التأريخ بالصّور: الشّوير وبيروت مثالًا

التأريخ بالصّور: الشّوير وبيروت مثالًا

*عبد الرحمن جاسم

لا شيء أصعب من التأريخ البصريّ على الورق، فالورق، حتى وإن كان “صورًا”، لا يستطيع أرشفة تاريخٍ بصري لجغرافيا كاملة. على الرغم من ذلك، يأتي جهد الباحث بدر الحاج كبيرًا في كتابيه “الشوير وتلالها: سجلٌ مصوّر” (287 صفحة) و”بيروت: ضوءٌ على ورق 1850-1915″ (170 صفحة من القطع الكبير)، الصادرين عن دار كتب، ويستحقّ المشاهدة والمتابعة.

منطقيًا، يحاول الحاج أن يقرب صورة المكانين من عيون المشاهدين/ القرّاء، ولكنه في الوقت نفسه، يقارب البعد التاريخي للمنطقتين (بيروت العاصمة اللبنانية، والشوير وتلالها)، ولو أنّه كان مباشرًا أكثر في الكتاب الأوّل، حين أشار إلى أنه “سجلٌّ مصوّر”، فيما أبقى الثاني تحت عنوانٍ جانبيّ دراميّ – ولو أنّه قارب الفكرة ذاتها – أقرب إلى الشعرية؛ “ضوء على ورق”.

الشّوير.. رسمُ التاريخ

لا ينسى الحاج، ومنذ اللحظة الأولى، أن يهدي كتاب “الشوير” لسعادة (أنطون سعادة زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي ومؤسِّسه، اغتيل في العام 1949)، لأنه كان الدافع الشخصي لاختيار البحث في تاريخ تلك المنطقة، ولكنه مع ذلك، يشير إلى أنّ السبب “العام” في تناول هذه المنطقة تحديدًا، وليس غيرها، هو “غناها” بالصور فقط لا غير. يضيف الحاج – بعد ذلك – في مقدّمة الكتاب شرحًا باللغتين العربية والإنجليزية: “لا أدَّعي مطلقًا أن هذا الملفّ المصوّر هو الكلمة الفصل في توثيق البلدة فوتوغرافيًا، لكنه بالتأكيد اللبنة الأولى في هذا المجال”، مشيرًا إلى مصادر الكتاب التي تنوّعت بين صورٍ لمصورين أجانب ومحليين ومغتربين.

يشرح الكاتب أنَّ فكرة الكتاب راودته في العام 1988: “حصلتُ على مجموعة تفوق المائة صفيحة زجاجية مصوّرة، تقدمة من السيد وليم وديع مجاعص، كان قد التقطها والده في الشوير”،  وكانت طريقة “الزجاجيات” واحدة من أكثر الطرق شهرةً في تلك الحقبة الزمنية، لكنَّ عدد الصور لم يكن كافيًا لتحويل الأمر إلى كتاب، لذلك سرعان ما بدأ حملته لجمع بطاقاتٍ بريدية قديمة عن الشوير، وذلك أيضًا لم يكن كافيًا، إلى أن أتت الفرصة عندما ظهرت مجموعة للبيع من مئات الزجاجيات المصوّرة التي التقطها المصوّر نسيب نصر خنيصر. هكذا، شكَّلت المجموعتان (مجموعة مجاعص، ومجموعة خنيصر) العمود الفقري الذي بُنيَ عليه العمل.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسيّة، يقدّم في القسم الأوّل لمحة تاريخية “مقتضبة” عن الأوضاع في البلدة في النصف الأوّل من القرن الماضي، فيتناول الفترة الممتدة من العقد الأخير للقرن التاسع عشر إلى مطلع الستينات من القرن الماضي، فيما يتحدَّث في القسم الثاني عن المصورين أنفسهم، الّذين كوّنت صورهم أرشيف البحث. أما القسم الثالث، وهو الأكبر، فيضمّ صورًا وتعليقاتٍ منهجيَّة عليها.

من الجدير بالذكر أنَّ الباحث بدر الحاج حاول بكلّ ما أوتي من قوّة، أن يشير إلى أنَّ هذا البحث هو بحد ذاته مجرد “بداية” لتأريخ المنطقة – شفهيًا وصوريًا – وفيه “نواقص”، فلفت إلى “أنَّ العديد من مسنّي القرية الذين عاشوا في النصف الأول من القرن العشرين قد توفوا. لذلك، كان من الصَّعب جدًا التعرّف إلى كثير من الوجوه وبعض الأماكن، بسبب بُعد الفترة التي تفصلنا عن تاريخ التقاط تلك الصور”.

