الذاكرة السياسيَّة في مدوّنات علماء البحرين في القرن الثامن عشر الميلادي

الذاكرة السياسيَّة في مدوّنات علماء البحرين في القرن الثامن عشر الميلادي

*عباس المرشد

لا نبالغ في الكلام إذا ما قلنا إنَّ فترة القرنين السابع عشر والثامن عشر، تعتبر فترةً مخيفةً وغامضةً في تاريخ البحرين، فلا معلومات واضحة ومؤكّدة حول أحداثها، ولا تفاصيل متماسكة يمكن أن نجدها لتلك الأحداث، بالرغم من أهميّتها وأثرها البالغ الأهميَّة في تشكيل تاريخ البحرين وهُويتها، فقد شهدت البلاد خلال هذه الفترة أحداثًا جسامًا، لم تتوقَّف عند استبدال أنظمتها السياسية وأنماط السيطرة على دفّة الجزيرة السياسيَّة فقط، بل إنَّ هناك تحوّلات عميقة طالت البنية الاجتماعية والثقافية لمجتمع البحرين، إلا أننا نفتقد إلى معالم تلك التحولات وتفاصليها، بسبب غياب المعلومات والمدوّنات المؤرشفة للأحداث والمؤرخة للوقائع.

رغم ذلك، فإنَّ التَّدوينات السياسيَّة تكاد تنعدم، إلا قلَّة من الإشارات المبعثرة التي دوَّنها بعض رجال الدين في تلك الفترة، كشهود عيان على تلك المرحلة، لا بقصد التَّدوين المستقلّ للأحداث على طريقة التدوين التاريخي، ولكنَّها كانت أقرب إلى الخواطر والسرد المبطَّن الشارح للأحوال الشَّخصيَّة. أهميَّة تلك الإشارات أنَّها وثَّقت بعض ثغرات الحالة الاجتماعية والسياسية المعاصرة التي يشوبها الغموض والإبهام في مجريات الحياة في القرن الثامن عشر الميلادي/ الثاني عشر الهجري.

كما أنَّ تسلسل الأحداث القاسية والمريرة التي ألمَّت بجزر البحرين خلال القرن الثاني عشر من عدم استقرار سياسيّ واجتماعيّ، جعل أدب العلماء والأدباء والشعراء البحرينيين، في نثرهم وشعرهم، يُصبَغ ببثّ شعور المعاناة والمأساة التي حملتها قلوبهم، ونرى ذلك ظاهرًا في تلك النماذج الظّاهرة مما كتبه بعض هؤلاء المكلومين من العلماء والأدباء، كالشيخ سليمان الماحوزي، والمحدث الصالح عبدالله السماهيجي، والشيخ ياسين البلادي، والشيخ أحمد آل عصفور، الَّتي شهدت القرن الثاني عشر، ويظهر منها الشكوى والتألّم من الأحداث المصاحبة.

هذه النّصوص المبعثرة والضّائعة بين عناوين متباينة، كالفقه والأصول وعلم الرجال والأدب، تُعتبر بالغة الأهمية، لكونها من المصادر النّادرة التي يجب تعقّبها وجمعها وترتيبها، من أجل وضع صورة أولية للذاكرة السياسية في تلك الحقبة، وكيف صار لها أن تكون أساسًا للذاكرة السياسية المعاصرة، بل يمكن القول بكثير من الثّقة، إنَّ البُنى المعاصرة للذاكرة السياسيّة والاجتماعيّة للبحرينيين تأسَّست خلال هذه الفترة، ولا تزال تعمل بفعالية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. معنى ذلك أنّ التراث البحرينيّ استطاع أن يكون حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، وأن تكون أدبيات تلك الفترة المرجعية المركزية لتشكيل الهوية المعاصرة والذاكرة المَعيشة حاليًا.

تحاول هذه المقالة جمع النصوص السياسيَّة من مدوّنات علماء البحرين في القرن الثامن عشر، بهدف إعادة رسم المشهد السياسي وتفاصيله المجهولة، للتعرّف إلى كيفية تشكّل الذاكرة السياسية للبحرين، وكيفية انتقالها من مجالها التاريخي المجهول إلى الذاكرة السياسيّة المعاصرة.

