أول بعثة بحرينية للجامعة الأميركية

أول بعثة بحرينية للجامعة الأميركية

*علي السلاطنة

تشكّل التّقارير السّنويّة لحكومة البحرين مصدرًا مهمًّا من مصادر تاريخ البحرين. وتحتوي هذه التقارير ملخّصًا للإيرادات والمصروفات والميزانيّة السنويّة، إضافةً إلى معلومات عن مختلف نواحي الحياة، كالقضاء والتعليم والزراعة والشّؤون الصحّية والبلديات والشرطة والجمارك والتجارة، فضلًا عن أبرز الأحداث التي شهدتها السّنة. وفي العام 1987م، قامت جامعة كامبردج البريطانية العريقة بنشر هذه التقارير في مجموعة أرشيفيّة مكوّنة من ثمانية مجلّدات، تحت عنوان «Bahrain government Annual Reports 1924-1970».

وللتقارير الحكوميَّة السنويَّة بين عامي 1926-1956م، أهميَّة خاصّة تكتسبها من كاتب التقارير في هذه الفترة، وهو مستشار حكومة البحرين، تشارلز بلجريف، الَّذي كان يسيطر على مفاصل الحياة كافة في البحرين طوال 30 عامًا، فقد «جاء في بداية الأمر لينظّم مداخيل الدولة، فأصبح، تدريجيًا، رئيسًا لقوة الشّرطة، وعضوًا في المحكمة المشتركة، ومراقبًا عامًا للتّعليم وغيره من إدارات الدَّولة» (1)، وهو كما وصفه الرحالة رودريك أوين الذي زار البحرين أثناء حركة هيئة الاتحاد الوطني في منتصف الخمسينات: «كان باستطاعته القبض على أيّ شخص، باعتباره رئيسًا لسلك البوليس، ومحاكمته في المحاكم القضائية باعتباره رئيس سلك القضاء، وإصدار الحكم عليه والنظر في طلب الاستئناف المقدّم منه ضد الحكم، باعتباره رئيس محكمة الاستئناف» (2). ولا تخلو هذه التقارير من مشاعر بلجريف وآرائه الّتي تعكس شخصيّته السلطويّة، وهذا ما سيتّضح من خلال هذه القراءة الموجزة للفصل الخاصّ بالتعليم من تقرير حكومة البحرين السنوي للعام 1349ه (1930-1931م).

يعرض هذا المقال ثلاث أفكار؛ الأولى تحليل فقرة تتناول ظروف التّعليم ومبرّرات تعيين فائق أدهم ناظرًا للتعليم من قبل بلجريف، والثانية تحليل فقرة تتطرق إلى موقف بلجريف من البعثة الجامعية الأولى العام 1928م، والثالثة استعراض مواقف بعض المثقّفين الوطنيين من تعيين فائق أدهم ناظرًا للتعليم.

أوضاع التَّعليم وظروف تعيين فائق أدهم
شكّلت الأفكار القوميَّة المتداولة في مدارس البحرين بالنّسبة إلى الإنجليز أفكارًا مسمومة. وفي هذا الإطار، حذَّر الوكيلُ السّياسيّ حاكمَ البحرين الشيخ حمد بن عيسى بن علي (حكم من 1923 إلى 1942م)، من مهاجمة المدرّسين العرب للحكومة، وتأثّر التلاميذ بمدرّسيهم في هذا الأمر(3)، وخصوصًا أنَّ التّعليم النّظامي في البحرين كان أهليًّا، وليس حكوميًّا، حيث كان هناك مجلسان أهليّان يديران المدارس، واحد للسنّة، وواحد للشّيعة، إلا أنّ السّلطات حاولت فرض الوصاية على التعليم منذ بداياته، وهذا ما أدّى إلى فصل أوّل مدير لمدرسة الهداية الخليفيّة حافظ وهبة وترحيله.

