awal

كتاب التوحش: هل الوحش سني؟

مداخلة على هامش استضافة صالون عصمت الموسوي لكتاب نصوص متوحشة

هامش على كتاب التوحش: هل الوحش سني؟

علي أحمد الديري

 

 لماذا عالجت في كتابك نصوصًا سنيّة؟ ولم تعالج نصوصًا شيعيّة؟

إنّه السّؤال الأكثر إلحاحًا عليّ من قبل القرّاء، منذ أعلنت عن صدور الكتاب، ويبدو أنّه مطروح عليّ أكثر مما هو مطروح على كتابي، وهو يحمل طابعًا شخصيًّا، أو هكذا أتلقاه، وبشكل أكثر وضوحًا، وجدت في السّؤال تهمة، وكأن من يطرح السؤال يتهمني بالطائفية في معالجة خطاب التكفير، هل تريد أن تقول: إن خطاب التكفير خطابًا سنيًّا، وأنّ الشيعة مبرؤون من ظاهرة التكفير؟

سأجيب على السّؤال في نقاط خمس:

النقطة الأولى:

انطلقت في معالجة نصوص التوحش من فرضية تقول: إنّ نص التوحش نص سياسي، وإن إنتاج هذه النصوص صار سياسة ممنهجة في الدولة السلجوقية في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا. لم أنطلق من فرضية أن نصوص التوحش هي نصوص سنية بالضرورة، أو هي نصوص عابرة للمذاهب على قدم المساواة، أو كما نقول اليوم الإرهاب لا دين له ولا مذهب له.

نحن نعرف أن السلطة السياسية العامة في الحضارة الإسلامية كانت سلطة بيد الخليفة الذي يمثل السنة ولا يمثل الشيعة، فظلّ الشيعة يمثلون المعارضة بالنسبة له. كيف واجه الخليفة معارضيه؟ الجواب هو: بإنتاج نصوص تكفرهم وتبيح قتلهم، وهذا الجواب صاغته السلطة السلجوقية صياغة منهجية محكمة عبر المدرسة النظامية وفقهائها، وقد وضع هذه السياسة الوزير (نظام الملك) واعتبر السلاجقة أنفسهم مدافعين عن السنة والإسلام وفق هذه السياسة. هذا هو المعطى التاريخي السياسي، ولا يمكن أن نقفز عليه.

النصوص بناء على الفرضية التي طرحتها تنتمي إلى هذا العالم، أي إلى العالم السني، فالسلاجقة حين جاءوا إلى بغداد استلموا الخلافة العباسية ومثلوها، واعتبروا أنفسهم مدافعين عن الإسلام الذي هو الإسلام السني، لأنه الإسلام العام الذي يمثل عموم الأمة، فالوضع التاريخي يفرض أن يكون النص المتوحش الذي كتب فقهيًّا في حضرة السياسة نصًّا ضد الخصم الذي لا ينتمي إلى هذا العالم السني أو الطائفة السنية، فالموضوع متعلق بمعطى سياسي، أي إنّه وضع سياسي تاريخي موجود وبالتالي عالجته من هذه الناحية.

الفرضية التي انطلقت منها في كتابي فرضية تذهب إلى أن النص المتوحش نص فقهي مُنْتَج سياسيًّا، والمعطى التاريخي الذي اختبرت فيه هذه الفرضية يتعلق بتجربة السلاجقة، لأنّهم قد مثلوا الخلافة العباسية السنية وما تولد عنها فيما بعد من الدولة الزنكية والدولة الأيوبية في مصر وفي القاهرة.

الخلافة أو الأمة التي تتحدث باسم المسلمين في ذلك الوقت، هي خلافة سنية يتحكم فيها السلاجقة الذين لم يكونوا يعرفون العربية ولا يجيدون غير مهارة القتال، مقابلها كان هناك الخلافة الفاطمية بالقاهرة واليمن والشام والقدس، لاتمثل هذه الخلافة عموم الأمة، وهذا ما جعل سياستهم في المواجهة تبتعد عن أدوات التكفير، ليس لديهم نصوص تكفر السني لسبب واقعي، فهم لا يمكنهم أن يكفروا عموم المسلمين، فتلك مسألة غير سياسية وغير عملية.

بحثت لدى فقيه الدولة الفاطمية وهو القاضي النعمان، في كتابه (دعائم الإسلام) وكتابه (أساس التأويل) فلم أجد نصوصًا فقهية تبيح قتل المسلمين المخالفين وذبحهم، وهذا ما وجدته لدى الغزالي وهو فقيه الدولة السلجوقية الذي كتب كتابه (فضائح الباطنية) وكتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) وفي هذين الكتابين نجد نصوصًا متوحشة مرعبة.

 النقطة الثانية:

تتعلق بانطلاقي من مشكلة حديثة، مشكلة معاصرة، وحاولت أن أضع لها إشكالية لفهمها، ألا وهي داعش وأخواتها من التنظيمات والجماعات المتطرفة التي تكفر وتقتل، وهي ظاهرة معاصرة، ومشكلة تجسّد فعل تلك النّصوص.

هذه الجماعات لديها مسميات واضحة وخطاب إعلامي واضح، وخطاب ديني يستخدم نصوصًا تنتمي من الناحية العقائدية إلى المركز، خطابها يقول: إنها تمثل السنة، وإنها تدافع عن السنة، وتنطق باسم السنة، وإنها تريد استعادة الخلافة السنية. أنا أردت أن افهم هؤلاء الذين ينطقون باسم السنة -وإن كانوا لا يمثلون السنة -أردت أن أفهم سياق النصوص التي يمتحون منها ويتأسسون عليها، فذهبت إلى هذه النصوص وفضائها السياسي. كيف لي أن أذهب إلى نصوص شيعية وهم ينطقون باسم نصوص سنية؟! ذهبت إلى نصوص ابن تيمية لأنهم ينطقون باسم هذه النصوص، وذهبت إلى نصوص الغزالي وإن كانوا لا ينطقون باسم الغزالي بصورة مباشرة، لكن النصوص التي أنتجها وصارت ثقافة فقهية عامة، هم يوظفونها وينطقون باسمها ويؤسسون عليها، مثل نصوصه التي تعتبر أن الباطنية مرتدون كفرة يجب على الخليفة قتلهم، وسبي نسائهم، وأخذ أموالهم، وإبطال عقودهم.

المشكلة المعاصرة فرضت عليّ نصوصًا معينة، فهناك نص سياسي صُنّع في السياسة وفي الفقه التراثي، وهذا النص يُولِّد اليوم ظواهر حديثة متطرفة.

خلاصة الفكرة الثانية، أنني أنطلق من مشكلة معاصرة في صياغة إشكالية كتابي (نصوص متوحشة) هي داعش وأخواتها، والإشكالية أن داعش وأخواتها هي وليدة نصوص موجودة في التراث، هذه النصوص ليست من الدين بل متولّدة من السياسية.

 النقطة الثالثة:

هي أنني لا يمكن أن أوسع دائرة البحث بحيث أعوم المشكلة المعاصرة التي أريد تفسيرها، بمعنى أنني لا يمكنني القول إن مشكلة التوحش موجودة في الأديان كلها، وفي المذاهب كلها، والطوائف كلها، ولا تخلو منها الفترات التاريخية كلها، ومن ثم فإنّ ظاهرة داعش وأخواتها ليست وحدها.

هذا النوع من التوسعة يضيع الجواب، ويريح أصحاب الظاهرة، وهو يشبه أن تسأل اليوم رئيس حكومة لبنان: ما سبب مشكلة القمامة لديكم؟ لماذا هي مكدسة في الطرقات العامة؟ فيجيبك: القمامة مشكلة عالمية، وتجد هذه المشكلة في مصر والعراق والهند وو… أو يقول لك: البلاد تعاني من أزمة سياسية ونحن لسنا نعاني من القمامة الحقيقية فقط، فهناك مشكلة القمامة السياسية والاقتصادية والدينية والأخلاقية. إنها إجابات تصلح للتهرب من السؤال، وأنا لم أشأ أن أجيب في كتابي إجابة تهربية.

لابد من تحديد دائرة البحث كي لا يضيع، فأنا لدي مشكلة معاصرة أريد معرفة جذورها، فلا يجوز أن أعوم المشكلة ضمن مشكلة كبيرة جدا، فلا أجد جوابا لها.

النقطة الرابعة:

كما قلت، السؤال يتضمن في طياته -ولو ضمنيًّا-اتهامًا طائفيًّا، بل إنّ بعضهم قالها صراحة: في معالجتك لنصوص التوحش، كأنك تقول إن التوحش مرتبط بالسنة، وإنك بهذا الكتاب (نصوص التوحش) تعود إلى ما قبل (خارج الطائفة).

حين أستعرض اشتغالاتي المعرفية، أجد أنّني في رسالة الماجستير درست كتاب ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام)، وقدمته كأحد المسهمين في علم تحليل الخطاب، وحين فكرت في المادة المعرفية التي صاغها ابن حزم، لم أكن أفكر في موقفه من الشيعة، ولم أكن أنظر إليه بوصفه عالمًا سنيًّا، بقدر ما قرأته بصفته أحد علماء التراث، لم أشعر أنني بحاجة لعمل توازن طائفي، بحيث أقدم في رسالتي ابن حزم وإلى جانبه عالمًا آخر شيعيًّا، كي أحقق توازنا طائفيا، لم أفكر في هذا أبدًا، لأن الموضوع ليس محاصصة طائفية.

وفي أطروحة الدكتوراه، حين درست مجازات (ابن عربي) بوصفه عالمًا صوفيًّا فريدًا، وفيلسوفًا صاحب تجربة روحية، لم أفكر أن آتي بمتصوف شيعي آخر، لأحقق توازنًا طائفيا، أو أبعد عن نفسي تهمة الانتقاء الطائفي.

حين أختار موضوعي أو بحثي، أحدد مجال الموضوع ونصوصه دون الاستناد إلى قاعدة المحاصصات الطائفية، ما يحدد نصوص الموضوع هي المعرفة، ففي بحثي عن نصوص التوحش حدد موضوعي أبعاد معرفية شرحتها في النقاط السابقة.

 النقطة الخامسة:

هناك نوعان من التكفير كما يقول ابن تيمية، التكفير المطلق والتكفير المعين، الأول تكون فيه فكرتك أو اعتقادك كافرًا، لكنك لست بكافر لأنك لا تقصد أن تقع في الكفر. وفي التكفير المعين، يحكم عليك شخصيا بالكفر، يثبت عليك الكفر وتطبق عليك أحكامه، كما حدث مثلاً مع المفكر (نصر حامد أبو زيد) ومن قبله مع المتصوف (الحلاج) ومع الفيلسوف (السهرودي).

درست في كتابي التكفير المعين، أي التكفير الذي يقود إلى اعتبار الجماعة مرتدين ويجب قتلهم، كما هو الأمر مع الغزالي الذي قال بردّة الفاطميين، وإنّ على الخليفة قتلهم وقتل نسائهم، وكما هو الأمر مع ابن تيمية الذي قال شيعة (كسروان) مرتدون وكتب فيهم رسالة فقهية قادت إلى تشريع ذبحهم وتهجيرهم.

هناك نصوص تكفيرية عند الشيعة، بمعنى التكفير المطلق، مثلا قولهم: من لا يؤمن بكذا فهو كافر، ولكن هذا التكفير لا يترتب عليه تقتيل، أي لا يوجب تقتيلا. التكفير عند الشيعة مجرد تكفير عقائدي، متعلق بالمماحكات العقائدية، وبالحقيقة حاولت أن أبحث عن نصوص تكفيرية تقتيلية في المذهب الشيعي، فلم أجد، لكنّني لا أنفي ذلك بالمطلق، وإذا كان هناك باحث يستطيع أن يجد ذلك فليقم بهذه المهمة، وسيكون قد سدّ نقصًا في بحثي.