صوريًا، يزخر الكتاب بالكثير من الصور التي قد يراها كثيرون للمرة الأولى، إذ يتناول المنطقة بأكملها جغرافيًا، بشريًا، وحتى اقتصاديًا. تزدان الصّور بالكثير من التفاصيل التي تأخذ المشاهد في رحلةٍ بصريةٍ خاصة إلى منطقة لبنانية تشبه جغرافيًا إلى حدٍ كبير المناطق الجغرافية المتقاربة في الوطن العربي (فلسطين، سوريا، لبنان)، فلا تختلف مثلًا صور الشوير عن كثير من القرى الفلسطينية (ذات الطبيعة المشابهة، كالمغار ودير القاسي وسواهما). الأمر نفسه ينسحب على صور الناس، إذ تشابهت في تلك المرحلة ثيابهم، فلباس الفقراء والطبقات العاملة (الفلاحون بدايةً) كان الشروال، فيما تزيّا رجال الطبقات المثقفة والغنية بثيابٍ أكثر “أوروبية”، كالبزات والقمصان. وقد بدا ذلك واضحًا في الصور الشخصية للأشخاص الواردين في الكتاب، وحتى في صور المصوّرين الشخصيّة.

     ولم ينسَ الحاج المناسبات الاجتماعيَّة، فيمكن مشاهدة الأعراس والحفلات والتجمعات القروية الشويرية في العديد من الصفحات. كذلك يحفل الكتاب بالعديد من المنشورات التي رافقت تلك المرحلة الزمنية، ينشرها الكاتب شارحًا طبيعتها. وإذا نظر القارئ فيها مليًا، فإنه يلاحظ طبيعة اللغة المستعملة، التي تبدو “طفولية” إلى حدٍ كبير، لبساطتها وقلة تعقيدها في بعض الأماكن. سبب ذلك ربما، أنَّها كانت تحادث طبقات بسيطة قد لا تجيد القراءة ولا تفهم النصوص المعقّدة.

في المحصّلة، الكتاب هو جهدٌ جمعيٌ كبير في كتابٌ تأريخيّ جميل، يزدان بصورٍ واضحة مطبوعة بطريقة أنيقة وجيدة، مع شرحٍ وافٍ حولها، باللغتين العربيّة والإنكليزيّة.

بيروت.. ضوء صوريّ خاصّ

يختلف هذا الكتاب عن سابقه في أن لا يمتلك ربما البعد “الحميمي” ذاته الذي امتلكه “الشوير” بالنسبة إلى الباحث الحاج. يبدو ذلك من “الرسمية” التي تطالعك منذ البدايات، فهو أكثر شبهًا بالكتاب البحثي مقارنةً بسالفه. يظهر “فهرس” الكتاب مباشرةً في صفحته الخامسة، ولا مقدّمة فيه، كما في كتاب الشوير. هذا لا يعدُّ مشكلةً بالتأكيد، ولكنه يظهر أنّ المقدمة/ الرسالة في السابق، كانت تريد أن تسبق البحث، فيما تظهر هنا رسمية البحث ومباشرته كفعلٍ رئيس.

تشي المقدمةُ في حد ذاتها بالفعل ذاته: المباشرة والدقة. تشرح أسباب نشوء الكتاب، مع تفصيلٍ لأقسامه، من دون أي “مشاعر” خاصة من الكاتب/ الباحث، وبلا أي “تفاعل” من النوع الذي وجدناه في الشوير. هذا الكلام – كما أشرنا سابقًا – ليس مشكلةً بحثية للكتاب، ولا يجعله أقلّ أهمية، كما لا يقلّل من الجهد الكبير المبذول فيه، إذ يكفي أن ننظر إلى القسم الثاني منه، وهو الذي يتضمن صورًا لفتياتٍ عاريات (من استديوهات بيروت تحديدًا، كان الهدف من صورهن التسويق وتشويق الزبائن الأجانب)، لنفهم أهمية الكتاب. وهنا، يقول الحاج: “تمثل هذه الصور نموذجًا صارخًا للرؤية الاستشراقية للمرأة في بلادنا”. ثمة نقطةٌ أخرى تثبت أهمية الكتاب، هي الخلاصة التي يصل إليها الكاتب حين يقول: “إذا أمعنا النظر الآن في هذه الصور (الملتقطة ما بين 1840 و1915)، يتبيّن لنا بشكل جازم أنَّ بيروت الأمس انتهت، ولا علاقة لها بما هي عليه اليوم. لقد تمّ تدمير النسيج العمراني المتناسق للمدينة بشكل شبه كامل بنجاح، وشُيِّدت على أنقاضه بسواعد العمال الفقراء، مدينةٌ لا علاقة لها بما كانت عليه بيروت سابقًا”. هذه الفكرة في حد ذاتها، ربما تقارب بهذا المنطق “القاسي” و”المباشر” للمرة الأولى، وتظهر بوضوح تأثير “الغربنة” كما “التمدّن” بمنطقه “المتوحش” في بلادنا.