بعد وصول بلجريف إلى البحرين، وتولّيه منصب «المستشار المالي لحكومة البحرين»، بدأ يوسّع سلطاته بالتدريج، ووضع عينه على التعليم، وتدخّل فيه من خلال تعيين اللّبناني فائق أدهم ناظرًا للمدارس، وكان هذا التدخّل تحت ذريعة الفساد الّذي كان يحيط بالعمليّة التعليميّة. يتّضح ذلك من خلال تقرير الحكومة للعام 1349هـ (1930-1931م)، ومما جاء فيه: «أغلب المدرّسين تمّ تعيينهم من قبل مدير مدرسة المحرق(4) الّذي قدّم عددًا من معارفه الشّخصيّين. عضو آخر في المجلس، وهو ابن سيئ السمعة الشيخ عبد الوهاب الزياني(5)، جهَّز عددًا كبيرًا من المدرّسين من معارفه الشّخصيّين. وصلت المحسوبيّة إلى درجة غير طبيعيّة، والرواتب لم تكن تعطى بحسب كفاءة المدرّسين، بل بحسب صداقتهم مع المدير وواحد أو اثنين من أعضاء المجلس. ليس من المستغرب أن يكون مستوى التعليم منخفضًا، وأن يكون الأولاد الّذين درسوا في المدرسة عدة سنوات، عاجزين عن القيام بأبسط الأعمال في أيّ مكتب من مكاتب الحكومة»(6).

وهنا، تستوقفنا عدة ملاحظات أمام هذا النّصّ:

أوّلًا: في هذا النصّ اتهام صريح لمدير مدرسة المحرق (الهداية) بالفساد، لأنه قام بتعيين مدرسين من معارفه. والاتهام نفسه بالفساد والمحسوبية وجّه إلى عبد الرحمن الزياني، وإلى شخص آخر من أعضاء مجلس التعليم لم يذكر اسمه أو صفته، في حين لا يوجّه بلجريف أية انتقادات إلى رئيس المجلس الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة، أخ الحاكم، باعتباره المسؤول الأوّل عن التّعليم بحكم منصبه.

ثانيًا: وصف بلجريف الشيخ عبد الوهاب الزياني بأنه شخص سيئ السمعة، وهذا الوصف يشير إلى أن بلجريف يضع الخصومات السياسية القديمة بعين الاعتبار في تحركاته في ميدان التعليم.

ثالثًا: انتقد بلجريف تشكيل المجلس من أشخاص مختارين على أساس ثروتهم وموقعهم الاجتماعيّ وليس على أساس تعليمهم. وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ بلجريف لا يخفي إعجابه بشخصيَّة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة ــ ذي التّعليم البدائي والذكاء الخارق، كما يصفه بلجريف نفسه(7) ـــ فمن الواضح أنه تولّى منصبه بحكم مكانته الاجتماعيّة، بالتالي، فإنّ بلجريف لا يوجّه أيّ انتقادات لتعيين شخص ذي تعليم بدائي على رأس مؤسّسة تعليميّة!

رابعًا: أرجع بلجريف تردّي مستوى الدراسة إلى الفساد الَّذي يحيط بالمشروع، والَّذي تسبّب فيه المدير وبعض أعضاء المجلس، إلا أنه لم يحمّل رئيس المجلس عبدالله بن عيسى آل خليفة أية مسؤوليّة عن تفشّي الفساد في المدارس، وهو مسؤول عن ذلك بحكم منصبه.

في مذكّراته، حمل بلجريف على الطّلبة، واتّهمهم بأنهم لا يسعون إلى اكتساب المعرفة، وصرح بأنه لم ير خلال ثلاثين عامًا من عمله في البحرين، إلا اثنين أو ثلاثة من الطلبة الراغبين في اكتساب العلم والمعرفة، واعتبر التعليم بمثابة الألم المستديم في الرقبة، ودائمًا ما كان يتساءل عن جدواه[8]، وهذا يعني أنّ بلجريف يرى أنّ هناك خللًا في العملية نفسها، وخصوصًا أنه يتحدّث هنا عن التّعليم بشكل عام، بما فيه الفترة اللاحقة، التي تسلّمت فيها الحكومة إدارة التعليم بعد سنوات الإدارة الأهليّة، إلا إذا كان بلجريف يتهم نفسه أو الحكومة بالفساد والتّسبّب في استمرار ضعف مخرجات التّعليم.