السبع: (نصوص متوحشة) سبر تاريخي عميق لجذور التطرف الذي يخنقنا اليوم

مدونة الباحث وسام السبع

قدم الباحث وسام السبع قراءة لكتاب (نصوص متوحشة) للناقد البحريني علي الديري معتبراً أن الكتاب يمثل سبراً تاريخياً عميقاً لجذور التطرف الذي اجتاح العالم العربي والإسلامي منذ سقوط بغداد عام 2003. واعتبر السبع خلال محاضرة في صالون الإعلامية عصمت الموسوي أن الديري يعدّ مثقفاً صاحب مشروع فكري يتسم بالجرأة والمشاكسة، وهذا ما يظهر بشكل جلي في كتابيه الإشكاليين (خارج الطائفة) الذي حاول فيه أن يخرج من الطائفة لا عليها وينظر لها كموضوع يدرسه لا إطار يستند عليه وكتابه الحالي (نصوص متوحشة) فهو في كلا العملين يجترح نهجاً يتسم بالجرأة والإقدام في مقاربة المواضيع التي تستثير وعيه.

وأوضح السبع أن الديري حاول أن يقدم إجابات غير محابية لمشكلة التطرف الديني الذي يفتك بالمجتمعات التي تعيش حالة الانفلات والفوضى الأمنية في بؤر التوتر العربي، مؤكداً أن الإشكاليات العميقة في بنية الفكر العربي والإسلامي ترجع في جذورها إلى العامل السياسي.

وقد أعقب كلمة السبع جملة من المداخلات للحاضرين والحاضرات، ركزت في مجملها على عمق المأزق التي تعانيه الشعوب العربية والإسلامية والمخاطر الناجمة من تغوّل الظاهرة الدينية في المجتمعات بشكل مخيف.

9-9-2015 (14)
د. فضيلة المحروس، وداد كيكسو، شربهان أحمد، اميمة، د. فاطمة المناعي، صفية الموسوي، عصمت الموسوي

الديري: لم أجد نفسي ملزماً بإحداث توازن طائفي وأنا أبحث في جذور التطرف.. وتعويم المشكلة تهرب من مواجهتها

IMG_2133
علي الديري

وقد تخللت الأمسية مداخلة صوتية مسجلة من بيروت لمؤلف الكتاب علي الديري أكد فيها التزامه كمثقف بضوابط وشروط البحث العملي في كتاباته وقال في معرض اجابته عن سؤال بخصوص عدم معالجته في كتابه لنصوص شيعية واكتفاءه بنصوص سنية: “إنّه السّؤال الأكثر إلحاحًا عليّ من قبل القرّاء، منذ أعلنت عن صدور الكتاب، ويبدو أنّه مطروح عليّ أكثر مما هو مطروح على كتابي، وهو يحمل طابعًا شخصيًّا، أو هكذا أتلقاه، وبشكل أكثر وضوحًا، وجدت في السّؤال تهمة، وكأن من يطرح السؤال يتهمني بالطائفية في معالجة خطاب التكفير، هل تريد أن تقول: إن  خطاب التكفير خطابًا سنيًّا، وأنّ الشيعة مبرؤون من ظاهرة التكفير؟

سأجيب على السّؤال في نقاط خمس:

النقطة الأولى: انطلقت في معالجة نصوص التوحش من فرضية تقول: إنّ نص التوحش نص سياسي، وإن إنتاج هذه النصوص صار سياسة ممنهجة في الدولة السلجوقية في منتصف القرن الخامس الهجري تقريبا. لم أنطلق من فرضية أن  نصوص التوحش هي نصوص سنية بالضرورة، أو هي نصوص عابرة للمذاهب على قدم المساواة، أو كما نقول اليوم الإرهاب لا دين له ولا مذهب له.

نحن نعرف أن السلطة السياسية العامة في الحضارة الإسلامية كانت سلطة بيد الخليفة الذي يمثل السنة ولا يمثل الشيعة، فظلّ الشيعة يمثلون المعارضة بالنسبة له. كيف واجه الخليفة معارضيه؟ الجواب هو: بإنتاج نصوص تكفرهم وتبيح قتلهم، وهذا الجواب صاغته السلطة السلجوقية صياغة منهجية محكمة عبر المدرسة النظامية وفقهائها، وقد وضع هذه السياسة الوزير (نظام الملك) واعتبر السلاجقة أنفسهم مدافعين عن السنة والإسلام وفق هذه السياسة. هذا هو المعطى التاريخي السياسي، ولا يمكن أن نقفز عليه.

النصوص بناء على الفرضية التي طرحتها  تنتمي إلى هذا العالم، أي إلى العالم السني، فالسلاجقة حين جاءوا إلى بغداد استلموا الخلافة العباسية ومثلوها، واعتبروا انفسهم مدافعين عن الإسلام الذي هو الإسلام السني، لأنه الإسلام العام الذي يمثل عموم الأمة، فالوضع التاريخي يفرض أن يكون النص المتوحش الذي كتب فقهيًّا  في حضرة السياسة  نصًّا ضد الخصم  الذي لا ينتمي إلى هذا العالم السني أو الطائفة السنية، فالموضوع متعلق بمعطى سياسي، أي إنّه وضع سياسي تاريخي موجود وبالتالي عالجته من هذه الناحية.

الفرضية التي انطلقت منها في كتابي فرضية تذهب إلى أن النص المتوحش نص فقهي مُنْتَج سياسيًّا، والمعطى التاريخي الذي اختبرت فيه هذه الفرضية يتعلق بتجربة السلاجقة، لأنّهم قد مثلوا الخلافة العباسية السنية وما تولد عنها فيما بعد من الدولة الزنكية والدولة الأيوبية في مصر وفي القاهرة.

الخلافة أو الأمة التي تتحدث باسم المسلمين في ذلك الوقت، هي خلافة سنية يتحكم فيها السلاجقة الذين لم يكونوا يعرفون العربية ولا يجيدون غير مهارة القتال، مقابلها كان هناك الخلافة الفاطمية بالقاهرة واليمن والشام والقدس، لاتمثل هذه الخلافة عموم الأمة، وهذا ما جعل سياستهم في المواجهة تبتعد عن أدوات التكفير، ليس لديهم نصوص تكفر السني لسبب واقعي، فهم  لا يمكنهم أن يكفروا عموم المسلمين، فتلك مسألة غير سياسية وغير عملية.

 بحثت لدى فقيه الدولة الفاطمية وهو القاضي النعمان،  في كتابه (دعائم الإسلام) وكتابه (أساس التأويل) فلم أجد نصوصًا فقهية تبيح قتل المسلمين المخالفين وذبحهم، وهذا ما وجدته لدى الغزالي وهو فقيه الدولة السلجوقية الذي كتب كتابه (فضائح الباطنية) وكتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) وفي هذين الكتابين نجد نصوصًا متوحشة مرعبة.

النقطة الثانية، يقول الديري، تتعلق بانطلاقي من مشكلة حديثة، مشكلة معاصرة، وحاولت أن أضع لها إشكالية لفهمها، ألا وهي داعش وأخواتها من التنظيمات والجماعات المتطرفة التي تكفر وتقتل، وهي ظاهرة معاصرة، ومشكلة تجسّد فعل تلك النّصوص.

 هذه الجماعات لديها مسميات واضحة وخطاب إعلامي واضح، وخطاب ديني يستخدم نصوصًا تنتمي من الناحية العقائدية إلى المركز، خطابها يقول: إنها تمثل السنة، وإنها تدافع عن السنة، و تنطق باسم السنة، وإنها تريد استعادة الخلافة السنية. أنا أردت أن افهم هؤلاء الذين ينطقون باسم السنة – وإن كانوا لا يمثلون السنة – أردت أن أفهم سياق النصوص التي يمتحون منها ويتأسسون عليها، فذهبت إلى هذه النصوص وفضائها السياسي. كيف لي أن أذهب إلى نصوص شيعية وهم ينطقون باسم نصوص سنية؟! ذهبت إلى نصوص ابن تيمية لأنهم ينطقون باسم هذه النصوص، وذهبت إلى نصوص الغزالي وإن كانوا لا ينطقون باسم الغزالي بصورة مباشرة، لكن النصوص التي أنتجها وصارت ثقافة فقهية عامة، هم يوظفونها وينطقون باسمها ويؤسسون عليها، مثل نصوصه التي تعتبر أن الباطنية مرتدون كفرة يجب على الخليفة قتلهم، وسبي نسائهم، وأخذ أموالهم، وإبطال عقودهم.

المشكلة المعاصرة فرضت عليّ نصوصًا معينة، فهناك نص سياسي صُنّع في السياسة وفي الفقه التراثي، وهذا النص يُولِّد اليوم ظواهر حديثة متطرفة.

خلاصة الفكرة الثانية، أنني أنطلق من مشكلة معاصرة في صياغة إشكالية كتابي (نصوص متوحشة) هي داعش وأخواتها، والإشكالية أن داعش وأخواتها هي وليدة نصوص موجودة في التراث، هذه النصوص ليست من الدين بل متولّدة من السياسية.

IMG_2131النقطة الثالثة، يضيف الديري، هي أنني لا يمكن أن أوسع دائرة البحث بحيث أعوم المشكلة المعاصرة التي أريد تفسيرها، بمعنى أنني لا يمكنني القول إن مشكلة التوحش موجودة في الأديان كلها، وفي المذاهب كلها، والطوائف كلها، ولا تخلو منها  الفترات التاريخية كلها، ومن ثم فإنّ ظاهرة داعش وأخواتها ليست وحدها.

هذا النوع من التوسعة يضيع الجواب، ويريح أصحاب الظاهرة، وهو يشبه أن تسأل اليوم رئيس حكومة لبنان: ما سبب مشكلة القمامة لديكم؟ لماذا هي مكدسة في الطرقات العامة؟ فيجيبك: القمامة مشكلة عالمية، وتجد هذه المشكلة في مصر والعراق والهند وو… أو يقول لك: البلاد تعاني من أزمة سياسية ونحن لسنا نعاني من القمامة الحقيقية فقط، فهناك مشكلة القمامة السياسية والاقتصادية والدينية والأخلاقية. إنها إجابات تصلح للتهرب من السؤال، وأنا لم أشأ أن أجيب في كتابي إجابة تهربية.

 لابد من تحديد دائرة البحث كي لا يضيع، فأنا لدي مشكلة معاصرة أريد معرفة جذورها، فلا يجوز أن أعوم المشكلة ضمن مشكلة كبيرة جدا، فلا أجد جوابا لها.

أما عن النقطة الرابعة فيقول: السؤال يتضمن في طياته – ولو ضمنيًّا- اتهامًا طائفيًّا، بل إنّ بعضهم قالها صراحة: في معالجتك لنصوص التوحش، كأنك تقول إن التوحش مرتبط بالسنة، وإنك بهذا الكتاب (نصوص التوحش) تعود إلى ما قبل (خارج الطائفة).

حين أستعرض اشتغالاتي المعرفية، أجد أنّني في رسالة الماجستير درست كتاب ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام)، وقدمته كأحد المسهمين في علم تحليل الخطاب، وحين فكرت في المادة المعرفية التي صاغها ابن حزم، لم أكن أفكر في موقفه من الشيعة، ولم أكن أنظر إليه بوصفه عالمًا سنيًّا، بقدر ما قرأته بصفته أحد علماء التراث، لم أشعر أنني بحاجة لعمل توازن طائفي، بحيث أقدم في رسالتي ابن حزم وإلى جانبه عالمًا آخر شيعيًّا، كي أحقق توازنا طائفيا، لم أفكر في هذا أبدًا، لأن الموضوع ليس محاصصة طائفية.

 وفي أطروحة الدكتوراه، حين درست مجازات (ابن عربي) بوصفه عالمًا صوفيًّا فريدًا، وفيلسوفًا صاحب تجربة روحية، لم أفكر أن آتي بمتصوف شيعي آخر، لأحقق توازنًا طائفيا، أو أبعد عن نفسي تهمة الانتقاء الطائفي.

