أفريقيا في دار المصوّر.. حياة وصور

أفريقيا في دار المصوّر.. حياة وصور

ثلاثون عامًا كانت الفترة الزمنية التي تفصل رياض دمشقية عن عالم التصوير. المصوّر القادم من مجال التعليم الأكاديمي، ظلَّ يمارس لسنوات هوايته المعهودة في التقاط الصور للبلدان التي يزورها، إلى أن انقطع عنها تدريجيًا. اعتكافه طيلة تلك السنوات عن ممارسة هوايته، لم يقطعه سوى دورة تقنية للتصوير الفوتوغرافي جعلته على تماس مباشر مع الكاميرا من جديد، كانت قد نظمتها الجامعة الأميركية في بيروت مع دار “المصور”، ورحلة إلى أفريقيا كان يحلم بها مذ كان في الثامنة عشرة من عمره، اختار أن يستثمر فيها ما اكتسبه من تقنيات في هذا المجال.

كيف عاد إلى التصوير؟ الجواب جاء مقتضبًا على لسان مدير دار “المصور” رمزي حيدر: “كان الأمر بسيطًا”. شجّع حيدر، وهو مصوّر ذو باع طويل في مجال التصوير، دمشقية الأستاذ المحاضر في الجامعة الأميركية في بيروت على استئناف هوايته وتنظيم معرض لصوره. رحّب الأخير، وتولى الدار مهمة التنظيم، فكان معرض “مشاهد من أفريقيا”.

بعد عدّة رحلات سنوية إلى العديد من البلدان حول العالم، كانت كينيا وشمال تنزانيا وجهته هذه المرة في صيف العام 2017، وكانت قبائل الماساي الأفريقية، على وجه الخصوص، محور هذه الرحلة التصويرية، التي “عكست حياتهم في بيوت من الطين، وتعايشهم مع العالم الحيواني في المحميات الوطنية”، وقد “استطاع خلالها التقاط صور للحيوانات للمرة الأولى، رغم صعوبتها، ولا سيَّما في تلك البلدان”.

أربع وعشرون صورة. أربع وعشرون لقطة لحيوات السكان، لوجوههم، لضحكاتهم، لأطفالهم، لنمط معيشتهم، وثّقها دمشقية بأجمعها في قوالب تصويرية، رُفعت على جدران دار “المصور” في الحمرا – بيروت. في كلٍّ منها قصّة أراد أن يرويها للزوار والمهتمين، فما لم تُبِنِ الصورة عنه، كان دمشقية حاضرًا لتوضيحه وإضافته، ليكتمل المشهد من أفريقيا إلى لبنان.

يستقبل دار “المصور” الزوار بلوحة يظهر فيها دمشقية بين أفراد القبيلة، ترافقها نبذة عنها: “عندما دخلنا إلى قرية ماساي، وكعلامة على الضيافة، سمحوا لي أن أحمل عصا زعيم القبيلة. ولكن كان محرجًا، وبشكل واضح، محاولتي للقفز”. بشغف، يتحدَّث عن بيوت القبيلة، عن مظاهر الحياة فيها، عن تقاليدهم، وطريقة ملبسهم وسكنهم. يصف دمشقية مقاتلي الماساي بأنهم أشداء، كانوا يمنعون القوافل التي كانت تجمع العبيد الاقتراب من مناطقهم، ويقول في مديحهم: “محاربو الماساي لا يهابون شيئًا حتى إنَّ الأسود تهاب الاقتراب منهم”.

زار دمشقية موانزا في تنزانيا، وهي قرية صغيرة، يميّز بيوتها أنها أكواخ من الطين والروث الموجودة على ضفاف بحيرة فيكتوريا في تنزانيا. “وصلنا إليها عن طريق القارب، وكنا موضع ترحيب من الأطفال المتحمسين”، يقول التوصيف المرافق لإحدى الصور. من هنا، اختار أن يخصّص لهم حيزًا وافيًا من التصوير، وثَّق دمشقية من خلاله ضحكاتهم ويومياتهم وأسلوب حياتهم، فكان ثمة صور “لطفل يبتسم، لفتاة تهتم بأخيها الأصغر وهي تنظر إلى الكاميرا، لطفل يرتدي ثيابًا زاهية ينظر إلى والدته”.

