو الائتمان أو غير ذلك من الوسائل القانونيّة.

وتعمل المكتبة على ‌تأمين شروط حفظ طويل الأمد للوثائق الرقميّة، بحيث يمكن الاطّلاع عليها، مهما كانت التطوّرات التقنيّة على صعيد البرامج المعلوماتيّة والوسائط والتجهيزات، ‌كذلك حفظ المقتنيات والمجموعات، ومعالجتها الماديّة، عبر تأمين الظروف الملائمة للتخزين والقيام بعمليّات الترميم والتجليد… بما يتناسب ووسائط المقتنيات والوثائق. وتلفت أبي رعد إلى أنه من ضمن النشاطات التي تسعى إليها المكتبة ‌تنظيم المعارض والنشاطات الثقافيّة وعقد المؤتمرات والندوات والحلقات العلميّة ذات الصلة بالنتاج الفكري اللبناني أو العالمي.

 

معايير اختيار محتوى المكتبة

يعتمد قسم تنمية المجموعات في اختيار الكتب التي ستضاف إلى مجموعة المكتبة الوطنيّة على معايير محدّدة تُقسَم إلى قسمين؛ “القسم الأول: كتب تتناول لبنان في موضوعاته، وكتب نُشرت أو طُبعت في لبنان، وأيضًا كتب من تأليف كتّاب لبنانيّين أو من أصل لبنانيّ، بأيّ لغة، وفي أيّ مكان صدرت. أما القسم الثاني، فيعتمد على كتب عن الشرق الأوسط أو أيّ بلد عربيّ تهمّ الجمهور اللبناني، وكتب لمفكّرين أو أدباء عرب وعالميّين ذوي شهرة كبيرة”، بحسب أبي رعد، وتنطبق هذه المعايير أيضًا على الوسائط الماديّة كافّة، كالدوريّات والأقراص المدمجة والكتيّبات وغيرها.

يذكر مود ستافان هاشم في دراسة له عن المكتبة تحت عنوان “المكتبة الوطنية للبنان بين تقلّبات التاريخ واللامبالاة من البعض”، أنَّ المكتبة ضمَّت منذ نشأتها مجموعة لا تقدر بثمن لتاريخ المنطقة العربية والتركية والفارسية والأرمينية والسورية… وذلك من باب الانفتاح على العالم وتطوير مفاهيم الحداثة والتقدمية. ويلفت هاشم إلى أنَّ إعادة افتتاح المكتبة تهدف إلى ترميم الهوية التي دمَّرتها الحرب الأهلية وشرذمتها، وهي فرصة للتصالح مع مجتمع لبناني تعدّدي وتوحيد الثقافة المتنازع عليها. ويقول إنه لطالما عمل كثيرون على الدفاع عن مشروع المكتبة الوطنية اللبنانية ودعمه، ولا سيما المثقفون الذين يحبون الكتب، على عكس الإدارة السياسيّة التي لا حول لها ولا قوة.

ويظهر جرد مئات المجموعات المعروضة أنَّ المجموعة قبل العام 1975 كان أكثر من 50% منها من الكتب الأجنبية. من هنا ولدت أهمية التعاون مع المكتبات حول العالم لتبادل المخطوطات والوثائق، إضافةً إلى السعي المستمر لحشد المجموعات من جميع الدول العربية.

ويؤكّد هاشم أهمية إحياء مؤسَّسة تمثل الهُوية الثقافية اللبنانية في تنوعها، وتشكّل مكانًا للذاكرة والانفتاح والاهتمام بالأعمال المولودة في لبنان، بغية الوصول إلى ثقافات العالم، بالتوازي مع ضرورة بذل الجهد لإعادة بناء ذاكرة سنوات الحرب، التي ينبغي توثيقها قبل فقدان ذاكرتها، من خلال جمع الكتب والوثائق المتعلقة بتلك الحقبة.

 

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: بيت الهويات المتعددة وخزّان لذاكرة الحرب

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

*غفران مصطفى: منتجة برامج في تلفزيون الميادين. حائزة على شهادة ماجستير في علوم الإعلام والتواصل من الجامعة اللبنانيّة في بيروت. نشرت عددًا من المقالات الأدبية والاجتماعية في جريدتي السفير والأخبار.

للتواصل عبر الإيميل:  ghofran.moustafa@gmail.com

أرشيفو  12 بصيغة PDF

اقرأ أيضًا: 

 

 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>