حين أختار موضوعي أو بحثي، أحدد مجال الموضوع ونصوصه دون الاستناد إلى قاعدة المحاصصات الطائفية، ما يحدد نصوص الموضوع هي المعرفة، ففي بحثي عن نصوص التوحش حدد موضوعي أبعاد معرفية شرحتها في النقاط السابقة.

وعن النقطة الخامسة يقول الديري: “هناك نوعان من التكفير كما يقول ابن تيمية، التكفير المطلق والتكفير المعين، الأول تكون فيه فكرتك أو اعتقادك كافرًا، لكنك لست بكافر لأنك لا تقصد أن تقع في الكفر. وفي التكفير المعين، يحكم عليك شخصيا بالكفر، يثبت عليك الكفر وتطبق عليك أحكامه، كما حدث مثلاً مع المفكر (نصر حامد أبو زيد)  ومن قبله مع المتصوف (الحلاج) ومع الفيلسوف (السهرودي).

 درست في كتابي التكفير المعين، أي التكفير الذي يقود إلى اعتبار الجماعة مرتدين ويجب قتلهم، كما هو الأمر مع الغزالي الذي قال بردّة الفاطميين، وإنّ على الخليفة قتلهم وقتل نسائهم، وكما هو الأمر مع ابن تيمية الذي قال شيعة (كسروان) مرتدون وكتب فيهم رسالة فقهية قادت إلى تشريع ذبحهم وتهجيرهم”.

 ويضيف:”هناك نصوص تكفيرية عند الشيعة، بمعنى التكفير المطلق، مثلا قولهم: من لا يؤمن بكذا فهو كافر، ولكن هذا التكفير لا يترتب عليه تقتيل،  أي لا يوجب تقتيلا. التكفير عند الشيعة مجرد تكفير عقائدي، متعلق بالمماحكات العقائدية، وبالحقيقة حاولت أن أبحث عن نصوص تكفيرية تقتيلية في المذهب الشيعي، فلم أجد، لكنّني لا أنفي ذلك بالمطلق، وإذا كان هناك باحث يستطيع أن يجد ذلك فليقم بهذه المهمة، وسيكون قد سدّ نقصًا في بحثي”.

9-9-2015 (1)
د. عقيل الموسوي، مريم الرويعي، د. فضيله المحروس

9-9-2015 (2)

9-9-2015 (4)
المحاضر، باسمة القصاب، د. عقيل الموسوي

9-9-2015 (6)

9-9-2015 (7)
د. منى فضل، عالمه الموسوي، د. محمد حميد السلمان
9-9-2015 (8)
راعية الفعالية الكاتبة عصمت الموسوي

9-9-2015 (9) - Copy

9-9-2015 (10)

9-9-2015 (11)

الحركة العلمية في البحرين

مقدمة‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية

باتت‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬عمومًا،‭ ‬وعن‭ ‬تراثها‭ ‬العلميّ‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬أمرًا‭ ‬واجبًا،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يضطّلع‭ ‬به‭ ‬المؤرّخون،‭ ‬والمثقفون‭ ‬والمهتمّون؛‭ ‬ليبرزوا‭ ‬ما‭ ‬قدّمت‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬إسهامات‭ ‬علميّةٍ‭ ‬وأدبيّة،‭ ‬ويقفوا‭ ‬على‭ ‬مناهج‭ ‬علماء‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬التصنيف‭ ‬والتأليف،‭ ‬وبخاصّةٍ‭ ‬بعد‭ ‬تخلّي‭ ‬أكثر‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حاولنا‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭.‬

وكنتُ‭ ‬قد‭ ‬تطرّقتُ‭ – ‬في‭ ‬مقدّمة‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ – ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التراث‭ ‬العلمي‭ ‬وإهماله،‭ ‬مبرزًا‭ ‬دور‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬تتبعها‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ذلك‭ ‬الإهمال،‭ ‬ممّا‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬التاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬للبلاد،‭ ‬وطمس‭ ‬آثاره‭ ‬من‭ ‬أذهان‭ ‬الناشئة‭.‬

ولستُ‭ ‬أعلمُ‭ ‬كيف‭ ‬فاتني‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام،‭ ‬التي‭ ‬تعوّل‭ ‬عليها‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تاريخ،‭ ‬وحضارة،‭ ‬وإنجازات‭ ‬علميّة،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك،‭ ‬وكان‭ ‬المرتُجى‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬تسير‭ ‬السيرة‭ ‬ذاتها،‭ ‬فتنشر‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬ما‭ ‬يحقق‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬العالم‭ ‬الخارجيّ‭ ‬بالبلاد‭: ‬تاريخًا‭ ‬وحضارة‭. ‬

تلك‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬الورديّة،‭ ‬التي‭ ‬رسمناها‭ ‬لدور‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬أذهاننا،‭ ‬وكنّا‭ ‬نلتمس‭ ‬لها‭ ‬العذر‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬تراث‭ ‬البحرين‭ ‬العلميّ‭ ‬الأصيل،‭ ‬ظانّين‭ ‬بأنّ‭ ‬السبب‭ ‬قد‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬معظم‭ ‬التراث‭ ‬العلميّ‭ ‬البحرانيّ‭ ‬مايزال‭ ‬مخطوطًا،‭ ‬وهو‭ ‬سببٌ‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ – ‬في‭ ‬وهنه‭ – ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬العنكبوت،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬تشبّثنا‭ ‬به؛‭ ‬رغبةً‭ ‬في‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬سببٍ،‭ ‬حتّى‭ ‬أذن‭ ‬الله‭ ‬بإنجاز‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬فانكشف‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬ظننّا؛‭ ‬فقد‭ ‬حملته‭ ‬إلى‭ ‬الوزارة‭ ‬بغية‭ ‬ترخيصه‭ ‬للطباعة،‭ ‬محدّثًا‭ ‬نفسي‭ ‬بنشره‭ ‬خلال‭ ‬أسبوعٍ‭ ‬أو‭ ‬أسبوعين،‭ ‬ولم‭ ‬يخطر‭ ‬بالبال‭ ‬أن‭ ‬يظلّ‭ ‬الكتاب‭ ‬حبيس‭ ‬الأدراج‭ ‬في‭ ‬الوزارة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنة،‭ ‬فلا‭ ‬هي‭ ‬أذنت‭ ‬لي‭ ‬بطباعته،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬منعتني‭ ‬من‭ ‬ذلك‭! ‬وقد‭ ‬باءت‭ ‬جهودي‭ ‬كلّها‭ ‬بالفشل،‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬سبب‭ ‬ذلك‭ ‬التعطيل‭ ‬والمماطلة،‭ ‬ممّا‭ ‬اضطّرني‭ ‬إلى‭ ‬طباعته‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬خارج‭ ‬البحرين،‭ ‬فلمّا‭ ‬وصل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬البلاد،‭ ‬سطت‭ ‬عليه‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام،‭ ‬وصادرت‭ ‬نسخه‭ ‬كلّها،‭ ‬ولم‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بنسخة‭ ‬واحدة‭! ‬دون‭ ‬إبداء‭ ‬سبب‭ ‬المصادرة‭ ‬كذلك،‭ ‬ولم‭ ‬ينجُ‭ ‬من‭ ‬مخالب‭ ‬الوزارة‭ ‬سوى‭ ‬مئتي‭ ‬نسخة،‭ ‬بقيت‭ ‬بيد‭ ‬الناشر،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تطاولتها‭ ‬أيدي‭ ‬القرّاء،‭ ‬فنفدت‭ ‬جميعها‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يكفّ‭ ‬المهتمون‭ ‬عن‭ ‬طلب‭ ‬نسخٍ‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬علموا‭ ‬بقصّته،‭ ‬ونفاد‭ ‬نسخه‭ ‬طالبوني‭ ‬بطباعته‭ ‬طبعةً‭ ‬ثانية؛‭ ‬فالتاريخُ‭ ‬لا‭ ‬يحبّ‭ ‬الطّمس،‭ ‬ولا‭ ‬يحترم‭ ‬طامسيه‭! ‬وها‭ ‬هي‭ ‬ذي‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬أوال‭ ‬للدراسات‭ ‬والتوثيق‭ ‬ترى‭ ‬النور،‭ ‬بحمد‭ ‬الله‭ ‬وتوفيقه،‭ ‬بعد‭ ‬ستّة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬وأنا‭ ‬أضعها‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬القرّاء‭ ‬الأكارم،‭ ‬بإضافاتٍ‭ ‬يسيرة،‭ ‬وتعديلاتٍ‭ ‬طفيفة،‭ ‬راجيًا‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يجدوا‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يروي‭ ‬ظمأهم‭ ‬المعرفي‭.‬

نسأل‭ ‬الله‭ ‬العليّ‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يوفقنا‭ ‬لخدمة‭ ‬تراثنا‭ ‬العلميّ‭ ‬الأصيل،‭ ‬إنه‭ ‬سميع‭ ‬الدعاء،‭ ‬قريبٌ‭ ‬مجيب‭.‬

والحمد‭ ‬لله‭ ‬ربّ‭ ‬العالمين

تمهيد

تقاس‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلدٍ‭ ‬بأمرين‭ ‬اثنين‭ ‬مجتمعين‭: ‬أحدهما‭ ‬انتشار‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬تشييدها،‭ ‬والعناية‭ ‬بها،‭ ‬وتمويلها،‭ ‬والآخر‭ ‬إسهام‭ ‬علماء‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬العلمي‭ ‬والثقافي،‭ ‬ذلك‭ ‬الإسهام‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬العلماء،‭ ‬ووفرة‭ ‬مصنفاتهم‭ ‬العلمية،‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬العلمي‭.‬

وقد‭ ‬اجتمع‭ ‬للبحرين‭ ‬الأمران‭ ‬معًا،‭ ‬حتى‭ ‬صارا‭ ‬من‭ ‬مميزاتها،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬المؤرخون‭ ‬بدًّا‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬عليهما،‭ ‬والإشارة‭ ‬إليهما،‭ ‬كما‭ ‬نجده‭ ‬جليًّا‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الشيخ‭ ‬علي‭ ‬البلادي‭ (‬1340ه‭/ ‬1921م‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الجو‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬فقد‭ ‬لاحظ‭ ‬أنّ‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬البحرين‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬هو‭ ‬‮«‬كثرة‭ ‬العلماء‭ ‬فيها‭ ‬والمتعلمين،‭ ‬والأتقياء‭ ‬الورعين،‭ ‬والشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬والمتأدبين،‭ ‬وخُلّص‭ ‬الشيعة‭ ‬المتقدّمين،‭ ‬وكثرة‭ ‬المدارس‭ ‬والمساجد،‭ ‬وفحول‭ ‬العلماء‭ ‬الأماجد‮»‬‭.‬

وتلك‭ ‬إشارة‭ ‬منه‭ ‬دقيقة،‭ ‬ووصف‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية؛‭ ‬فقد‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬محل‭ ‬هجرة،‭ ‬تشدّ‭ ‬إليها‭ ‬الرحال؛‭ ‬لطلب‭ ‬العلم،‭ ‬والتفقه‭ ‬في‭ ‬الدين،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬آثار‭ ‬الحوزات‭ ‬العلمية‭ ‬فيها‭ ‬تنبئ‭ ‬عن‭ ‬احتضانها‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬الطلاب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬محطّ‭ ‬تقدير‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬العريقة‭ ‬في‭ ‬الحلة‭ ‬وغيرها،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬توفد‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬الوفود،‭ ‬تسأل‭ ‬عن‭ ‬معضلٍ‭ ‬علميٍّ،‭ ‬حارت‭ ‬فيه‭ ‬الأنظار‭ ‬تارةً،‭ ‬أو‭ ‬تدعو‭ ‬أحد‭ ‬أعلام‭ ‬البحرين‭ ‬المشار‭ ‬إليهم‭ ‬بالبنان‭ ‬لزيارة‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬وإفادة‭ ‬طلابها‭ ‬وعلمائها،‭ ‬بإلقاء‭ ‬الدروس‭ ‬العلمية،‭ ‬أو‭ ‬مناظرة‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬تارةً‭ ‬أخرى‭.‬

