كيف تجعل جدّتك مجرمة حرب؟ ابدأ حكايتك من “ثانيًا”

غنى مونس*

في محضر التّاريخ، تُسعفنا الرؤى وتنقصنا المعجزات. نقف أمام كل جانب من جوانبه متسائلين: كيف نكتبه؟! تتراءى أمامنا المدارس والنّظريات، وتختلط بها الوثائق والحكايات التي ينقلها الأبناء عن الأجداد، لتلتهمنا الحيرة في وجه ما نطالعه: أي منهج علينا اتباعه؟ وما المعايير التي يتوجّب علينا الالتزام بها في بحثنا عن الحقيقة؟ وكيف يمكننا الوصول إليها في حين تتجاذبنا أقطاب مثلث الزمان والمكان والإنسان؟

“التاريخ قطعة نرد”، هكذا يصفه الكاتب المنتمي إلى أميركا اللاتينية إدواردو غاليانو (1)، الَّذي يحكي لنا في كتبه أنَّ بناء معبد الإله آرتميس في أفسس (Ephesus) استغرق مائة وعشرين عامًا، وكاد يصبح من عجائب الدنيا لولا إزالته.

في ليلة 21 تموز / يوليو من العام 356 قبل الميلاد، قام رجل يُدعى هيروستراتوس بإحراق المعبد الضخم في محاولة لتخليد اسمه في التاريخ. تحوَّل المعبد إلى رماد في ليلة واحدة. لم يحفظ التاريخ رسمه، ولا اسم الذي أبدعه، بل خلّد اسم “هيروستراتوس” الحارق الذي هدم ذاكرة ليُخَلّد ذاته، وقد نجح في ذلك.

دخل غاليانو التاريخ من أوسع أبوابه، بحثًا عن هيروستراتوس وأشباهه. لم يتحرَّ الموضوعية، ولا اتبع منهجية محددة. شكّك وتساءل من خلال الرواية. كرّس نفسه لتشريح واقع يجده مزيفًا، وأماط اللثام عن ذاكرة مسروقة بدعاوى العولمة القادمة من أوروبا وأميركا. تحرّر من كل السّلطات من دون أن يرى في نفسه معلّمًا، فهو لا يدرّس أحدًا، بل “يحكي القصص المنسيّة التي تستحقّ أن تُروى”.

 

التأريخ والموضوعيّة

لطالما طالعتني مقولة “التاريخ يرويه المنتصرون”. وبالتّأمل في أبعادها، وجدت أنها حقيقية بعض الشيء، فالروايات التي تصلنا عن الحروب والفتوحات والصراعات والمجازر تكون مصبوغة بوجهات نظر رواتها. لذلك، من النادر أن نجد اتفاقًا على رواية واحدة لحدث ما. هناك حلقة مفقودة دائمًا في مكان ما، وإن أردنا الحقيقة مجردة من كل الصبغات والإسقاطات، علينا أن نعيد فتح ملفات تحقيق جديدة في الأحداث، لنستمع إلى الرواة ذاتهم، ونقابل رواياتهم بروايات الآخرين.

لن أغوص في إشكاليات التاريخ القديم، لصعوبة الأمر. أُدرِك جيدًا أنه لن يتمكَّن أحد من إجراء مقابلة مع الإسكندر المقدوني، أو الاستفسار عن تفاصيل فتح الأندلس على سبيل المثال، بغية مقابلة رواية الأحداث التي نتناقلها نحن العرب، برواية أخرى يُسَمى فيها المسلمون “Moros” (2)، ويُتَهمون باستعمار البلاد ونهبها، وقد أشار إلى ذلك الممثل دريد لحام في مسرحيته الشهيرة “كاسك يا وطن”: “بإسبانيا كنّا نحنا الاستعمار”.