من ناحية ثانية، نرى أنَّ بلجريف اختار الطالب راشد الزياني للعمل في مكتبه(9)، وهذا الطالب هو ابن عبد الرحمن الزياني وتلميذ عثمان الحوراني، اللّذين اتهمهما بالفساد، كما أنه حفيد عبد الوهاب الزياني السيئ الصيت، بحسب وصف بلجريف، وهذا تناقض آخر مع ما أثبته بلجريف في تقريره، وخصوصًا أنه يذكر أنّ الطلاب لا يستطيعون القيام بأبسط الأعمال في أيّ مكتب من مكاتب الحكومة!

خامسًا: فيما يتعلّق بالمحسوبيّة في تعيين الأقارب والأصدقاء، فهذا حقّ أريد به باطل، فهذه العلاقات كانت طبيعية في ضوء ضعف وسائل الاتصال آنذاك، وهنا نلاحظ عدة نماذج في هذا المجال، فالقسّ زويمر يشترك مع زوجته في إدارة مدرسة الإرساليّة، والشيخ عبد الوهاب الزياني وابنه عبد الرحمن كانا في إدارة مشروع التعليم في بداياته، وكذلك الشيخ حمد بن عيسى بن علي حاكم البلاد(10)، وأخوه الشيخ عبدالله، وابن عمهم الشيخ إبراهيم بن محمد، كانوا أعضاء في إدارة مشروع التّعليم، وبلجريف نفسه يعمل في الحكومة مع زوجته وابنه جيمس (حمد)، وعندما أحيل إلى التقاعد، بقي ابنه يعمل مع الحكومة(11)، فهذه العلاقات كانت طبيعيّة، ولا بدّ منها، وكذلك هو الحال مع فائق أدهم الّذي عيّن ناظرًا للتّعليم ـــ في هذه الظّروف ولهذه الأسباب أو الذرائع ــــ كما عيّنت زوجته سنيّة أدهم مديرةً لمدرسة المنامة للبنات.

بلجريف وأوَّل بعثة جامعيَّة في تاريخ البحرين

بعد ثماني سنوات من بداية التّعليم النّظامي في البحرين، برزت فكرة إرسال بعثة من الطلاب المتميّزين دراسيًا لاستكمال دراستهم في الخارج، وقد كانت وجهتهم هي الجامعة الأميركيّة في بيروت، وتم اختيار الطلاب من قبل مدير مدرسة المحرق عثمان الحوراني، وتكوّنت البعثة من كلّ من:

عبدالله بن ابراهيم آل خليفة.
خليفة بن محمد آل خليفة.
حمد بن عبدالله آل خليفة.
محمد بن الشيخ قاسم المهزع.
راشد بن عبدالرحمن الزياني.
عبدالعزيز بن سعد الشملان.
عبدالرحمن بن قاسم المعاودة.
عبدالله بن محمد الباكر. (على حساب والده)(12)

وقد أفرد بلجريف لهذه البعثة فقرة في تقريره، جاء فيها:

«الطلاب السّبعة من مدارس البحرين الَّذين درسوا لمدة سنتين على نفقة الحكومة في جامعة بيروت، كانت تقاريرهم جيدة. ثلاثة منهم من أبناء الشيوخ، وقد قضوا عطلتهم الصيفيّة الفائتة في البحرين. معرفتهم باللغة الإنجليزيّة بدا عليها التطوّر بشكل ملحوظ. بدون شكّ، فإنّ نجاح هذه التجربة سوف يكون ملحوظًا عندما يرجع الأولاد في نهاية الفصل الحالي. أربعة منهم سوف يعيّنون في المدارس كمديرين.
تكلفة هذه التّجربة كانت عالية، وعلى الرغم من أنّ العديد من هؤلاء الطلاب أبناء عوائل غنيّة، فإنّ الحكومة دفعت كلّ شيء لهم. تم اختيار الطلاب في وقت إجازتي. وفي رأيي، فإن اختيار اثنين أو ثلاثة منهم لم يكن موفقًا. لقد كانوا أبناء أشخاص معروفين بإيذائهم وعدائهم للحكومة، وقد تم اختيارهم من قبل أحد المديريْن اللذيْن تم فصلهما. وفي أثناء الإضراب، أرسل أربعة منهم إلى المديرين برقية تعاطف وتأييد. من المأمول أن لا يشير ذلك إلى سلوكهم المستقبلي»(13).