ولا‭ ‬بدَّ‭ ‬من‭ ‬الإشارة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام،‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬عندما‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬البحرين،‭ ‬فإنّما‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬بحدودها‭ ‬السياسية‭ ‬المعروفة‭ ‬اليوم،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬بأوال‭ ‬قديمًا،‭ ‬مع‭ ‬إيماننا‭ ‬بصعوبة‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وبين‭ ‬امتداداتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬القطيف‭ ‬والأحساء،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الطبيعة‭ ‬الديموغرافية‭ ‬لهذه‭ ‬المناطق‭ ‬الثلاث‭ ‬تبقى‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الفصل‭ ‬بينها،‭ ‬فالمذهب‭ ‬العقدي‭ ‬واحد،‭ ‬واللهجة‭ ‬واحدة،‭ ‬وروابط‭ ‬القربى‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬وثيقة‭ ‬وثيقة‭.‬

وإنّما‭ ‬فصلنا،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬لسبب‭ ‬علميٍّ‭ ‬واحد،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية،‭ ‬دون‭ ‬امتداداتها،‭ ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة،‭ ‬أعني‭ ‬جزيرة‭ ‬أوال،‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬العلم،‭ ‬والمركز‭ ‬الذي‭ ‬يؤمّه‭ ‬المتعطشون‭ ‬إلى‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة؛‭ ‬ليتتلمذوا‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬ومشايخها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬أولئك‭ ‬الوافدين‭ ‬أهل‭ ‬القطيف‭ ‬والأحساء‭.‬

وقد‭ ‬فسحت‭ ‬الحواضر‭ ‬العلمية‭ ‬المعروفة‭ ‬للبحرين‭ ‬مكانًا‭ ‬مميّزًا؛‭ ‬لما‭ ‬وُجِدَ‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬طاقات‭ ‬علمية‭ ‬شامخة،‭ ‬تركت‭ ‬آثارها‭ ‬جلية‭ ‬في‭ ‬المسيرة‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬مساحتها‭ ‬تغصّ‭ ‬بمئات‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬عصر،‭ ‬وقد‭ ‬رفد‭ ‬أولئك‭ ‬العلماء‭ ‬الساحة‭ ‬العلمية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بما‭ ‬صنفوا‭ ‬من‭ ‬كتبٍ‭ ‬ورسائل‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬صنوف‭ ‬المعرفة،‭ ‬فصاروا‭ ‬نجومًا‭ ‬تنير‭ ‬الدرب‭ ‬للسالكين‭ ‬طريق‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وأعلامًا‭ ‬تنحني‭ ‬جباه‭ ‬العلماء‭ ‬لهم،‭ ‬فلا‭ ‬يكاد‭ ‬الباحث‭ ‬يطالع‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬حتى‭ ‬تكتحل‭ ‬عيناه‭ ‬بأسماء‭ ‬مثل‭ ‬الشيخ‭ ‬المتكلم‭ ‬أحمد‭ ‬ابن‭ ‬سعادة‭ ‬الستراوي‭ (‬قبل‭ ‬672ه‭/ ‬1273م‭)‬،‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثم‭ ‬البحراني‭ (‬699ه‭/ ‬1299م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬ابن‭ ‬المتوّج‭ (‬820ه‭/ ‬1417م‭)‬،‭ ‬والسيد‭ ‬حسين‭ ‬الغريفي‭ (‬1001ه‭/ ‬1592م‭)‬،‭ ‬والسيد‭ ‬ماجد‭ ‬الجدحفصي‭ (‬1028ه‭/ ‬1618م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬سليمان‭ ‬القدمي‭ (‬1064ه‭/ ‬1653م‭)‬،‭ ‬والسيد‭ ‬هاشم‭ ‬التوبلاني‭ (‬1107ه‭/ ‬1695م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ (‬1121ه‭/ ‬1709م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬السماهيجي‭ (‬1135ه‭/ ‬1722م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬يوسف‭ ‬العصفور‭ ‬البحراني‭ (‬1186ه‭/ ‬1722م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الستري‭ (‬1267ه‭/ ‬1850م‭)‬،‭ ‬والشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬آل‭ ‬طعان‭ (‬1315ه‭/ ‬1897م‭)‬،‭ ‬ومئات‭ ‬غيرهم‭. ‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬اشتهار‭ ‬البحرين‭ ‬بوصفها‭ ‬مركزًا‭ ‬علميًّا‭ ‬متقدِّمًا،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬العدد‭ ‬الجمّ‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬فيها،‭ ‬لجأ‭ ‬الصفويون‭ ‬إليهم؛‭ ‬واستعانوا‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬بدء‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬الصفوية؛‭ ‬كي‭ ‬ينشروا‭ ‬التشيّع‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬إذ‭ ‬استعان‭ ‬الصفويون‭ ‬بفقهاء‭ ‬‮«‬‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬التأسيسية‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬العرب،‭ ‬الذين‭ ‬استُقدِموا‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬والبحرين،‭ ‬وبلاد‭ ‬الشام‮»‬‭.       ‬

وللسبب‭ ‬نفسه،‭ ‬أعني‭ ‬العدد‭ ‬الجمّ‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬صار‭ ‬الفقهاء‭ ‬الآخرون‭ ‬يتخذون‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬وسيرتهم‭ ‬دليلا‭ ‬يُسْتَنَد‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الأشياء‭ ‬أو‭ ‬تحريمها،‭ ‬وبخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬محلّ‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الفقهاء،‭ ‬فما‭ ‬أحلّه‭ ‬فقهاء‭ ‬البحرين‭ ‬فهو‭ ‬حلال،‭ ‬والعكس‭ ‬كذلك،‭ ‬فقد‭ ‬نقل‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬كتب‭ ‬الشافعية‭ ‬سؤالا‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬إلى‭ ‬المصحف‭ ‬أبدعةٌ‭ ‬هو‭ ‬أم‭ ‬مستحبٌّ؟‭ ‬

وقد‭ ‬بيّن‭ ‬الوجهين‭ ‬الواردين‭ ‬فيه؛‭ ‬إذ‭ ‬قطع‭ ‬ابن‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بأنه‭ ‬بدعة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قاسه‭ ‬النووي‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬للفضلاء‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬والأخيار،‭ ‬فقطع‭ ‬بأنه‭ ‬مستحبٌّ،‭ ‬ثم‭ ‬علّق‭ ‬الماحوزيُّ‭ ‬على‭ ‬المسألة‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬لم‭ ‬أقف‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬كلامٍ‭ ‬لأصحابنا،‭ ‬إلا‭ ‬أنّا‭ ‬وجدنا‭ ‬مشايخنا‭ ‬الذين‭ ‬عاصرناهم‭ ‬يفعلونه،‭ ‬وليس‭ ‬استحبابه‭ ‬ببعيد؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬دخوله‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬شعائر‭ ‬الله‮»‬‭.‬

ولعلك‭ ‬تنبّهت‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬الحكم‭ ‬إنّما‭ ‬بناه‭ ‬الماحوزيُّ،‭ ‬وهو‭ ‬شيخ‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يومذاك،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬السيرة‭ ‬العملية‭ ‬لفقهاء‭ ‬البحرين،‭ ‬الذين‭ ‬عاصرهم،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليكون‭ ‬لولا‭ ‬وثوقه‭ ‬بعلمهم،‭ ‬وورعهم‭.‬

وقد‭ ‬استند‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬آل‭ ‬طعان‭ (‬1315ه‭/ ‬1897م‭) ‬إلى‭ ‬السيرة‭ ‬العملية‭ ‬لفقهاء‭ ‬البحرين‭ ‬كذلك،‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬حلّ‭ (‬الإربيان‭)‬،‭ ‬حينما‭ ‬ناقش‭ ‬المجلسيَّ‭ ‬في‭ ‬رأيه،‭ ‬ورأى‭ ‬‮«‬أن‭ ‬اعترافه‭ [‬يعني‭ ‬المجلسي‭ ‬صاحب‭ ‬البحار‭] ‬بأنّ‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬يأكلونه،‭ ‬ويذكرون‭ ‬له‭ ‬خواص‭ ‬كثيرة،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬الجزم‭ ‬بتحليله،‭ ‬والقطع‭ ‬بدليله؛‭ ‬لكثرة‭ ‬من‭ ‬فيهم‭ ‬حينئذٍ‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬العاملين،‭ ‬والفقهاء‭ ‬الورعين،‭ ‬والمحتاطين‭ ‬والمتوقفين،‭ ‬والممارسين‭ ‬للأقوال‭ ‬والأخبار،‭ ‬والمطّلعين‭ ‬على‭ ‬خبايا‭ ‬تلك‭ ‬الآثار،‭ ‬ولم‭ ‬ينقل‭ ‬عن‭ ‬أحدٍ‭ ‬منهم‭ ‬قديمًا‭ ‬ولا‭ ‬حديثًا‭ ‬التوقف‭ ‬في‭ ‬أكله،‭ ‬ولا‭ ‬المناقشة‭ ‬في‭ ‬حله،‭ ‬بل‭ ‬يعدّونه‭ ‬من‭ ‬المآكل‭ ‬الحميدة،‭ ‬والمطاعم‭ ‬اللذيذة،‭ ‬ويهدونه‭ ‬للبلاد‭ ‬البعيدة،‭ ‬فيكشف‭ ‬عملهم‭ ‬عن‭ ‬حصول‭ ‬السيرة‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬التحليل،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نعم‭ ‬الدليل،‭ ‬والله‭ ‬يقول‭ ‬الحق،‭ ‬وهو‭ ‬يهدي‭ ‬السبيل‮»‬‭.‬

فأنت‭ ‬ترى‭ ‬أنّ‭ ‬الاعتماد‭ ‬في‭ ‬الفتيا‭ – ‬هنا‭ – ‬إنّما‭ ‬كان‭ ‬اتكاءً‭ ‬على‭ ‬كثرة‭ ‬العلماء‭ ‬والفقهاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الاطمئنان‭ ‬لما‭ ‬يحللون‭ ‬أو‭ ‬يحرّمون،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬أنّ‭ ‬أولئك‭ ‬الفقهاء‭ ‬موصوفون‭ ‬بالورع‭ ‬والاحتياط،‭ ‬والممارسة،‭ ‬والاطّلاع‭ ‬على‭ ‬خبايا‭ ‬الآثار‭. ‬

فلا‭ ‬غرو،‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬مهبط‭ ‬أفئدة‭ ‬العلماء،‭ ‬الذين‭ ‬آثروا‭ ‬ترك‭ ‬أوطانهم،‭ ‬والهجرة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البلاد؛‭ ‬يقيمون‭ ‬فيها‭: ‬يؤلفون،‭ ‬ويناقشون‭ ‬أقرانهم‭ ‬من‭ ‬العلماء،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليكون‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬هؤلاء‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يقنعهم‭ ‬بتلك‭ ‬الخطوة،‭ ‬وقد‭ ‬لفتت‭ ‬هذه‭ ‬الميزة،‭ ‬أعني‭ ‬كثرة‭ ‬العلماء‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬أنظار‭ ‬الأدباء‭ ‬فخلّدوها‭ ‬في‭ ‬أشعارهم،‭ ‬وما‭ ‬سطّرت‭ ‬أقلامهم،‭ ‬ومنهم‭ ‬الشاعر‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬الخطي‭ (‬1028ه‭/ ‬1618م‭) ‬إذ‭ ‬يقول‭:‬

