الأرشيف الذي لا شفاء منه

“حتى لو كانت لدينا مشاعر سيئة تجاه ماضينا، وكانت تسبب لنا شعورًا بالاغتراب، غير أن هذا الماضي ينتمي إلى تاريخنا. مقاييسه مُخَزّنة في ذاكرتنا، ولا يمكن إجراء تقييمات أساسية للمستقبل من دون مراجعة أرشيف ذاكرتنا”.

الرسام البلجيكي Erik Pevernagie

 

الإنسان مجموع تجاربه، هو الكائن الوحيد الذي لديه أرشيف، وأرشيفه يتكون من مجموع تجاربه الشخصية التي عاشها بنفسه أو عاشها نوعه الإنساني؛ تجاربه المرة والحلوة والناجحة والفاشلة، فالأرشيف ليس أمجاد الماضي، وليس سيرة تعظيم للذات الشخصية أو الجماعية، بل هو سجل نشاطنا وكسلنا وعلمنا وجهلنا وإخفاقنا وإنجازنا وحكمتنا وحماقتنا.

أولئك الذين يحرقون الأرشيف لا يتخلصون منه ولا يخلصون الأجيال القادمة منه، هل يتخلص المريض من علته حين يحرق سجله الطبي؟ هل يُشفى المريض حين يعدم وثائق حالته الصحية أو وثائق تاريخ عائلته الصحي؟

إن ما يفعله هذا المريض، أو ما تفعله السلطة حين تتخلص من جزء من ماضيها، يزعجها أو يحرجها، إنما هو ترك فجوة تاريخية تعوق فهم الذات وحالتها، فتعطل بناء مستقبلها والتصالح مع حاضرها.

ماذا سيحدث لو أحرقت ألمانيا أرشيف تاريخها النازي ولم تواجهه! لو أنكرت أميركا إبادتها للهنود الحمر وتاريخ استعبادها للسود وتمييزهم! لو تنكرت جنوب أفريقيا لتاريخها العنصري! لو أحرق لبنان وثائق الحرب الأهلية!

تستحق وثائق التعذيب والسجن والسرقة والفساد والتمييز والفصل والخيانة والقتل، أن تؤرشف، وتوضع في ملفات تاريخ حالتنا المرضية، فالدول والأمم تمرض، وتحتاج إلى أن تحتفظ بسجل لحالتها المرضية، كما يحتاج الأفراد إلى ذلك.

تسبب الفجوات التاريخية لذواتنا الجماعية اغتراباً وتجعل حالتنا أكثرا تعقيداً، الأمر الذي يجعل ذاكرتنا مريضة ومُخرّقة وتفتقد إلى الشجاعة والثقة، لأنها ستظل تشعر أنها مهددة بعار التاريخ والأرشيف.

تجريد الإنسان من ذاكرته الجماعية أو تغييب أجزاء منها، لا ينجيه من آثار الماضي، ولا يحميه من ضغط الحاضر، ولا يقيه من عواقب المستقبل، بل يوقعه في الاغتراب الذي هو إنسان بلا ذاكرة أو روح أو قيمة.

إننا نوثق ونؤرشف لنواجه الإنكار الذي هو سلاح التهرب من المواجهة.

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: الأرشيف الذي لا شفاء منه

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو  10 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>