لعنة الموارد وعهد خراب البحرين

اتّسمت فترة القرن الثامن عشر السياسيَّة بِسِمَة الاضطراب، أو ما يعرف بالسيولة السياسية، والمقصود بها حالة التغييرات السياسية السريعة وغير المتوقّعة. ونتيجة لتلك “السيولة”، أصبحت الحياة السياسية في القرن الثامن عشر متداخلة في عناصرها، ومتغيِّرة في الفاعلين السياسيين المؤثّرين فيها، وبالغة التعقيد في رسم مشاهدها بصورة منفصلة. يشير الرحالة الشهير كارستين نيبهر (نيبور) إلى هذه السيولة السياسية في حكم هذه الجزيرة، فيقول: “تراوح الكثيرون على حكم البحرين خلال السنين الأخيرة، فقد ملكها البرتغاليون، واستولى عليها منهم شيخ الأحساء، الذي سلَّمها بدوره – إجبارًا – للإيرانيين، الذين ملكوا الجزيرة تحت رئاسة الإمام قولى خان حاكم هرمز، وذلك تحت راية ملك الصفويين. وكان قد تملَّكها أمير من عمان، ولكنّه تنازل عنها للإيرانيين مقابل قدر من المال، وقد حدث ذلك خلال تدخّل الشيخ محمد بن ماجد، الَّذي كان لا يزال حاكمًا في فترة غزو الأفغان لإيران، الذي تلاه على العرش بعد موته ابنه الشيخ أحمد”.

     إجمالًا، تعرَّضت البحرين منذ مطلع القرن الثامن عشر للعديد من الهزات السياسية العميقة، التي أثَّرت في الذاكرة الجماعية للبحرينيين، وامتدَّ أثرها إلى يومنا هذا. يمكننا هنا فرز أربعة أحداث سياسيَّة رئيسيَّة عصفت بالبحرين، وتحلَّقت حولها التدوينات السياسيَّة لعماء البحرين.

      هذه الأحداث هي:

  1. هجوم العتوب على البحرين، وتخريب قراها، وقتل بعض سّكّانها في العام 1700م.
  2. هجوم العمانيين على البحرين، ومحاولة الاستيلاء عليها منذ العام 1715 وحتى العام 1717.
  3. استيلاء الهولة على حكم البحرين بعد سقوط الحكم الصفوي في إيران في العام 1724.
  4. عودة الهولة من جديد تحت عباءة حكم الدولة الإفشارية في العام 1736.

من الملاحظ في ما تمَّ جمعه من تدوينات سياسيَّة، أنها تدور حول الحدثين الأولين بدرجة رئيسيَّة، ثم تأتي التدوينات الخاصَّة بفترة حكم الهولة. وأغلب التدوينات السياسيّة الخاصَّة بهذا الحكم، متعلّقة أساسًا بفترة حكم جبارة الهولي. لقد عانى المجتمع المحليّ من حكم جبارة الهولي معاناةً كبيرةً جدًا، ذكرها كلٌّ من الشيخ يوسف العصفور والشيخ ياسين البلادي، كشهود على تلك المرحلة، وتطابقت أوصافهم تقريبًا بعبارات مليئةٍ بالحزن والغضب الداخلي والعجز عن التعبير. ونحن لا نستطيع تخيّل حجم تلك المعاناة إلا من خلال الرجوع إلى تلك العبارات الحزينة والمؤلمة التي وصفوا بها فترة حكم جبارة الهولي، وكأنّ الأمر الذي بدأ في العام 1130ه/ 1717م، لم ينتهِ، وظلَّ مستمرًا، وإن تغيَّر الوجه الخارجي بتغير الجهة المستولية على الجزيرة، من العمانيين أو الهولة.

نتيجةً لذلك، استمرَّت محنة المجتمع المحليّ والفقهاء والعلماء طوال حكم جبارة الهولي، الَّذي امتدّ حوالى 15 عامًا، وانتهى بقيام نادر شاه بعد استيلائه على عرش الحكم في إيران، ونقله العاصمة من شيراز إلى أصفهان، وإعادة سيطرته على الأراضي الإيرانية التي احتلَّها الأفغان في عهد طهماسب الثاني. وفور انتهاء نادر شاه من حروبه الداخليَّة، عمد إلى إعادة السيطرة على جزيرة البحرين، وإنهاء حكم جبارة الهولي فيها، وتعيين حاكم جديد يأتمر بقرارات العاصمة الجديدة أصفهان.