أوالُ‭ ‬سُقيتِ‭ ‬صوبَ‭ ‬كلِّ‭ ‬مجلجلٍ من‭ ‬المُزنِ‭ ‬هامٍ‭ ‬لا‭ ‬يجفُّ‭ ‬له‭ ‬قطْرُ
كأنّكِ‭ ‬مغناطيسُ‭ ‬كلِّ‭ ‬مهذّبٍ فما‭ ‬كاملٌ‭ ‬إلا‭ ‬وفيك‭ ‬له‭ ‬قبرُ

ولا‭ ‬غرو‭ ‬كذلك،‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬محطّةً،‭ ‬يستقي‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬استهوتهم‭ ‬العربية‭ ‬وآدابها،‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬ومثقفين،‭ ‬ما‭ ‬يصقل‭ ‬مواهبهم،‭ ‬ويشحذ‭ ‬أفكارهم،‭ ‬ويطلق‭ ‬لخيالاتهم‭ ‬العنان،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬لفت‭ ‬انتباه‭ ‬الرحّالة‭ ‬الأسباني‭ (‬كارستن‭ ‬نيبور‭) ‬الذي‭ ‬زار‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬فقال‭ ‬متحدّثًا‭ ‬عن‭ ‬توجّه‭ ‬المثقفين‭ ‬الفرس‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭: ‬‮«‬‭ ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬المثقفين‭ ‬الفرس‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬القرآن،‭ ‬يقصدون‭ ‬هذه‭ ‬الجزر‭ [‬يعني‭ ‬البحرين‭] ‬ليتعلّموا‭ ‬العربية،‭ ‬لذا‭ ‬تدعى‭ ‬البحرين‭ ‬جامعة‭ ‬الشيعة‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬اللافت‭ ‬حقًّا‭ ‬إطلاق‭ ‬نيبور‭ ‬مصطلح‭ (‬الجامعة‭) ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬كلّها؛‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬له‭ ‬تفسيرًا‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬ازدهار‭ ‬البيئة‭ ‬العلمية‭ ‬والمعرفية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬اسمها‭ ‬مقرونًا‭ ‬بالعلم‭ ‬والعلماء،‭ ‬الذين‭ ‬غصّت‭ ‬بهم‭ ‬مدنها‭ ‬وقراها،‭ ‬فليس‭ ‬غريبًا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬البيئة،‭ ‬ما‭ ‬يُنقل‭ ‬عن‭ ‬اجتماع‭ ‬ثلاث‭ ‬مئة،‭ ‬أو‭ ‬يزيدون‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬تعزية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بينهم‭ ‬تنسيق‭ ‬سابق‭ ‬للحضور،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬أنوار‭ ‬البدرين‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬ممّا‭ ‬لاقته‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬غاراتٍ‭ ‬خارجية،‭ ‬وفتن‭ ‬داخلية‭ ‬استهدفت‭ -‬أول‭ ‬ما‭ ‬استهدفت‭ – ‬الوجود‭ ‬العلمي‭ ‬فيها،‭ ‬ذلك‭ ‬الاستهداف‭ ‬الذي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬العلماء‭ ‬والتنكيل‭ ‬بهم،‭ ‬وإحراق‭ ‬كتبهم‭ ‬ونتاجهم‭ ‬العلميّ،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬لم‭ ‬تخبُ‭ ‬جذوة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلميّ،‭ ‬بل‭ ‬امتدّ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرونٍ‭ ‬متتالية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬وتيرته‭ ‬تقلّ‭ ‬تبعًا‭ ‬لتلك‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬لهذه‭ ‬البلاد،‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬تتبّع‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬تحولاته‭ ‬وسيرورته،‭ ‬وانتقاله‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬الضعف،‭ ‬أو‭ ‬العكس،‭ ‬بل‭ ‬وجدنا‭ ‬كثيرًا‭ ‬ممّن‭ ‬أرّخوا‭ ‬للحركة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الإسلامية‭ ‬يتنكّب‭ ‬الطريق،‭ ‬ويتجاوز‭ ‬ذكر‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬رفدت‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬بمئات‭ ‬المصنّفات‭ ‬في‭ ‬شتّى‭ ‬صنوف‭ ‬المعرفة‭.‬

ولعلّ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ (‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬الفضلي‭) ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬تاريخ‭ ‬التشريع‭ ‬الإسلامي‭) ‬خير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الإهمال‭ ‬المتعمّد،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كونه،‭ ‬أعني‭ ‬الفضلي،‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة،‭ ‬فقد‭ ‬حصر‭ ‬مراكز‭ ‬العلم‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الفقه‭ ‬الإمامي‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬والحلة‭ ‬وحلب‭ ‬والشام‭ ‬وكربلاء،‭ ‬متناسيا‭ ‬مدرسة‭ ‬البحرين،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬القياس‭ ‬بين‭ ‬مدرسة‭ ‬حلب،‭ ‬والمدرسة‭ ‬البحرانية‭: ‬في‭ ‬عدد‭ ‬العلماء،‭ ‬وغزارة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي،‭ ‬ومدة‭ ‬حياة‭ ‬كلا‭ ‬المدرستين‭. ‬

وإنه‭ ‬لمن‭ ‬الغريب‭ ‬حقًّا‭ ‬أن‭ ‬ينسبَ‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف‭ ‬العصفور‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬كربلاء،‭ ‬حتّى‭ ‬إنه‭ ‬قَصَرَ‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كونه‭ – ‬أعني‭ ‬الشيخ‭ ‬يوسف‭ – ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أساطين‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية،‭ ‬هاجر‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬كربلاء،‭ ‬وقد‭ ‬تناسى‭ ‬الفضليُّ‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬المزبور‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬الثروة‭ ‬العلمية‭ ‬للفقه‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬فلكه‭ ‬من‭ ‬تفسير،‭ ‬وحديث،‭ ‬ورجال،‭ ‬وأصول،‭ ‬وما‭ ‬إليها‭ ‬لحريٌ‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬يهمل‭ ‬تاريخه؛‭ ‬ليفاد‭ ‬منه‭ ‬علميا،‭ ‬وليكون‭ ‬تقديرًا‭ ‬للجهود‭ ‬الخيرة‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬فيه‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬أحراه‭ ‬بأن‭ ‬يفرد‭ ‬للمدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬مكانًا‭ ‬يليق‭ ‬بما‭ ‬قدّمته‭ ‬من‭ ‬إسهامات‭ ‬علمية‭! ‬

وحتى‭ ‬القامات‭ ‬العلمية‭ ‬الشامخة،‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬وروّجت‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يؤرخ‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬الهجري،‭ ‬حين‭ ‬التفت‭ ‬زعيم‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬يومئذٍ،‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ (‬1121ه‭/ ‬1709م‭) ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الثغرة،‭ ‬فبدأ‭ ‬بسدّها،‭ ‬وصنّف‭ ‬كتابيه‭ ‬المشهورين‭: (‬فهرست‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭)‬،‭ ‬و‭(‬جواهر‭ ‬البحرين‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬خَصَّ‭ ‬فيلسوفَ‭ ‬البحرين‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثمًا‭ ‬البحراني‭ ‬بترجمة‭ ‬مستقلة،‭ ‬وسمها‭ ‬بـ‭(‬السلافة‭ ‬البهية‭ ‬في‭ ‬الترجمة‭ ‬الميثمية‭)‬،‭ ‬أمّا‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أمر‭ ‬تراجم‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬متروكًا‭ ‬لعلماء‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬فارس‭ ‬أو‭ ‬غيرهما،‭ ‬وبدهي‭ ‬ألا‭ ‬يحيط‭ ‬الأباعد‭ ‬برجال‭ ‬البلاد‭ ‬أجمعين،‭ ‬فما‭ ‬يعنيهم‭ ‬غير‭ ‬تدوين‭ ‬المشهورين‭ ‬منهم،‭ ‬وهم‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬اتصال‭ ‬بمراكز‭ ‬العلم‭ ‬الخارجية‭!‬

المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭: ‬نشأتها‭ ‬وتطورها

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬تبوّأتها‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬والأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬أدّتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬القرون‭ ‬المتتالية؛‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬سلطتها‭ ‬تفوق‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وكانت‭ ‬للعلماء‭ ‬الذين‭ ‬يشرفون‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬كلمة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬الحاكم‭ ‬السياسي‭ ‬نفسه؛‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كلّه،‭ ‬لم‭ ‬يتتبّع‭ ‬الباحثون‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬فلم‭ ‬يقف‭ ‬أحد،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬اطّلع‭ ‬عليه‭ ‬الباحث،‭ ‬على‭ ‬نشأة‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬أطوارها‭ ‬المختلفة،‭ ‬والأدوار‭ ‬التي‭ ‬أدّتها،‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المباحث‭ ‬التي‭ ‬يجدر‭ ‬بالباحثين‭ ‬الوقوف‭ ‬عليها‭.      ‬

ما‭ ‬المقصود‭ ‬بمصطلح‭ ‬المدرسة؟

لا‭ ‬بدّ‭ ‬قبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬تجلية‭ ‬المراد‭ ‬من‭ ‬مصطلح‭ (‬المدرسة‭) ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة؛‭ ‬فقد‭ ‬رأينا‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬يدّعي‭ ‬انتشار‭ ‬المدارس‭ ‬بالمئات‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬البحرين‭ ‬ومدنها،‭ ‬حين‭ ‬جزم‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬فإنك‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬قرية‭ ‬من‭ ‬قراها،‭ ‬بغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مدنها،‭ ‬إلا‭ ‬وفيها‭ ‬مدرسة‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬الأقل‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬إنّما‭ ‬يصحّ‭ ‬إذا‭ ‬حملنا‭ ‬المقصود‭ ‬بالمدرسة‭ ‬على‭ (‬الكتاتيب‭)‬،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬قرية‭ ‬لتخلو‭ ‬من‭ ‬كُتّابٍ‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬الكتاتيب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬أماكن‭ ‬لتعليم‭ ‬مبادئ‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬أمّا‭ ‬مصطلح‭ (‬المدرسة‭) ‬الذي‭ ‬نعنيه‭ ‬هنا‭ ‬فهو‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الكُتّاب؛‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬المَجْمَع‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬طلبة‭ ‬العلم؛‭ ‬يتدارسون،‭ ‬ويبحثون،‭ ‬ويؤلفون‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬صنوف‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬يقودهم‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرادفًا‭ ‬لمصطلح‭ (‬الجامعة‭) ‬المستعمل‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مدن‭ ‬البحرين‭ ‬وقراها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬عملية‭ ‬النزوح‭ ‬الداخلي،‭ ‬حين‭ ‬يضطر‭ ‬الطلبة‭ ‬المتشوقون‭ ‬إلى‭ ‬الاستزادة‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬قراهم‭ ‬وبلدانهم‭ ‬الأصلية،‭ ‬والنزوح‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭. ‬

بادئ‭ ‬الأمر

يكتنف‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬للمدارس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الغموض؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تشر‭ ‬المدونات‭ ‬التاريخية‭ ‬المعتمدة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬شاخصين‭ ‬يومذاك‭ ‬إلى‭ ‬تأصيل‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬وتدوينها،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬تفجؤنا،‭ ‬وهي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬إسحاق‭ ‬البحراني‭ (‬605ه‭/ ‬1208م‭) ‬بوصفه‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬اللغويين‭ ‬القدامى‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬ثمّ‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تلمع‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬العلمي،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬الشيخ‭ ‬المتكلم‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬سعادة‭ ‬الستراوي‭ (‬قبل‭ ‬672ه‭/ ‬1273م‭)‬،‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثم‭ ‬البحراني‭ (‬699ه‭/ ‬1299م‭)‬،‭ ‬وغيرهما‭.‬