لن يتمكَّن أحد، إلا عبر آلات السفر عبر الزمن [ما لا نشهده إلا في الروايات وأفلام الخيال العلمي] من سبر ما حصل فعلًا والتيقّن منه، لكننا حاضرون الآن، نشهد جيدًا ما يحدث أمامنا، وقادرون على محاولة التثبت منه: أقول المحاولة وليس “التثبّت” بحدّ ذاته، لأنّ هناك دائمًا وجهة نظر أخرى.

 

إن أردنا الحقيقة مجردة من كل الصبغات، علينا أن نعيد فتح ملفات تحقيق جديدة في الأحداث، لنستمع إلى الرواة ذاتهم، ونقابل رواياتهم بروايات الآخرين.

 

كيف يُكتَب التاريخ؟

مرّت البشرية بعشرين ألف عام من التّاريخ، دُوِّن برسم على جدران كهف، أو بالكتابة المسمارية، أو النقوش على جدار معبد فرعوني. تلا ذلك رسائل البردى والوثائق المخطوطة، وجاءت بعدها الكتب والصوتيات والأفلام، لكن هذه الأدوات كانت دائمًا بيد النّخبة التي احتكرت رواية التّاريخ، وفي وجهها، برز مثقفون وكتاب ومؤرّخون، لم يحظوا بالنفوذ ذاته، وحاولوا التصدي لتلك المحاولات على مدى العصور.

مع ذلك، برزت إشكاليات تناولت الطرق المختلفة لكتابة التاريخ، وكيفية تعديل الحقائق فيه أو تشويهها أو حتى طمسها، ويتجلَّى ذلك واضحًا حين نطالع البيانات السّياسية للإسرائيليين على سبيل المثال. يكفي أن يطّلع أحدنا على خطاب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حديث عن فلسطين في الأمم المتّحدة، ففي خطابه الأخير فيها يقول: “إنّ مواطني إسرائيل العرب يصوّتون في انتخاباتنا، ويخدمون في برلماننا، ويشتغلون لدى محاكمنا، ويتمتّعون بالقدر نفسه من الحقوق الفردية الممنوحة لجميع المواطنين الآخرين في إسرائيل. ولكن هنا في الأمم المتحدة تُتهم إسرائيل بشكل مخزٍ بممارسة الفصل العنصري. حاليًا، يفوق عدد الفلسطينيين عددهم في العام 1948، وهو عام إقامة دولة إسرائيل بخمسة أضعاف على الأقل. ورغم ذلك، تُتهم إسرائيل في الأمم المتحدة بشكل شنيع بممارسة التطهير العرقي”. معه، تصبح إسرائيل هي الضّحية، والفلسطينيون هم الجلادين.

للكاتب والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي وصفة تساعد على ذلك. أُصيب بالصدمة في أعقاب سماعه رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في أحد خطاباته، فعبّر عن ذلك بالقول: “رابين سلبنا كلَّ شيء، حتى روايتنا لموتنا”.

ألم البرغوثي انحفر عميقًا في ذاكرته: “ما زلت أتذكَّر كل كلمة قالها إسحاق رابين في ذلك اليوم (3): نحن الجنود العائدين من الحرب، ملطّخين بالدماء، رأينا إخواننا وأصدقاءنا يُقتَلون أمامنا، وحضرنا جنازاتهم عاجزين عن النّظر في عيون أمهاتهم. اليوم نتذكَّر كلّ واحد منهم بحبٍّ أبديّ”.

تجاوز رابين الوقاحة، بل كلّ شيء سيئ، بأشواط في خطابه، إذ احتلَّت إسرائيل، كعادتها، دور الضحية، وكان الفلسطينيون القتلة. قدّم رابين الدور الإسرائيلي على أنه تنازل لصالح الفلسطينيين حين قال إنَّ “توقيع إعلان المبادئ ليس سهلًا بالنسبة إليَّ كمحارب في جيش إسرائيل، وفي حروبها، ولا لشعب إسرائيل، ولا لليهود في الدياسبورا” (4).