بالانتقال إلى المستوى المجتمعيّ، نجد أنَّ هذه الفترة شهدت تحولات عميقة فيما يتَّصل بأنظمة المجتمع الفقيهة والثقافية والسياسية، فخلال هذه المرحلة، تعزّز الجانب الفقهي والسياسي إلى الدرجة التي أصبحت البحرين فيها مستقلّة في إنتاجها الثقافي والديني، كما هي مستقلة بحكم ذاتي يقوم به الفقهاء. لكنه، وبعد تلك الأحداث، تراجع إلى المستويات الدنيا، ولم يعد المجتمع العلمي قادرًا على إنتاج مفاهيمه الدينية الخاصّة، فقلَّت الإنتاجات الفقهية والمدوّنات المعرفيّة، حتى أصبحت غير مشهورة بين أصحابها، وهذا ما جعل طبقة رجال الدين تتراجع في مكانتها السياسية من جهة، وتلجأ إلى ملاذات آمنة خارج البحرين من جهة ثانية.

ليس خافيًا أنَّ سبب التّدهور السّياسيّ والخراب الاجتماعيّ الذي لحق بالبحرين منذ نهاية القرن السابع عشر، كان سببه موارد البحرين الغنية آنذاك، وأنَّ هذه الموارد الطبيعية كانت، ولا تزال، تثير أطماع الغرباء في السيطرة عليها، ولو على تفتيت جسد الجزيرة السياسيّ وتخريب بنيتها الاجتماعية. فالبحرين، كما يصفها العلامة الفضلي، كانت في القرن الثامن عشر “مزرعًا يحفل بالتمر أكثر من غيره، ومرفأ للسفن التي تقطع الخليج العربي، قالعة من البصرة وعائدة إليها، ومغاصًا يُستخرج منه اللؤلؤ الطبيعي، ومصادًا يُصطاد فيه الأسماك والحيوان البحري ذو النفع، ومتجرًا للمواد الاستهلاكية وغير الاستهلاكية، وبخاصة اللؤلؤ، فقد كانت من أهم أسواقه…”.

هذا الثراء وكثرة الخيرات، كان نتيجةً للاستقرار السياسي الَّذي تمتَّعت به البحرين في القرن السابع عشر تحت النّمط الثنائي في الحكم والإدارة؛ نمط يقوم على استقلال المجتمع المحلي في إدارة شؤونه الخاصَّة وقضاياه الداخلية، مقابل الإدارة السياسية التابعة للدولة الصفوية. هذا الاستقلال الذاتي أعطى قياداته الدينية سلطة محلية واسعة، كانت قادرة على مواجهة الحكام والولاة الظلمة أو الجائرين على حقوق الناس، حيث يرد في سيرة أكثر من فقيه ديني، من بينهم العلامة السيد هاشم التوبلاني، أنه كان شديدًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشديدًا على الولاة الَّذين يتمّ تعيينهم سياسيًا، إذا ما انحرفوا عن جادة الصَّواب، وأخذوا في ظلم الناس. في المقابل، ينقل الشيخ سليمان الماحوزي مشهدًا مغايرًا يكون فيه الحاكم السّياسيّ تلميذًا نجيبًا ومطيعًا للحاكم الدينيّ أو شيخ الإسلام، كما في حالة الشيخ محمد بن ماحد بن مسعود الماحوزي، الَّذي عاصره حاكم سياسيّ معيّن من قبل الشاه الصفوي، اسمه محمد بن ماجد أيضًا. وفي كلِّ الأحوال، فقد استُبدل بالاستقرار السّياسيّ اضطراب سياسيّ عميق، لحقه خراب اجتماعيّ أعمق.

إنَّ لعنة الموارد الَّتي نتحدَّث عنها، تشير إلى أنَّ الخيرات الطبيعية، رغم أهميتها ونفعيتها، تحمل معها سمات سلبية تجعل من الاستفادة منها استفادةً محفوفةً بالمخاطر، فالموارد القديمة التي تتمثل في الاقتصاد الزراعي واقتصاد الغوص والصيد، كانت تحمل معها شبح الغزو والحرب، وبالتالي عسكرة المجتمع من جهة، وتعرضه للنهب والخراب من جهة أخرى. وبالمثل، فإنَّ الموارد الجديدة، ممثّلةً في اقتصاد النفط، تحمل معها شبح الاستبداد والاحتكار الفعّال للثروات.