وإنه‭ ‬لمن‭ ‬البداهة‭ ‬أن‭ ‬نفترض‭ ‬أنّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعلام‭ ‬لم‭ ‬يولدوا‭ ‬عالمين،‭ ‬وأنّ‭ ‬المستوى‭ ‬العلمي‭ ‬المتقدّم‭ ‬الذي‭ ‬وصلوا‭ ‬إليه‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكم‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬العلمية،‭ ‬وأنّ‭ ‬تلكم‭ ‬الخبرات‭ ‬إنّما‭ ‬كانت‭ ‬تُحْتَضَن‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مخصصة،‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬بالمدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬حيث‭ ‬يدور‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬بين‭ ‬الأساتذة‭ ‬وطلابهم،‭ ‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتصوّر‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬البحث‭ ‬بدأ‭ ‬متواضعًا،‭ ‬ثم‭ ‬بدأ‭ ‬يقوى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروته‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬هؤلاء‭ ‬العلماء‭.‬

ثمّة‭ ‬أسئلة‭ ‬عن‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬البحرانية‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬تلحّ‭ ‬على‭ ‬الباحث،‭ ‬فأين‭ ‬كانت؟‭ ‬وما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬اضطلعت‭ ‬به؟‭ ‬ولم‭ ‬لم‭ ‬تُشْتهر‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬المرموقة؟‭ ‬

والحقّ‭ ‬أنّ‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬تسعفنا‭ ‬بإجابة‭ ‬عن‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬أنّ‭ ‬نشاط‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬ظلّ‭ ‬مغمورًا‭ ‬في‭ ‬بداياته؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬عدّة،‭ ‬لعلّ‭ ‬من‭ ‬أهمها‭:‬

‭(‬أ‭) ‬الوضع‭ ‬الجغرافي‭ ‬للبحرين،‭ ‬فهي‭ ‬جزيرة‭ ‬محاطة‭ ‬بالماء‭ ‬من‭ ‬جهاتها‭ ‬الأربع؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الوصول‭ ‬إليها،‭ ‬والخروج‭ ‬منها‭ ‬صعبا‭.‬

‭(‬ب‭) ‬عدم‭ ‬اتصالها‭ ‬بمراكز‭ ‬العلم‭ ‬المعروفة‭ ‬يومذاك،‭ ‬كمدرسة‭ ‬الحلة،‭ ‬وبغداد،‭ ‬والقاهرة،‭ ‬وغيرها‭. ‬

ولعدم‭ ‬الشهرة‭ ‬والانتشار،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المراكز‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬نظرة‭ ‬ثانوية،‭ ‬وذلك‭ ‬أمرٌ‭ ‬يمكن‭ ‬تقبّله،‭ ‬وتلمّس‭ ‬العذر‭ ‬للقائلين‭ ‬به؛‭ ‬فالمدارس‭ ‬المركزية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفوز‭ ‬غالبًا‭ ‬بأكبر‭ ‬الأساتذة،‭ ‬وأشهرهم‭ ‬صيتًا،‭ ‬وإليهم‭ ‬يشدّ‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬رحالهم،‭ ‬وقد‭ ‬أبرزت‭ ‬الرسالة،‭ ‬التي‭ ‬بعث‭ ‬بها‭ (‬علماء‭ ‬العراق‭) ‬إلى‭ (‬الشيخ‭ ‬ميثم‭) ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بجلاء،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الشيخ‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم‭ – ‬‮«‬معتكفا‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬العزلة‭ ‬والخمول،‭ ‬مشتغلا‭ ‬بتحقيق‭ ‬حقائق‭ ‬الفروع‭ ‬والأصول،‭ ‬فكتب‭ ‬إليه‭ ‬فضلاء‭ ‬الحلة‭ ‬والعراق‭ ‬صحيفة،‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬عذله‭ ‬وملامته‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأخلاق،‭ ‬وقالوا‭: ‬العجب‭ ‬منك‭ ‬أنك‭ – ‬مع‭ ‬شدة‭ ‬مهارتك‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف،‭ ‬وحذاقتك‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الحقائق،‭ ‬وإبداع‭ ‬اللطائف‭ ‬–‭ ‬قاطنٌ‭ ‬في‭ ‬ظلال‭ ‬الاعتزال،‭ ‬ومخيم‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬الخمول،‭ ‬الموجب‭ ‬لخمود‭ ‬نار‭ ‬الكمال‭..‬‮»‬‭  ‬

فعلماء‭ ‬العراق‭ ‬رأوا‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬ستؤول‭ ‬إليها‭ ‬حال‭ ‬شيخ‭ ‬البحرين‭ ‬وعالمها‭ ‬يومئذٍ،‭ ‬وهي‭ (‬خمود‭ ‬نار‭ ‬كماله‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬اندثار‭ ‬ذكره‭ ‬ونسيانه،‭ ‬مع‭ ‬اعترافهم‭ ‬بشدة‭ ‬مهارته،‭ ‬وحذاقته‭ ‬في‭ ‬العلوم،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليكون‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يرضَ‭ ‬بالإقامة‭ ‬في‭ (‬زاوية‭ ‬الخمول‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬عنوا‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬البحرين،‭ ‬كما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬سياق‭ ‬الرسالة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬لتُنْعت‭ ‬بزاوية‭ ‬خمولٍ‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬المشهورة‭.‬

اشتهار‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية

يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بأنّ‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬مدينةٌ‭ ‬للشيخ‭ ‬ميثم‭ ‬البحراني،‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬بدورٍ‭ ‬خطير،‭ ‬غيّر‭ ‬به‭ ‬وجه‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬البحرانية،‭ ‬فقد‭ ‬استجاب‭ ‬لرسالة‭ ‬علماء‭ ‬العراق،‭ ‬وسافر‭ ‬والتقى‭ ‬العلماء‭ ‬هناك،‭ ‬وباحثهم،‭ ‬فعرفوا‭ ‬فضله‭ ‬ومكانته،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬عليه‭ ‬كبار‭ ‬علمائهم،‭ ‬كنصير‭ ‬الدين‭ ‬الطوسي،‭ ‬المشهور‭ ‬بالخاجة،‭ ‬والحسن‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬المطهّر‭ ‬الحلي،‭ ‬المشهور‭ ‬بالعلامة،‭ ‬وغيرهما،‭ ‬فوضع‭ – ‬بسيرته‭ ‬تلك‭ – ‬اسم‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية‭ ‬المرموقة‭ ‬يومئذ؛‭ ‬فإنّ‭ ‬مدرسة‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬شيخها،‭ ‬لا‭ ‬غرو‭ ‬تستقطب‭ ‬أنظار‭ ‬العلماء،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬اتفقت‭ ‬‮«‬كلمة‭ ‬أئمة‭ ‬الأعصار،‭ ‬وأساطين‭ ‬الفضلاء‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأمصار،‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬بالعالم‭ ‬الرباني،‭ ‬وشهادتهم‭ ‬له‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭ ‬مثله‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الحقائق،‭ ‬وتنقيح‭ ‬المباني‭. ‬والحكيم‭ ‬الفيلسوف،‭ ‬سلطان‭ ‬المحققين،‭ ‬وأستاذ‭ ‬الحكماء‭ ‬والمتكلمين،‭ ‬نصير‭ ‬الملة‭ ‬والدين،‭ ‬محمد‭ ‬الطوسي،‭ ‬شهد‭ ‬له‭ ‬بالتبحر‭ ‬في‭ ‬الحكمة‭ ‬والكلام‮»‬‭ .‬

وتأسيسًا‭ ‬على‭ ‬السمعة‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭ ‬يومئذ،‭ ‬صار‭ ‬العلماء‭ ‬يفدون‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬أو‭ ‬يراسلون‭ ‬علماءها،‭ ‬ويباحثونهم‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬العلمية‭ ‬المختلفة،‭ ‬كالشيخ‭ ‬حسين‭ ‬بن‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬الجباعي‭ ‬العاملي‭ ‬الحارثي،‭ ‬والد‭ ‬الشيخ‭ ‬البهائي،‭ ‬الذي‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وبقي‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬مشتغلا‭ ‬بالتدريس‭ ‬والتصنيف،‭ ‬والعبادة،‭ ‬والتأليف‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬المُصَلَّى،‭ ‬من‭ ‬توابع‭ ‬بلادنا‭ ‬بلاد‭ ‬القديم،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬توفي‭ ‬بها‭ ‬لثمان‭ ‬خلون‭ ‬من‭ ‬ربيع‭ ‬الأول‭ ‬سنة‭ ‬984ه‭/ ‬1576م‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬رسالةً‭ ‬إلى‭ ‬ولده،‭ ‬المعروف‭ ‬بالشيخ‭ ‬البهائي،‭ ‬يحرّضه‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬بلاد‭ ‬العجم،‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬كنتَ‭ ‬تريد‭ ‬الدنيا‭ ‬فاذهب‭ ‬إلى‭ ‬الهند،‭ ‬وإذا‭ ‬كنتَ‭ ‬تريد‭ ‬الآخرة‭ ‬فاذهب‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وإن‭ ‬كنتَ‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬الدنيا‭ ‬ولا‭ ‬الآخرة‭ ‬فتوطّن‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العجم‮»‬‭.‬

ولسنا‭ ‬معنيين‭ – ‬هنا‭ – ‬بالأسباب‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬هجرة‭ ‬الشيخ‭ ‬العاملي‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وتركه‭ ‬بلاد‭ ‬فارس،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قربه‭ ‬من‭ ‬الشاه‭ ‬طهماسب‭ ‬الصفوي،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تبوُّئه‭ ‬منصب‭ ‬شيخ‭ ‬الإسلام‭ ‬فيها،‭ ‬وإنّما‭ ‬يعنينا‭ ‬اختياره‭ ‬البحرين،‭ ‬دون‭ ‬سواها؛‭ ‬إذ‭ ‬آثرها‭ ‬على‭ ‬المراكز‭ ‬العلمية‭ ‬الشيعية‭ ‬المعروفة‭ ‬يومذاك،‭ ‬كالنجف‭ ‬والحلة،‭ ‬ولسنا‭ ‬نرى‭ ‬علّة‭ ‬لذلك‭ ‬سوى‭ ‬معرفته‭ ‬بالعدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬والمتقدّمين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد؛‭ ‬ممّا‭ ‬أسس‭ ‬جوًّا‭ ‬علميًّا‭ ‬متعمّقًا،‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬شدّ‭ ‬انتباه‭ ‬الشيخ‭ ‬العاملي‭.    ‬

وكذلك‭ ‬هاجر‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬‮«‬الفقيه‭ ‬العلامة‭ ‬الشيخ‭ ‬مفلح‭ ‬بن‭ ‬حسن‭ ‬الصيمري،‭ ‬وأصله‭ ‬من‭ ‬صيمر،‭ ‬وانتقل‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وسكن‭ ‬قرية‭ ‬سلماباد،‭ ‬وله‭ ‬التصانيف‭ ‬الفائقة‭ ‬المليحة‭..‬‮»‬،‭ ‬وغيرهما‭.‬

كما‭ ‬أَوْلَى‭ ‬علماء‭ ‬العراق‭ ‬وغيرها‭ ‬التراث‭ ‬العلمي‭ ‬البحراني‭ ‬رعاية‭ ‬واهتماما،‭ ‬فبدأوا‭ ‬يشرحون‭ ‬ذلك‭ ‬التراث،‭ ‬أو‭ ‬يعلقون‭ ‬عليه،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الخاجة‭ ‬نصير‭ ‬الدين‭ ‬الطوسي‭ (‬672ه‭/ ‬1273م‭) ‬حين‭ ‬شرح‭ (‬رسالة‭ ‬العلم‭) ‬للمتكلم‭ ‬البحراني‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬سعادة،‭ ‬وأثنى‭ ‬على‭ ‬مؤلفها‭ ‬ثناءً‭ ‬عظيمًا،‭ ‬كما‭  ‬سنشير‭ ‬إليه‭ ‬عند‭ ‬دراستنا‭ ‬علم‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬البحرانية‭. ‬