وهنا تستوقفنا عدة ملاحظات في هذا النصّ:

أولًا: إنَّ تقارير الطلاب كانت جيّدة، وهذا يخالف ما ذكره بلجريف في أوّل تقريره، من أنَّ طلاب المدارس لا يحسنون عمل شيء بسيط في مكاتب الحكومة. كما أنّه ذكر أن اختيارهم كان موفّقًا، وكانوا جديرين بهذه البعثة.

ثانيًا: يركّز بلجريف على تعلّم اللغة الإنجليزية، ويولي ذلك اهتمامًا خاصًا، وكأن البحرين في ذلك الوقت لا تحتاج من المعارف أي شيء غير اللغة الإنجليزية!

ثالثًا: يعتقد بلجريف أنّ هناك من لا يستحقّ أن يكون ضمن هذه البعثة، رغم أنّ تقاريرهم جيّدة، ولا يقدّم أية أسباب موضوعية لعدم استحقاقهم لها. وكلّ ما يمكن أن نفسّر به عدم الاستحقاق هو تحميل الأولاد ذنب انتمائهم إلى عائلات معادية للحكومة!

رابعًا: إضافةً إلى انتماء الطّلبة إلى عوائل معادية للحكومة، بحسب تصنيف بلجريف، فيمكن اعتبار اختيارهم دون استشارة بلجريف سببًا آخر لسعيه إلى إفشال البعثة، وخصوصًا أن الاختيار تم من قبل عثمان الحوراني؛ المدير المفصول الذي قاد إضرابًا ضد تعيين فائق أدهم ناظراً للمدارس، لأنه كان يمثل أداة بيد السّلطة للسّيطرة على التعليم.

خامسًا: يبدو أنّ ما ذكره بلجريف من أمر برقيات التعاطف الّتي أرسلها الطلاب لمساندة معلّميهم في الإضراب، هو من باب تدعيم الحجّة بأن هؤلاء الطلبة سيسبّبون متاعب للحكومة، وبالتالي لا بدّ من إيقاف البعثة.
بقي أن نشير إلى أنَّ البحرين توقّفت عن إرسال البعثات الطلابية إلى الجامعات حتى العام 1945م، حيث أُرسِل 16 طالبًا إلى مصر. ومن المضحك المبكي أنَّ بعثة 1945م، قد أوقفت بسبب تأثر الطلاب بالأوضاع السياسية في مصر، ومشاركتهم في التظاهرات، واعتناق بعضهم لأفكار سياسيّة دينيّة (ربما يكون المقصود هو فكر الإخوان المسلمين)، إضافةً إلى فشل البعض دراسيًا ورسوبهم! وهنا، يحقّ لنا أن نتساءل عن معايير اختيار الطلاب المبتعثين، وخصوصًا أنّ بلجريف قد انتقد معايير اختيار طلاب بعثة 1928م(14).

موقف المثقّفين الوطنيّين من تدخّلات بلجريف في التّعليم وتعيين فائق أدهم

1. إبراهيم العُرَيِّض: هو شاعر البحرين الكبير، ومن أعلام الأدب والثقافة العربيّة في القرن العشرين. كان يعمل مدرّسًا للغة الإنجليزية في مدرسة الهداية ـ فرع المنامة، قبل أن ينتقل للعمل مديرًا مساعدًا في المدرسة الجعفرية، إلا أنه فصل من عمله بجرة قلم من قبل ناظر التعليم فائق أدهم الذي عيّنه بلجريف، وكان سبب فصله هو خلاف أدهم مع مجلس التّعليم الجعفري، إن صحّ التعبير.

