تحويطة النهر.. قريةٌ في شبه جزيرة

تحويطة النهر.. قريةٌ في شبه جزيرة

*تغريد الزناتي

تقع منطقة تحويطة النّهر عند مدخل مدينة بيروت، وتُعتبر مفتاحًا لجبل لبنان. منذ بدء تكوينها، شكَّلت المنطقة صلة وصلٍ بين مناطق الشمال والجنوب وبيروت، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى موقعها الجغرافي المميز عند مدخل العاصمة، إضافةً إلى تواجد محطّة توقّف وانطلاق للقطار فيها.

تقع منطقة تحويطة النهر إلى جانب منطقة فرن الشباك في بيروت، وهي تشبهها من حيث الهندسة المعمارية والأجواء السكنيّة، إلّا أن قصَّتها تختلف، وفيها من المميّزات الكثير مما “يُفَردِنُها”.

“قطار السكّة” مرّ من هنا

تبلغ مساحة منطقة تحويطة النهر مليونًا وخمسين ألف متر مربّع (دليل المناطق العقارية، إدارة الإحصاء المركزي، 1998)، وكان ملاكها الأصليون من أمراء آل لمع وآل شهاب. ومع مرور الوقت، انتقلت الملكيَّة إلى وقف أبرشية بيروت المارونية ووقف مار نوهرا وغيرها من الأوقاف، وقام بعض الميسورين، أمثال آل تابت وآل العازوري وآل سحاب وغيرهم، بشراء الأملاك في المنطقة، كما أنَّ بعضًا من الملّاك القُدامى باعوا عقاراتهم خلال فترات الحرب والعوز والضيق، وهكذا بدأت الأراضي والعقارات تنتقل بين الناس، وتنوّع السكّان في المنطقة.

تفصل المنطقة بين فرن الشباك ونهر بيروت. ومن خلالها، كان القطار، أو “قطار السكة”، كما يحلو للسكان تسميته، يمرّ سابقًا. وعند هذه الأزقة، كان المواطنون يهرولون – منه وإليه – للتنقّل من شمال لبنان وجنوبه وإليهما، ومن سوريا وفلسطين وإليهما.

عَرفت بيروت وسائل نقل متطوّرة في القرن الماضي، ولكنّ هذه الوسائل توقّفت عن العمل، ولم يتمّ التعويض عنها حتى اليوم. “قطار السكة” هو إحدى هذه الوسائل التي لا زال المواطنون يتحسَّرون على خسارتها إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، ومنهم من يحلم بعودته، لما يوفّره من جهد في التنقّل والمواصلات، ولما فيه من توفير للوقت أيضًا.

معالم من الزمن الجميل

عرفت تحويطة النهر اكتفاءً ذاتيًا. مكانتها الجغرافية أمّنت لها أرضًا زراعية خصبة. ما إن تنبّه بعض اللبنانيين إلى هذا الأمر، حتى انتقلوا إليها ليعتاشوا من المورد الأول فيها (الزراعي في حينها)، متّخذين من محيط نهر بيروت أساسًا لقيام المواسم الزراعية. بعدها، استقرّ بعضهم فيها، واستثمروا ثروة حيوانيّة كانوا يخصّصون لها الطابق الأرضي من منزلهم مسكنًا، وقاموا بهندستها بشكل موحّد يحاكي أسلوب عيشهم. والجدير بالذكر أنّ المنطقة هنا عرفت أساليب حكم متعدّدة، من بينها الحكم الإقطاعي (في القرنين السابع عشر والثامن عشر)؛ الحكم الذي كان يعتمد أساسًا على الاقتصاد الزراعي.

تنقسم المنطقة إلى أحياء خمسة: حيّ المنتزه، حي السموط، حي المسلخ، حي ناضر، وحي البلحة. بالشكل، المنطقة أشبه بشبه جزيرة، يحيطها نهر بيروت من ثلاثة جوانب. ومن هنا كانت تسميتها التي تعود في الاشتقاق إلى فعل “أحاط”، أي طوّق الشيء. وهكذا، طوَّقها نهر بيروت من الجهة الشمالية فالشّرقية، وصولًا إلى الجهة الجنوبية الشرقية.

تتوزَّع البيوت القديمة هنا، كما لو أنها لم تغادر ثمانينيات القرن الماضي مطلقًا. متوسّطة الحجم، وتحافظ على رونقها “الأنتيك”، بشبابيك خشبية وأبواب مرمّمة على صورتها الأصلية، مشكّلةً تجسيدًا صريحًا لهوية المنطقة، ما يفتح باب السؤال عن الماضي الذي عايشته، في محاولةٍ لرسم إطار تاريخيّ يطلق المتجوّل فيه خياله.

تتبع منطقة تحويطة النهر لبلدية فرن الشباك التي تُعنى بالمناطق الثلاث: فرن الشباك – تحويطة النهر – عين الرمانة. تأسف إدارة البلدية لعدم توافر صور قديمة للمنطقة، وتأمل أن تستطيع المؤسَّسات الخاصَّة القيام بمجهود لتأمين مواد مصوّرة تظهر ما كانت عليه المنطقة سابقًا. من ناحية أخرى، تسعى البلدية إلى توفير الموارد اللازمة لحماية العقارات القديمة من الزوال، كما تضيء على جمالية هذه “المعالم”، وخصوصًا مع التطور العمراني وتشابه الأبنية الحديثة التي انحرفت عن الابتكار وأضحت نُسخًا مُكرّرة.