وقد‭ ‬برزت‭ ‬–‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬الشيخ‭ ‬ميثم‭ – ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬ظاهرة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬البحرانية،‭ ‬لكنّ‭ ‬وتيرتها‭ ‬شرعت‭ ‬تزداد،‭ ‬أعني‭ ‬ظاهرة‭ ‬ابتعاث‭ ‬طلبة‭ ‬العلم؛‭ ‬للأخذ‭ ‬عن‭ ‬علماء‭ ‬العراق‭ ‬وغيرها،‭ ‬‭ ‬حيث‭ ‬يلبث‭ ‬أولئك‭ ‬المبتعثون‭ ‬مدة‭ ‬ثم‭ ‬يعودون؛‭ ‬ليتولوا‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬أُشير‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬واحدٍ‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬المعروفين،‭ ‬أعني‭ ‬الشيخ‭ ‬اللغوي‭ ‬ناصر‭ ‬الدين‭ ‬البحراني‭ (‬605ه‭/ ‬1208م‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬قرأ‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وأقام‭ ‬بها‭ ‬مدة،‭ ‬ثم‭ ‬رجع‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬واستمرت‭ ‬الظاهرة،‭ ‬فرحل‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬المتوّج‭ (‬820ه‭/ ‬1417م‭)‬،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬العلامة‭ ‬فخر‭ ‬الدين‭ ‬الحلّي‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الحلة‭ ‬السيفية،‭ ‬ثمّ‭ ‬‮«‬رجع‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬الغاية‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬وغيرها‮»‬‭. ‬حتّى‭ ‬وصفه‭ ‬ابن‭ ‬أبي‭ ‬جمهور‭ ‬الأحسائي،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬عوالي‭ ‬اللآلي‭) ‬بـ‭ ‬‮«‬شيخ‭ ‬الإمامية‭ ‬في‭ ‬وقته‮»‬،‭ ‬وبـ‭ ‬‮«‬خاتمة‭ ‬المجتهدين،‭ ‬المنتشرة‭ ‬فتاويه‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬العالمين‮»‬‭. ‬

وبدهي‭ ‬أن‭ ‬تتوثق‭ ‬الصلات‭ ‬حينئذ‭ ‬بين‭ ‬المدرسة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬والمدارس‭ ‬التي‭ ‬ابتُعِثَ‭ ‬إليها‭ ‬الطلاب،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬برهنوا‭ ‬لأساتذتهم‭ ‬وزملائهم‭ ‬على‭ ‬مستواهم‭ ‬العلمي‭ ‬البارز،‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬مستغربًا‭ ‬البتة‭ ‬إذا‭ ‬تولى‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬مهامّ‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدارس،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬المعروف‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬السيد‭ ‬ماجد‭ ‬بن‭ ‬السيد‭ ‬هاشم‭ ‬الصادقي‭ (‬1028ه‭/ ‬1618م‭)‬،‭ ‬فهو‭ ‬‮«‬أول‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬علم‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬العلم‭ ‬شيراز‭ ‬المحروسة،‭ ‬وله‭ ‬مع‭ ‬علمائها‭ ‬مجالس‭ ‬عديدة،‭ ‬ومقامات‭ ‬مشهورة‭.‬‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬يتولّى‭ ‬علماء‭ ‬البحرين‭ ‬المناصب‭ ‬القيادية‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬وغيره،‭ ‬حتى‭ ‬خارج‭ ‬البحرين،‭ ‬وهو‭ ‬المعروف‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الكرزكاني‭ ‬البحراني‭ (‬1098ه‭/ ‬1686م‭) ‬الذي‭ ‬ارتحل‭ ‬إلى‭ ‬شيراز،‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬انتهت‭ ‬إليه‭ ‬رئاسة‭ ‬البلاد‭ ‬المذكورة‭ [‬أي‭ ‬شيراز‭] ‬وقام‭ ‬بالأمر‭ ‬بالمعروف،‭ ‬والنهي‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬فيها‭ ‬أحسن‭ ‬قيام،‭ ‬وانقادت‭ ‬إليه‭ ‬حكّامها،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬رعيتها؛‭ ‬لفضله‭ ‬وتقواه،‭ ‬ونشر‭ ‬العلوم‭ ‬والتدريس‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬يوجد‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬شيراز‭ ‬إلا‭ ‬وعليه‭ ‬تبليغه‭ ‬بالمقابلة‭ ‬عليه‮»‬‭.‬

القرى‭ ‬والمدن‭ ‬العلمية

انتشرت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬فكان‭ ‬الطلاب‭ ‬يشدون‭ ‬رحالهم‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬البلاد،‭ ‬وقد‭ ‬اشتهرت‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬بوصفها‭ ‬أماكن‭ ‬علمية؛‭ ‬لكثرة‭ ‬المدارس‭ ‬فيها،‭ ‬فلا‭ ‬غرو‭ ‬إن‭ ‬لفتت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أنظار‭ ‬الباحثين‭ ‬فوثقوها،‭ ‬لكنّ‭ ‬توثيق‭ ‬بعضهم‭ ‬ذاك‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬التحرير،‭ ‬فقد‭ ‬شابهُ‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخلط،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ناشئًا‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التتبع،‭ ‬أو‭ ‬الانخداع‭ ‬بألقاب‭ ‬مشاهير‭ ‬العلماء‭ ‬المنسوبين‭ ‬إلى‭ ‬مدنهم‭ ‬وقراهم،‭ ‬ومن‭ ‬أولئك‭ ‬الباحثين‭ (‬وليد‭ ‬خالص‭) ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬ورقة‭ ‬بعنوان‭ ‬كمال‭ ‬الدين‭ ‬ميثم‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬البحراني،‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬الازدهار‭ ‬العلمي‭ ‬الواسع‭ ‬أدّى‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬اشتهار‭ ‬قرى‭ ‬بعينها‭ ‬بالعلم،‭ ‬ونسبة‭ ‬علماء‭ ‬كثيرين‭ ‬إليها،‭ ‬وتميزت‭ ‬بيوتات‭ ‬وأسر‭ ‬به‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬فمن‭ ‬القرى‭ ‬العلمية‭: ‬بلاد‭ ‬القديم،‭ ‬وجدحفص،‭ ‬وسترة،‭ ‬وسماهيج،‭ ‬والماحوز،‭ ‬والمنامة،‭ ‬وهلتا،‭ ‬والغريفة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‮»‬‭. ‬وممن‭ ‬عدّدوا‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬العلمية‭ ‬الباحث‭ ‬البحراني‭ ‬سالم‭ ‬النويدري،‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬في‭ ‬موسوعته‭ (‬أعلام‭ ‬الثقافة‭) ‬لذلك‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬عُرِفَت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬السابقة‭ ‬بمدارسها‭ ‬الدينية،‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬قرى‭ ‬البحرين‭ ‬ومدنها،‭ ‬كالماحوز،‭ ‬وأبي‭ ‬أصبع،‭ ‬والشاخورة،‭ ‬والقدم،‭ ‬وبوري،‭ ‬وسترة،‭ ‬والمنامة،‭ ‬والمحرق‮»‬‭.‬

والحقّ‭ ‬أن‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬وكتب‭ ‬التراجم‭ ‬التي‭ ‬ترجمت‭ ‬لعلماء‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬التي‭ ‬ذكرها‭ ‬هذان‭ ‬الباحثان،‭ ‬فلم‭ ‬يُعْرَف‭ ‬وجود‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المحرق،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬هلتا،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الغريفة،‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬المدرسة‭ ‬بوصفها‭ ‬مجمعًا‭ ‬علميًّا،‭ ‬يقصده‭ ‬الطلاب؛‭ ‬ليجلسوا‭ ‬إلى‭ ‬الأستاذ‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬الفقهاء،‭ ‬كما‭ ‬حددناه‭ ‬سابقًا،‭ ‬أمّا‭ ‬إذا‭ ‬كنّا‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬الكتاتيب‭ ‬فلا‭ ‬تكاد‭ ‬قرية‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كتّاب،‭ ‬فلا‭ ‬وجه‭ ‬إذن‭ ‬لتخصيص‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬أو‭ ‬المدن‭.   ‬

ولخلو‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬العلمية،‭ ‬واشتهار‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر‭ ‬بها،‭ ‬وجدنا‭ ‬العلماء‭ ‬المشهورين‭ ‬يرحلون‭ ‬عن‭ ‬بلدانهم؛‭ ‬ليواصلوا‭ ‬مشوارهم‭ ‬العلمي،‭ ‬فيدرسون،‭ ‬ويزاولون‭ ‬التدريس‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬المشهورة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬المعروف‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬السماهيجي،‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬بلاده‭ (‬سماهيج‭)‬،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ ‬في‭ ‬قريته‭ (‬الماحوز‭)‬،‭ ‬ولمّا‭ ‬اشتدّ‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬عوده،‭ ‬صار‭ ‬مدرّسًا‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ (‬بوري‭)‬،‭ ‬و‭(‬القدم‭)‬،‭ ‬و‭(‬أبي‭ ‬أصبع‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬نصّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بصراحة‭ ‬في‭ ‬إجازته‭ ‬المبسوطة‭ ‬للجارودي،‭ ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬أنّ‭ ‬الجارودي‭ ‬‮«‬قد‭ ‬سمع‭ ‬مني‭ – ‬وقت‭ ‬مهاجرته‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬حميت‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬واليها‭ ‬عن‭ ‬الحين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بمدرستي‭ (‬بوري‭) ‬و‭(‬القدم‭) ‬صانهما‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬العدم‭ – ‬جملةً‭ ‬وافرة‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬الحديث‭ ‬وقت‭ ‬الدرس‭ ‬بقراءة‭ ‬الغير‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الكافي‭ ‬أصولا‭ ‬وفروعًا،‭ ‬والتهذيب‭ …. ‬وشيئًا‭ ‬من‭ ‬الفقه‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الشرائع،‭ ‬وشرحيه‭: ‬المدارك‭ ‬والمسالك،‭ ‬والإرشاد،‭ ‬والمختلف‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬أبي‭ ‬أصبع‮»‬‭.‬

ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الشيخ‭ ‬السماهيجي،‭ ‬قد‭ ‬عاد‭ ‬بعد‭ ‬رحلته‭ ‬العلمية‭ ‬تلك‭ ‬إلى‭ (‬سماهيج‭) ‬مسقط‭ ‬رأسه،‭ ‬وأسس‭ ‬فيها‭ ‬مدرسة،‭ ‬كما‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬إشارة‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬المبارك‭ (‬1399ه‭/ ‬1978م‭) ‬إليها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬حاضر‭ ‬البحرين‭)‬‭.‬

والمعروف‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭) ‬أنه‭ ‬هاجر‭ ‬من‭ (‬الدراز‭) ‬مسقط‭ ‬رأسه؛‭ ‬ليلتحق‭ ‬بمدرسة‭ (‬الشاخورة‭) ‬طالبًا‭ ‬فيها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬شيخها،‭ ‬بل‭ ‬شيخ‭ ‬البحرين‭ ‬الأكبر‭.‬

وقد‭ ‬ذكر‭ ‬السماهيجي‭ ‬في‭ ‬إجازته‭ ‬مدرسة‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬مدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬داود‭ ‬الجزائري‭ ‬البحراني،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬كتب‭ ‬كتبًا‭ ‬كثيرة‭ ‬بيده‭ ‬المباركة،‭ ‬ووقفها‭ ‬مع‭ ‬كتبٍ‭ ‬كثيرة،‭ ‬بخطّه‭ ‬وخطّ‭ ‬غيره،‭ ‬تقرب‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬مئة‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬ببيته‭ ‬بالجزيرة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬نصّ‭ ‬السماهيجي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المشهور‭ (‬منية‭ ‬الممارسين‭) ‬على‭ ‬تلقّي‭ ‬أستاذه‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ (‬الحجر‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬كتب‭ ‬التراجم‭ ‬بعض‭ ‬مدارس‭ (‬جدحفص‭)‬،‭ ‬ومنها‭ ‬مدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬داود‭ ‬بن‭ ‬شافيز،‭ ‬فإنّ‭ ‬‮«‬مدرسته‭ ‬هي‭ ‬المسجد‭ ‬المسمّى‭ ‬بمدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬داود،‭ ‬الشائع‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬عوامّ‭ ‬عصرنا‭ ‬بمدرسة‭ ‬العريبي‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬مدارس‭ ‬جدحفص‭ (‬مسجد‭ ‬السدرة‭) ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬العلامة‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬كمال‭ ‬الدين‭ (‬1091ه‭/ ‬1680م‭) ‬بأنه‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬العلم،‭ ‬ومجمع‭ ‬أولي‭ ‬الفضل‭ ‬والحلم‮»‬‭.‬