مصادر الأرشفة السّياسيّة

تُعتبر نهاية القرن السابع عشر بداية التدوين السياسي والأرشفة السياسية، ولكنها لم تكن مستقلة، فذاك الأرشيف، مع أهميته واحتوائه معلومات نادرة ومهمّة، لم يُكتب بغرض الأرشفة، ووفقًا لمنهجية تاريخية محددة. وبالرجوع إلى الأرشيف التاريخيّ والسياسيّ، نجد غياب الكتب والمؤلفات المختصة بتدوين التاريخ البحريني من قبل المؤلفين والعلماء المحليين، وتَركُّز اهتمامهم على الإنتاج الفقهي والأدبي، أو تلك الإنتاجات المتصلة بالحقول العامة للثقافة الإسلامية.

ولعلَّ كتابات الشيخ سليمان البحراني تعتبر الأقدم في احتوائها معلومات سياسية وتاريخية مبعثرة في عددٍ من كتبه وأشعاره. وقد انتقل بعض تلك المعلومات، وزيادة عليها، في إجازة الشيخ عبدالله السماهيجي، إلا أنَّ مجموعة صغيرة من الأوراق كتبها الشيخ ياسين البلادي، دوَّن فيها معاناته فترة الاحتلال العماني للبحرين سنة 1717، تعتبر نواة التّدوين التّاريخيّ السّياسيّ. ثم ظهرت كتابات الشيخ يوسف البحراني في كتابه “لؤلؤة البحرين”، حيث أورد العديد من الأحداث التاريخية، وبعضها انفرد في ذكرها وأرشفتها، من قبيل هجوم العتوب على البحرين سنة 1700 لأوَّل مرة.

رغم ذلك، فإنّ الباحث التّاريخيّ لا يقف عاجزًا أمام غياب المؤلفات المختصّة والتدوينات المباشرة، إذ إنَّ هناك العديد من المصادر الَّتي يمكنه أن يوظّف الكثير مما جاء فيها لمعرفة الأحداث التاريخيّة. وفيما يخصّ التاريخ البحريني، يمكننا أن نجد التاريخ الخاصّ بالبحرين في:

التراجم والسّير والإجازات العلميّة

يُعتبر هذا الصّنف الأدبيّ من الكتابة مادّة ثريَّة ومهمَّة في رصد المجتمعات والدّول وتتبّعها، ويقوم على جمع المعلومات والآثار لمجموعة من العلماء والشخصيات النافذة والمؤثرة في وقتها. ولكن قد يترك علماء التراجم، الإشارة، من دون قصد منهم، إلى سيرة بعض العلماء غير المعروفين أو الحديث عنهم، لأسباب مختلفة. لذلك، برزت في كتب التراجم الكتابة عن علماء مشهورين أو مميّزين في إنجازاتهم، فأخذوا حظوظهم من التدوين وتوثيق أسمائهم في سجل العلماء البارزين في مختلف مستوياتهم الثقافيّة، وتفاوت إنجازاتهم، وتنوّع شهرتهم، وذيوع صيتهم. أما العلماء الأقلّ شهرة، أو هؤلاء الذين لا دراية لعالم الترجمة بحياتهم، فحظّهم أقلّ.. إما بالإشارة الموجزة غير الوافية، وإما السّكوت الكامل وعدم الذكر.

وتعطي الإجازة فرصة التعرف إلى العصر الَّذي عاشوا فيه، ومكان سماعهم للأحاديث التي يروونها وزمانها، فضلًا عن معرفة الطّبقة التي عاصروها من العلماء، إلى غير ذلك مما يمكن أن يكون مادة تاريخيَّة مهمّة. وفي الواقع، تشكّل الإجازات العلميّة حقلًا لم يُطرق بعد، رغم أنَّ كتب الإجازات مليئة بالتراجم والمعلومات التاريخية المرتبطة بها، فنجد مثلًا في إجازة الشيخ السماهيجي اهتمامًا بالغًا بعلماء المنطقة عمومًا، والبحرين خصوصًا، فقد ترجم لكلِّ من تعرَّض إليه، ذاكرًا كتبه ورسائله وبعض ما يتعلَّق به من مواقف. كما تعطينا الإجازات ثروة تاريخية يمكن توظيف معطياتها في التثبت من الحوادث التاريخية، عبر مقارنة الأحداث وتحليلها وربطها بالسياق التاريخي العام، إذ لا تقتصر معلومات الإجازات في العادة على معلومات ذات طبيعة دينية أو ثقافية وأدبية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى إعطاء الكثير من المعلومات المتعلقة بالأحداث والوقائع السياسية التي جرت أو تجري في وطن الشيخ المجِيز (المانح للإجازة)، وهذا ما نلاحظه على سبيل المثال في “لؤلؤة البحرين”، عندما تحدّث البحراني كشاهد عيان عن الأحداث الدامية الَّتي تعرَّضت لها البحرين في القرن الثامن عشر، عقب هجمات العمانيين اليعاربة.