من ذلك الألم العميق، خرج البرغوثي بوصفته الأمثل لكتابة التاريخ. يوضح جيدًا في سيرته الذاتية “رأيت رام الله” (5) كيفية القيام بذلك: “يمكنك طمس الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة: ابدأ حكايتك من “ثانيًا”!”.

نعم، لطمس الحقيقة، ليس فقط في ملف الصراع العربي – الإسرائيلي، بل في كل الصراعات التي انتُهِكت فيها ذاكرة الشعوب، يمكنكم بكل بساطة القيام بما قام به رابين: أهملوا “أولًا”. أَضفُوا كما “إسرائيل الضحية، على السكين الساخن الملون، وميض الصفح!”، ابدؤوا بـ”ثانيًا”، وبيّضوا سجلات انتهاكاتكم كلّها. قولوا ذلك وصوّروه “ببيان مبهر، وإن من البيان لسحرًا”.

يستفيض البرغوثي في شرح آثار “ثانيًا” في إدراك الشعوب وتشكيل ذاكرتها. بها “تصبح سهام الهنود الحمر هي المجرمة الأصلية، وبنادق البيض هي الضحية الكاملة!”، و”يصبح غضب السود على الرجل الأبيض هو الفعل الوحشي!”.

كذلك، “يصبح غاندي هو المسؤول عن مآسي البريطانيين!”، و”يصبح الفيتنامي المحروق هو الذي أساء إلى إنسانية النابالم!”، “تصبح أغاني فيكتور هارا (6) هي العار، وليس رصاص “بينوشيه” الذي حصد الآلاف في إستاد سانتياغو!”.

بـ “ثانيًا” هذه أيضًا، يصبح آرييل شارون وأمثاله ضحايا، و”ستّه لمريد” [جدّته] أم عطا، هي المجرمة، ومعها جدّاتنا جميعًا!


  الهوامش:
1 – كاتب من الأوروغواي، من أبرز الذين تناولوا تاريخ أميركا الشمالية. يوصَف كتابه “الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية: خمسة قرون من نهب القارة” بأنه “إنجيل المعذبين والمقهورين في قارة أمريكا الجنوبية”، و”إنجيل الثوار”، لأنه يساهم في إنقاذ الذاكرة المخطوفة لتلك الأرض المحتقرة والمحبوبة، كما يُحِب هو أن يسميها.
2 – يُعرَفون أيضًا بـ”Les Maures” باللغة الفرنسية. ومن بين الذين ذكروهم الكاتب الفرنسي الكبير بيير كورني في مسرحيته “السيد”.
3 – جزء من كلمة إسحاق رابين في اتفاق أوسلو. جرت المفاوضات بسرية تامة تحت رعاية النروج، ووُقِّع الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان في البيت الأبيض في 13 أيلول / سبتمبر 1993.
4 – من كلمة “Diaspora”. وتعني أساسًا الشّتات اليهودي بعد الأسر البابلي وتشتّت اليهود قديمًا.
5 – رواية للكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي صدرت في العام 1997. تعدّ سيرة ذاتية للكاتب، وتمثل رحلة العودة إلى موطنه الأصل فلسطين بعد ثلاثين عامًا، ويحكي فيها رحلة عذاب فلسطين ومعاناة أبنائها.
6 – فيكتور هارا (1932 – 1973): شاعر وموسيقار تشيلي، يعدّه التشيليون أحد رموز النضال ضد الديكتاتورية في عهد الانقلاب الدموي للجنرال أوغستو بينوشيه، الذي دبّرته المخابرات المركزية الأميركية.

*غنى مونّس: باحثة ومترجمة وأستاذة جامعية من لبنان، تعمل أيضًا في مجال الصّحافة الإلكترونية. تعدّ رسالة ماجستير في الإعلام والتواصل في الجامعة اليسوعيّة في بيروت.

للتواصل عبر الإيميل: ghina.mouaness@gmail.com


لتحميل المقال بصيغة PDF: كيف تجعل جدّتك مجرمة حرب؟

أرشيفو  12 بصيغة PDF

اقرأ أيضًا: 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>