وفي تنزانيا أيضًا، التقى رجالًا من قبيلة الماساي في مانياتا، وهي مجموعة من الأكواخ المبنية من الأغصان الممزوجة مع الطين الجاف والروث. مع الصورة التي التقطها لهم، يكتب دمشقية شارحًا: “تعيش هذه الأسر في هذه الأكواخ، وترسل أبناءها إلى مدارس في الهواء الطلق تحت الأشجار”.

في بعض الصور، مظاهر بسيطة لحياة بسيطة يعيشها أفراد القبيلة في بيجيتا في كينيا، وفي منطقة اروشا في تنزانيا. يتميزون بطولهم وبنيتهم القوية، يقول دمشقية: “أكاد أكون قصيرًا مقارنة بهم. يعيشون في ما يشبه القرى الصغيرة، ويعتاشون على تربية الأبقار والصيد. في كل قرية حوالى 600 بقرة. غناهم يتأتى من تربية البقر. ولحجم العائلة أيضًا دور كبير حياتهم، وهم أقوياء معتادون على الحياة مع الحيوانات”.

ولذلك، كان في المعرض جزء وافر من الصّور للحيوانات الّتي تعيش في تلك المناطق، بعضها مهدد بالانقراض، فجاءت الصّورة وثيقة لإثبات وجودها في عصرنا الحالي للأجيال القادمة. بين بحيرة حديقة مانيارا الوطنية وحديقة سيرنجيتي الوطنية وبحيرة فيكتوريا في تنزانيا، وحديقتي ناكورو وامبوسولي الوطنيتين ومحمية ماساي مارا الطبيعية في كينيا، كانت محطة التصوير لطيور الفلمنكو، للفهود، للظباء.. وأيضًا لآخر “ذكور الكركدن الأبيض الذي جِيءَ مؤخرًا من حديقة الحيوانات في تشيكيا لقضاء آخر أيامه في محمية في كينيا”. يقول دمشقية في الشرح المصاحب للصورة: “سوف تنقرض سلالة “سودان” مع موته، وهناك محاولات جادة لتلقيح واحدة من اثنتين من إناث الكركدن الأبيض الباقين على قيد الحياة من حيواناته المنوية للمحافظة على نسله”.

هكذا، حاول المعرض تسليط الضَّوء على واحدة من المجموعات العرقية القاطنة في أفريقيا، هي قبائل الماساي التي تعيش حياة متواضعة، ولم تعرف التكنولوجيا بعد، وكانت الفكرة الأساس منه، بحسب حيدر، “تعميم ثقافة الصورة، وإظهار أهميّتها في حياتنا، ودورها في أن نتعرَّف إلى ما لا نعرفه”، من خلال عدسة دمشقية، وهو “تلميذ في التّصوير، رغم كونه أستاذًا محاضرًا في الجامعة الأميركية”، ولكنّه استطاع نقل “صورة عن مكان لا نعرفه ونجهله ووثّقه للأجيال القادمة”.

ويأتي هذا المعرض الَّذي يعود ريعه لدعم “مدرسة الأخوة لتعليم اللاجئين الفلسطينيين” في مخيم برج البراجنة في بيروت، ضمن سلسلة فعاليات ومشاريع ومعارض ينظّمها دار “المصور” الذي أسّسه حيدر في العام 2010 بعد تخلّيه عن عمله كمصور صحافي، وهو ينشط فيه بالتوازي مع جمعية “مهرجان الصورة – ذاكرة”، التي شارك في تأسيسها في العام 2007.

(أرشيفو)

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: أفريقيا في دار المصوّر.. حياة وصور

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو  9 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>