لقد كان العُرَيّض مسافرًا لنشر ديوانه الشعري الأول «الذكرى» في العام 1930م، وعندما عاد تفاجأ بفصله من العمل! فما كان منه إلا أن أسّس مدرسةً خاصّة «المدرسة الأهلية»، وبدأ يعلّم فيها بنفسه وبمساعدة من تلاميذه (المتخرجين)، بعد أن رفض وصاية فائق أدهم وبلجريف، وعبّر عن ذلك في إحدى قصائده، فقال واصفًا فائق أدهم:

جاهلٌ قام بالأمور اعتسافًا كلّفته الظّروف ما لا يطيق
يتثنى على العباد غرورًا واختيالًا إذا مشى لا يفيق
أضمر السوء للبلاد نفاقًا ما له مكره به لا يحيق
بطلت دعوى الزعامة فيه أفهل ناب أمره التحقيق
طربت روحه الشقيّة لما قام في زهرة البلاد حريق

2. عبدالرحمن بن قاسم المعاودة: هو أديب البحرين وشاعرها، وأحد أعضاء البعثة التعليميّة الأولى إلى الجامعة في بيروت، الّتي وقف ضدها بلجريف. عندما أنهيت البعثة، عُرِضَ عليه العمل في التعليم الحكوميّ، فرفض وأسَّس مدرسته الخاصّة «مدرسة الإصلاح الأهليّة»، ثم أسّس مدرسة الإرشاد. وقد قال في هجاء فائق أدهم عندما أقيل من عمله:

إلى أين اعتزمت إذًا ذهابا لتملأ ما تحلّ به خرابا
طُردت فكان طردك خير فأل يبشر للّذي بالعبّ طابا
يطيب لنا فراقك يا ابن آوى وكون مصير ما تجني يبابا
بغاة السوء ويحكم أفيقوا فإن مريده بالناس خابا
وإنّ الله يأبى أن تكونوا على حال تضيق به اكتئابا
تبيعون الضمائر بالكراسي فتجنون الكراهة والسبابا
ذهابًا عاجلًا يا وغد عنا ذهابًا لا نطيق به إيابا
فأنت نزلت بالبحرين ضيفًا ثقيلًا ما عرفت به صحابا
فكل رجالها يأبون قربًا إليك فلؤمك المشهور عابا(15)

3. عبدالعزيز الشَّملان: مناضل وطني كبير، عضو هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات، وهو من طلاب بعثة بيروت. رفض العمل في التعليم الحكوميّ واتّجه إلى التّجارة.

4. محمّد علي التاجر: العلامة المؤرخ صاحب كتاب «عقد اللآل في تاريخ أوال». أسّس مدرسة خاصة عمل فيها برفقة أخيه سلمان التاجر، وعبّر عن رأيه صراحة حين أرّخ لتاريخ المعارف في البحرين في كتابه المذكور، قائلًا: «سارت هذه المدارس بجدٍّ واجتهاد، وبدأت آثار المجهودات تظهر بمستقبل علميّ زاهر يسير دائمًا إلى الأمام، لولا ما أصابها من العثرات أخيرًا، وذلك لما قام به ذلك الرجل المتعسّف الفظّ المتغطرس، السوري المدعو إبراهيم فائق أدهم، الذي أسند إليه نظارة المعارف، وما سببه للمدارس من التقهقر والانحلال الذي كاد يقضي على تلك الأتعاب بالضّياع»(16).

ختامًا، لا بدّ من أن نشير إلى أنَّ فائق أدهم قد فصل من عمله، وتم ترحيله من البحرين برفقة زوجته، بسبب فساده، فالبعض يتّهمه بالضّلوع في قضايا اختلاس أموال المقاصف المدرسية(17)، والبعض يرجّح أنّه ارتكب أفعالًا غير أخلاقيّة(18). والحاصل أنّ بلجريف لم يذكر شيئًا عن هذا الموضوع في تقاريره الرسميّة ولا في مذكراته الشخصية السّريّة، وهذا الأمر قد يدلّ على أنّه كان خجلًا من نفسه ومن ثقته بفائق أدهم الّذي فشل في تطوير التعليم، وغادر بفضيحة تمسّ شرف هذه المهنة.