حكايا الناس

إلياس كرم، 75 سنة، من أقدم سكان منطقة تحويطة النهر. طويل القامة ومتّزن، بشوش ومتأصّل، لم يغادر المنطقة قَط. يسكن كرم في منزل عمره أكثر من مئة عام، سكنه أهله سابقًا، وانتقل إليه بعد وفاتهما. وبين الفترتين، سكن منزلًا مجاورًا مكوّنًا فيه أسرته الصغيرة. المنزل أشبه ببيوت الضيعة. تصل إلى مدخله عبر درج صغير من بضع خطوات. ما إن تقطعها حتى تصبح في حديقة صغيرة فيها بضع أشجار مثمرة من الحمضيات وخمّ دجاج فيه دجاجات خمسٌ وديك.

تُرسل لك الشجرات نسمات منعشة، وتتمايل نحوك بظلّها فتنسيك همّ المدن. استضافنا إلياس كرم أمام شرفة المنزل التي تزيّنها تماثيل للسيدة مريم العذراء وإبريق فخار وكنبة قديمة. رائحة الحامض تفوح من الحديقة! كنا قد صادفنا السيد إلياس أمام منزله خلال قطافه الحامض في موسمه، والرائحة الزكية تنبعث من المكان..

ذكريات كرم كثيرة هنا. يحكي قصته في هذا المنزل عندما كان يافعًا، ويخبرنا عن تغيّرات في الديكور: هنا كانت “أوضة القعدة”، أي غرفة الجلوس، ولكنها أصبحت غرفةً للنوم الآن، كما أعدنا طلاء جدران المنزل، لكنها ليست سوى تفاصيل في مقابل “ما نذكره في العقل والقلب، وهي الأشياء التي لا تتغيّر”.

بالنسبة إلى إلياس كرم، فإنَّ نعمة وجود عقارات قديمة هي مسألة يجب أن تحظى باحترام وعناية كبيرين. هو اليوم مسؤول عن منزلين عتيقين (منزل والديه ومنزله)، ولا ينوي التخلّي عن أيٍّ منهما، بل يحثّ من حوله من جيران على الأمر نفسه.

المنازل هذه ليست مجرد عقارات، بل هي روح المنطقة وهُويتها، وحماية هذه المعالم هي حماية للإرث الثقافي والهندسي والعمراني اللبناني.

جوزف نوهرا هو مختار عتيق في محلَّة تحويطة النهر. أصدر كتابًا يحمل عنوان “بلدتي”، يتحدث فيه بالتفاصيل عن المنطقة كلها: تاريخها، عاداتها وتقاليدها، الحروب، الحركة التجارية، المجتمع، والدين… وهي في الأغلب أمور مرّ عليها الزمن وتغيَّرت.

يعاني نوهرا حاليًا آثار تقدّم السن، الأمر الذي يحول دون لقائه أناسًا كثيرين من “المعجبين”، أو القيام بجهد متواصل. أما في كتابه، فلا شكّ في أنه قام بجهد لجمع المعلومات وتوثيق مراحل المنطقة بأوجهها المتعدّدة. يكتب جوزف نوهرا في “بلدتي” عن تقاليد زالت، أهمها حظر تشابك الأيدي في الأماكن العامَّة بين النساء والرجال، وتغطية شعر المرأة بمنديل فولكلوري مزركش، وارتداء الرجال القمباز والشروال ومشلحًا حريريًا.. أما الأعراس، فغالبًا ما كانت مُدبّرة، أي يختار أهل الرجل زوجة من الأقارب. ومن تقاليد حفل الزفاف، أن تلبس العروس “طنطورًا”، و”تضرب” عجينة فوق مدخل الدار للحظّ الجيدّ والزواج السعيد.

أما في العادات، فيُعدّد المختار حسن الضيافة، حبّ القريب، قبول الغريب، الكرم، الصدق، والاستقامة، ويعتبرها من أبرز العادات التي يتميّز بها سكان المنطقة. وفي عادات الضيافة، فإن “الملبّس” يكون حاضرًا دومًا، وهو عبارة عن حبة لوز مغطاة بالشوكولا والسكر الملوّن، إضافةً إلى القضامة والصنوبر والتين المجفّف وراحة الحلقوم.

من القرية إلى العاصمة

ثقوب صغيرة في جدران الأبنية التي لم تخضع للتجميل، لتتركَ ذكريات الحرب في جنبات المنطقة، تدلّنا على أحداث كثيرة مرّت هنا. حكايا لم يخبرنا بها إلياس كرم ولم يذكرها المختار جوزف نوهرا في كتابه الجميل. ذكريات يتقصَّد الناس نسيانها، في محاولة لطمس الأيام السوداء خلف روحهم الجميلة.

في تحويطة النهر، قرية صغيرة مخبّأة داخل صندوق كبير اسمه بيروت. في القرية هذه، زرنا منزل إلياس كرم كمن يزور بيت جدّه في أحد الأرياف الجبلية، واستذاق من زرع يده الثمر، وتنزّه بين الدواجن كطفل يكتشف الطبيعة بأبسط أشكالها.

في الطريق لمغادرة تحويطة النهر، أوتستراد وجسر ولافتة ضخمة تدلّك على اتجاه “سوق فرن الشباك التجاري”، الذي كان يُعرف بـ”بندر فرن الشباك”، وكان يضمّ خمسة دكاكين وثلاث تخاشيب. بعد تحويطة النّهر، زحمة وباعة ومبانٍ ضخمة كمن خرج لتوّه من منتجع للاستجمام نحو العالم الحقيقي الكبير.

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: تحويطة النهر.. قريةٌ في شبه جزيرة

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

*تغريد الزناتي: حائزة على ماجستير في الإدارة والمعلومات، وتعمل في قسم أرشيف جريدة الأخبار اللبنانية منذ العام 2013.

للتواصل عبر الإيميل: taghridzinaty@hotmail.com

أرشيفو  10 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>