الشِّعر والأدب

قد لا نخطئ إذا أضفنا مادة الأدب والأشعار التي نظمها أدباء البحرين كمصدر ثريّ وغنيّ بالحيثيات التاريخية، فالفضاء الشّعريّ يحمل في طياته ملامح سياسيَّة أخرى، تتمثَّل في النزعة المتكرّرة لحبِّ الوطن – البحرين في أشعار العديد من الفقهاء والأعلام. وبحسب التتبّع الأولي، فإنَّ لدينا قصائد وأبياتًا في حب الوطن تعود إلى القرن العاشر الهجري، أي قبل 500 سنة تقريبًا، وهي أبيات تعكس الانتماء الوطني لدى هؤلاء الفقهاء، مثل السيد محمد ابن أبي شبانة، والشيخ كمال الدين الرويسي، والشيخ سليمان الماحوزي، الَّذين قاموا بأرشفة ظروفهم القاسية وكتبوا عنها، ومثلها تجربة السيد عدنان سيد شبر المشعل، الذي كتب قصيدة لا تزال مخطوطة، سرد فيها تجربته مع نظام الحكم. وفي المحصلة، يمكننا القول إنَّه ليس من عادة البحرينيين كتابة الأرشيف السياسيّ، وإنَّهم عادة ما يلجأون إلى الشعر في الأرشفة السياسية أو الاجتماعية، لأنه أكثر قبولًا، ويستطيعون من خلاله أن يحفظوا جزءًا من ذاكرتهم السّياسيّة.

مقدّمات الكتب

تُعتبر هذه المقدّمات أو الخاتمات مفتاحًا مهمًا وبوابةً للكشف عن تفاصيل دقيقة جدًا لا نجدها في أيّ مصادر أخرى، فمن شأن تلك المقدّمات أن تشرح للقارئ أهداف كتابة المؤلفات وأغراضها وأسبابها، ثم لا تلبث أن تصف الأوضاع الَّتي كتب فيها ذلك الكتاب، من حيث طبيعتها السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.

وفي الواقع، فقد حفلت مقدّمات الكثير من المؤلّفات التي كتبها علماء البحرين بتوصيف بالغ الأهمية لعصرهم، مركّزين تركيزًا واضحًا على الوضع السياسيّ المتدهور. وفي بعض الأحيان، يستعرضون الأوضاع الاقتصاديَّة والثقافيَّة الَّتي عاشوها في بلدان مهجرهم الَّتي هاجروا إليها، هربًا من الانتقام السّياسيّ، وهذا ما نجده فيما يتوفّر لدينا في مقدّمات مخطوطات الشيخ ياسين البلادي والشيخ سليمان الماحوزي وآخرين قبلهم، من مثل بعض مخطوطات الشيخ عبدالله السّماهيجي.

____________________

المراجع:
1- التاجر، “عقد اللآل في تاريخ أوال”، ويقول: “استمرّ حكم الشيخ جبارة (بدأ بعد انتهاء العهد الصفوي الإيراني الذي سقط مع غزو أفغانستان لإيران في العام 1722) حتى العام 1373، (أي بعد سنة من وصول نادر شاه إلى الحكم في إيران). وذكر التاجر أنَّ نادر شاه (مؤسس حكم العائلة الإفشارية في إيران)، “أرسل عامله ميرزا تقي خان واليًا على شيراز، وأمره بانتزاع جزيرة البحرين. وكان الشيخ جبارة غائبًا عنها، وهو يومئذ في مكة المشرفة. أما نائبه في البحرين، فحين رأى نزول تقي خان بجيشه، لم يستطع أن يثبت للمقاومة، ففرَّ هاربًا بنفسه، فاستولت عساكر نادر شاه على البحرين.
2-  ديوان الشيخ حسن الدمستاني – مقدّمة الدكتور عبدالهادي الفضلي (ص 15، 16).
3- وسام السبع، الإجازة العلمية عند علماء البحرين، صحيفة الوسط البحرينية، العدد 4378، الثلاثاء 2 سبتمبر/ أيلول 2014م.

__________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: الذاكرة السياسيَّة في مدوّنات علماء البحرين

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو  6 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>