خلاصة
إنّ نزعة بلجريف إلى التحكّم، أقصت طليعة المثقّفين الوطنيّين من ميدان التعليم الرسمي، وسلّمته إلى شخص كان ينزع نحو الفساد، مثل فائق أدهم. وإنّ هذا الإجراء ساهم في تراجع التعليم بصورة عامّة، وسبّب تراجع التعليم الجامعي 20 عامًا على الأقل، فضلًا عما جلبه من مشاكل وعقد مستمرّة حتى اليوم، فبلجريف لم يكن يبحث عن تطوير التعليم بقدر ما كان يبحث عن السيطرة عليه وتقييده، وهذا واضح جدًا في مسألة حرمان الطلبة الجامعيين من إكمال دراستهم لأسباب سياسية، كما أنّ هذه العقلية السلطويّة فشلت في دمج التعليم السني والشيعي دمجًا سليمًا. ولذلك، فإنّ الاشكالات المتعلّقة بمناهج الدين والتاريخ مستمرة حتى اليوم، إضافةً إلى مشكلة معايير توزيع البعثات الدراسيّة وأسسها، والتأثير السياسي فيها، فضلًا عن الأساليب الاستبداديّة الّتي اتّبعها بلجريف في التعامل مع القضايا التربويّة.

____________________

المصادر والمراجع:
1. الخوري، فؤاد إسحق، القبيلة والدولة في البحرين، مركز أوال للدراسات والتوثيق، بيروت، 2015م، ص 159.
2. Roderic, Owen: The Golden Bubble. Collins Clear-Type Press, London,1957. p72.
3. الشاعر، سوسن والجاسم، محمد: البحرين… قصة الصراع السياسي 1904-1956م، بدون ناشر، 2000م، ص 113، 122.
4. كان مديرها عثمان الحوراني، سوري الجنسية، شارك في الثورة السورية الكبرى، وصدر بحقّه حكم بالإعدام في سوريا، وقد فرّ إلى العراق، حيث تلقّى عرضًا بالعمل في مدارس البحرين.
عبدالوهاب بن حجي الزياني، من مواليد المحرق 1863م، تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والحساب في البحرين. وفي العام 1879م، أرسله والده إلى الأحساء لطلب العلوم الشّرعيّة، ثم سافر إلى العراق في العام 1883م لاستكمال دراسته. بعد عودته إلى البحرين، اشتغل بنشر العلوم الدينية وتعليم القرآن واللغة العربية وإمامة الصلاة. وعمل في تجارة اللؤلؤ، وكان هو وولده عبدالرحمن من أعضاء هيئة التعليم الأهلية التي أسّست مدرسة الهداية العام 1919م.
في العام 1923م، شكّل مع مجموعة من ممثلي القبائل السنة «المؤتمر الوطني البحراني». وكان الغرض من هذا المؤتمر مناهضة الإصلاحات التي قام بها المعتمد البريطاني في البحرين الميجر ديلي، ونتيجة لذلك، قبض عليه وعلى رفيقه أحمد بن لاحج البوفلاسة، ونفيا إلى مومبياي ـ الهند. توفي في الهند 1925م. المحادين، عبدالحميد، خطوات باتساع الأفق، وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين، المنامة، 2010م، ص 40.
5. Bahrain Government Annual Report for 1349. p-p 138-139.
6. Ibid, p142.
7. بلجريف، تشارلز، مذكرات بلجريف، ترجمة مهدي عبدالله، دار البلاغة، بيروت، 2002م، ص 146، 147، 277.
8. الزياني، عبدالرحمن، ذكريات وتاريخ، بدون ناشر، 1994م، ص 115.
9. كان ذلك قبل توليه الحكم.
10. بلجريف، مصدر سبق ذكره، ص 388.
11. المحادين، عبدالحميد، خطوات باتساع الأفق، ص 139.
12. Bahrain Government Annual Report for 1349. p145.
13. الخليفة، مي محمد، مائة عام من التعليم النظامي في البحرين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1999م، ص 374، 375. والكلام مترجم من التقرير الحكومي للعام 1945م.
14. المحادين، مرجع سبق ذكره، ص 173، 174، 181..
15. التاجر، محمد علي، عقد اللآل في تاريخ أوال، مؤسسة الأيام للطباعة والنشر، المنامة، 1994م، ص 26.
16. المحادين، مرجع سبق ذكره، ص 180.
17. الخليفة، مرجع سبق ذكره، ص 311.

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

لتحميل المقال بصيغة PDF: أول بعثة بحرينية للجامعة الأميركية

___________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

أرشيفو 3 بصيغة PDF 

اقرأ أيضًا:

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>