كعادة أغلب الكتب، تتناول الفصول الأولى (وهنا الفصل الأوّل تحديدًا) تاريخ المدينة المحكيّ عنها، وهو ما يسير عليه الكتاب، إذ يتناول تاريخ المدينة منذ نشوئها بشكلها المعروف. هنا، يتعرّف القارئ إلى بيروت المدينة الأصيلة كما نشأت، لا كما يراها ويعرفها الآن. الصّور تبدو مباشرةً لمدينة قلةٌ هم من يعرفونها؛ هي أقرب إلى مرفأ منها إلى أيِّ شيءٍ آخر. من هنا ربما كانت صور مرفأ المدينة أكثر من غيرها. لا يوجد صور كثيرة لمعالم مبهرة في المدينة. برج الساعة أمام السراي الكبيرة أحد الاستثناءات. لكن هذا كله كان آخذًا بالتغير في تلك المرحلة الزمنية، إذ بدأت المدينة تتحول شيئًا فشيئًا ناحية دورها المعروف اليوم خلال عقودٍ زمنيةٍ قليلة.

في الفصل التالي، يتناول الباحث التصوير الفوتوغرافي في حدِّ ذاته، فيشرح كيفية وصوله إلى بيروت، وكيف أصبح مهمًا ومنتشرًا فيها عبر المصورين الأجانب الذين صوَّروا المدينة بكثافة (لأسبابٍ كثيرة)، وانتقل “سر المهنة” منهم إلى المصورين المحليين،كان أوّلهم المصور لويس صابونجي (1833-1931)، الذي قام بإطلاع شقيقه جورج على السرّ لاحقًا. طبعًا، ولأنَّ الكتاب ذو “توجّه”، وليس مجرد كتابٍ “صوري” لتأريخ المدينة فحسب، فإنه يتناول “الاستشراق” بأحد ملامحه الأساسية: “الاستغلال”. الأمر الذي بدا في رسومات المستشرقين الأوائل سرعان ما انتقل إلى الفوتوغرافيين، “فالمرأة العارية أو شبه العارية، كما في أعمال (ليدي) بونفيس، و(تانكراد) دوما، و(إدوار) أوبان، تعرض جسدها أو قسمًا منه لعين الغربي، من أجل إغرائه وإشباع شهواته”. طبعًا، يورد هنا واحدةً من أهم جمل الكتاب: “ليس مهمًا ما إذا كانت المرأة في تلك الصور مشرقية فعلًا أم لا، وليس مهمًا ما إذا كانت الصور قد أنتجت في بيروت أو في أوروبا”، (يشير في الكتاب إلى أنّ صور بونفيس وأوبان مثلًا، كانت لفتيات ذوات ملامح شرقية، دفع لهنّ مبالغ زهيدة لقاء وقوفهنّ أمام الكاميرا على تلك الهيئة، فيما صور دوما لا تحمل الملامح ذاتها). المهم إذًا “تسليع” المرأة الشرقية، و”بيعها” للغربيّ الَّذي سيأتي إلى هنا للبحث عن هذا “الكنز”. وقبل ذلك، سيشتري الصورة “المثيرة” لفتاةٍ من بلادٍ بعيد.

يصل الكتاب إلى الفصل الثالث المكوّن من صورٍ مأخوذةٍ للمدينة، بعضها من مجموعة فؤاد دباس “مصورون في بيروت 1840-1918” (الصادر في باريس العام 2001)، فيما الجزء الأكبر هو لمصوّرين عرب وأجانب محترفين وهواة، أرخوا المدينة مع تحديدٍ فعلي لتواريخ هذه الصور، متجنبًا هذه المرة الصور المأخوذة عن بطاقاتٍ بريدية. تأتي الصور تأريخًا لحال المدينة، تصويرًا له، ومثل الكتاب السابق، كانت مطبوعة بطريقة أنيقة وواضحة ومشروحة ومؤرخة. تظهر التصاوير المعتمدة الكثير من حياة المدينة اليومية، ومن ثياب الناس وأشكالهم، وكذلك طريقة عيشهم وسلوكهم اليومي. هنا، وعند مقارنتها بتلك الصور الموجودة في كتاب الشوير، تظهر حيواتٌ مختلفةٌ إلى حدٍ كبير، بين قرية لا يزورها أجانبٌ كثر، ومدينة تعجّ بالراحلين والقادمين؛ مدينة هي مرفأٌ قبل أيِّ شيء.

في الختام، الكتاب بحثيّ متميّز، يمتاز بالكثير من الصور التي توضح طبيعة مدينةٍ لا تشبه – كما يشير الكاتب تحديدًا – ماهية بيروت الحياتية اليوم. إنّه كتابٌ تحتاجه المكتبة العربية بشدة، وهو مع كتاب “الشوير”، يقدمان الكثير للمكتبة العربية التي تفتقد بشكلٍ كلّيّ إلى أبحاثٍ مشابهة.

__________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: التأريخ بالصّور الشّوير وبيروت مثالًا

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو 5 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>