أمّا‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬المبارك‭ ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ (‬فاران‭)‬،‭ ‬نسبها‭ ‬للشيخ‭ ‬محمد‭ ‬الفاراني،‭ ‬ومدرسة‭ ‬في‭ (‬عالي‭)‬،‭ ‬ولم‭ ‬ينسبها‭ ‬لأحد،‭ ‬وثالثةً‭ ‬في‭ ‬كرزكان،‭ ‬قال‭ ‬إنّه‭ ‬رأى‭ ‬آثارها،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬مدرسةٍ‭ ‬في‭ (‬سَبْسَب‭) ‬خربت‭ ‬بخراب‭ ‬القرية‭.‬

وقد‭ ‬خلّد‭ ‬الأدباء‭ ‬البحرانيون‭ ‬أسماء‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬والمدن‭ ‬العلمية،‭ ‬التي‭ ‬استمرّ‭ ‬عطاؤها‭ ‬حتى‭ ‬وقتٍ‭ ‬متأخر‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬الهجري،‭ ‬ومن‭ ‬أولئك‭ ‬الأدباء‭ ‬الشاعر‭ ‬السيد‭ ‬خليل‭ ‬الجدحفصي‭ (‬1310ه‭/ ‬1892م‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬قال‭:‬

يا أبا أصبعٍ نعمتِ صباحًا     حيثُ كنتِ المحلَّ للأخيارِ

وسموتِ على قرايا أوالٍ       بسماحٍ ورفعةٍ وفخارِ

وكمالٍ وعزّةٍ وجلالٍ            وبهاءٍ وعفّةٍ ووقارِ

وعلومٍ وحكمةٍ وصلاحٍ        وانتصارٍ للدينِ واستنصارِ

كم تقيٍّ مهذّبٍ أريحيٍّ            طاهر الفرعِ فيكِ زاكي النجار

ما حوت مثلكِ المفاخر إلا       جدّحفصٍ لا نجدُ أو ذو قارِ

والديار التي تقاصر عمّا         قد حوته ذو النثر والأشعار

توبليٌّ لا أبعد الله عنّي            توبليًّا وليت كانت جواري

ما أرى غير ذي الثلاث ديارًا       منبع العلم معدن الأبرار

فعليها الصلاة تترى متى ما     قد تجلّت للناس شمس النهار

ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬نالت‭ ‬شهرة‭ ‬فاقت‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المدارس،‭ ‬فتحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬مركزية؛‭ ‬إما‭ ‬لوقوعها‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬البلاد‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬لوجود‭ ‬المرجع‭ ‬الديني‭ ‬للبلاد‭ ‬فيها،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أشهر‭ ‬تلك‭ ‬المدارس‭ ‬مدرسة‭ (‬البلاد‭ ‬القديم‭) ‬التي‭ ‬اتّخذت‭ ‬من‭ ‬مسجدها‭ ‬المعروف‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بـ‭(‬المشهد‭ ‬ذي‭ ‬المنارتين‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬يعرفه‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭ ‬بـ‭(‬مسجد‭ ‬الخميس‭) ‬مقرًّا‭ ‬لها،‭ ‬بوصفها‭ ‬المدرسة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬وفيها‭ ‬تقام‭ ‬مراسم‭ ‬تقليد‭ ‬القضاء‭ ‬وغيره،‭ ‬فلمّا‭ ‬قُلّد‭ ‬السيد‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬السيد‭ ‬عبد‭ ‬الرءوف‭ ‬الموسوي‭ ‬القضاء،‭ ‬والأمور‭ ‬الحسبية‭ ‬‮«‬أُفْرِغت‭ ‬عليه‭ ‬الخِلَع‭ ‬من‭ ‬الديوان،‭ ‬وذلك‭ ‬بالمشهد‭ ‬المعروف‭ ‬بذي‭ ‬المنارتين،‭ ‬من‭ ‬أوال‭ ‬البحرين،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ثالث‭ ‬عشر‭ ‬شهر‭ ‬صفر‭ ‬السنة‭ ‬السادسة‭ ‬بعد‭ ‬الألف‮»‬‭ .‬

ولأهمية‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة،‭ ‬يُنْقَل‭ ‬من‭ ‬يعيَّن‭ ‬في‭ ‬منصب‭ ‬مشيخة‭ ‬الإسلام‭ ‬إليها،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬البلاد‭ ‬القديم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وجدناه‭ ‬في‭ ‬ترجمة‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬الماحوزي،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬سكن‭ ‬البلاد‭ ‬القديم،‭ ‬وبها‭ ‬توفي،‭ ‬وكان‭ ‬الأكثر‭ ‬إذا‭ ‬انتهت‭ ‬الرئاسة‭ ‬لأحد‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أهل‭ ‬البلاد‭ ‬القديم،‭ ‬ينقله‭ ‬أهل‭ ‬البلاد‭ ‬إليها؛‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬هي‭ ‬عمدة‭ ‬البحرين،‭ ‬ومسكن‭ ‬الملوك‭ ‬والتجّار،‭ ‬والعلماء‭ ‬وذوي‭ ‬الأقدار‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة،‭ ‬حين‭ ‬حاقت‭ ‬بالبلاد‭ ‬القديم‭ ‬الأخطار،‭ ‬وصار‭ ‬تركيز‭ ‬الغزوات‭ ‬عليها،‭ ‬بوصفها‭ ‬عاصمة‭ ‬البحرين‭ ‬السياسية،‭ ‬تخلّت‭ ‬مدرسة‭ (‬البلاد‭ ‬القديم‭) ‬عن‭ ‬ريادتها،‭ ‬وحلّت‭ ‬محلّها‭ ‬مدرسة‭ (‬الشاخورة‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬حين‭ ‬جعل‭ ‬المرجع‭ ‬الديني‭ ‬الأكبر‭ ‬يومذاك،‭ ‬أعني‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭) ‬من‭ ‬بيته‭ ‬مقرًّا‭ ‬لتلك‭ ‬المدرسة،‭ ‬وقد‭ ‬اجتمع‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬جماعة‭ ‬كثيرة،‭ ‬يطول‭ ‬ذكرهم‭… ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬وقبله‭ ‬عامرةً‭ ‬بالعلماء‭ ‬الأعلام‭ ‬الأنجاب،‭ ‬والمشتغلين‭ ‬والطلاب،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬الكثيرة‭ ‬والخراب‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬تخرّج‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬هذه‭ ‬عدد‭ ‬كبيرٌ‭ ‬من‭ ‬العلماء،‭ ‬أحصى‭ ‬فاضل‭ ‬الزاكي‭ ‬منهم‭ ‬ثلاثين‭ ‬واثنين،‭ ‬شارك‭ ‬جلّهم‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬العلمية‭ ‬بما‭ ‬صنّفوا‭ ‬من‭ ‬كتبٍ‭ ‬ورسائل‭ ‬في‭ ‬صنوف‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭. ‬

وبعد‭ ‬مقتل‭ ‬الشيخ‭ ‬حسين‭ ‬العصفور‭ ‬سنة‭ (‬1216ه‭/ ‬1801م‭)‬،‭ ‬واضطرار‭ ‬الفقهاء‭ ‬من‭ ‬أولاده‭ ‬وغيرهم‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬البحرين،‭ ‬نقل‭ ‬تلميذه‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الستري‭ (‬1267ه‭/ ‬1850م‭) ‬المدرسة‭ ‬المركزية‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ (‬الخارجية‭) ‬في‭ ‬سترة؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الستري‭ ‬يومئذٍ‭ ‬عالم‭ ‬البحرين‭ ‬الأبرز،‭ ‬وشيخها‭ ‬الأكبر،‭ ‬فاجتمع‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭.

نصوص متوحشة

مقدمة

كما لا توجد جريمة من غير مجرم ولا فساد من غير مفسد، فإنه لا يوجد توحش من غير وحش، والوحش هو هذه النصوص ومدارسها التي تبيح القتل وتأمر بالقتل من دون رادع نقدي، أو قراءة تاريخية أو قطيعة معرفية.

في هذا الكتاب أحاول قراءة نصوص التكفير قراءة تاريخية في ثلاث بيئات سياسية استخدمت التكفير ضد أعدائها، بيئة السلطة السلجوقية (القرن الخامس الهجري) من خلال نصوص الغزالي، وبيئة سلطة الموحدين (القرن السادس الهجري) من خلال نصوص ابن تومرت، وبيئة سلطة المماليك (القرن الثامن الهجري) من خلال نصوص ابن تيمية.

لماذا نفتح نصوص التوحش في تراثنا الآن؟ لأن هناك «وحشًا» يسرق وجوهنا، باسم الدين والخلافة الإسلامية والمدارس الإسلامية، والأئمة الإسلاميين. يعتبرنا هذا الوحش أعداء يجب قتلهم وسبيهم، وينظر إلى ممارساته هذه كعبادة كما سائر العبادات، من حيث كون التكفير شعيرة دينية.

لقد أجاب الفيلسوف المسلم (عبد النور بيدار) إجابة دقيقة عن هذا السؤال في خطابه الصادم الذي وجهه للعالم الإسلامي: “رسالة مفتوحة إلى العالم الإسلامي”.

يقول في ختامها: «وإذا كنت تريد أن تعرف كيف لا تنجب مستقبلًا مثل هذه الوحوش، فسأقول لك إنّ الأمر بسيط وصعب في الوقت نفسه. لا بدّ أن تبدأ بإصلاح التعليم الذي تعطيه أطفالك برمّته، أن تصلح كلّ مدرسة من مدارسك، وجميع أمكنة المعرفة والسلطة.. هذه وسيلتك الوحيدة كي لا تُنجب مثل هذه الوحوش، … وحين انتهائك من هذه المهمّة الضخمة… فإنّه لا يمكن لأيّ وحش حقير أن يأتي لسرقة وجه”.

مع الأسف، حاضرنا ينتج مثل هذه الوحوش ومستقبلنا يعد بها، وماضينا ما زال هو نفسه حاضرنا ومستقبلنا، ما زال ابن تيمية يُدرّس نصوصه في أمكنة المعرفة (المدارس والجامعات) في عالمنا الإسلامي، وفي أمكنة السلطة يعقد ابن تيمية تحالفاته، حتى صارت كتب فتاويه دستورًا يحكم وفقها ملوك السلطة وولاة الأمر، والجماعات القاتلة.

وجوهنا مسروقة ومشوهة وقاسية وقبيحة بسبب هذا الوحش، لن تجدي معنا عمليات التجميل والترقيع، ولن تتمكن شركات العلاقات العامة مهما ملكت من أساطين الإعلام وأساطيره، من تحسين صورة وجوهنا الكالحة، لا بدّ من قتل الوحش وتفكيك أدواته الفتّاكة بنا.

ذهبت إلى نصوص التوحش لأفكك متفجرات هذا الوحش العابرة للزمان والمكان، في هذه الرحلة سمعت أصوات فتاويه في جبال كسروان (1303م)، كما سمعتها وهي تدوي في القديح (2015) في مسجد الإمام علي بن أبي طالب، وسمعتها (2015) في مسجد العنود بالدمام، والبقية تنتظر.

علي الديري

بيروت، 31 مايو/ أيار 2015

التكفير بين رجل الدولة ورجل الملة

الفرضية التي ننطلق منها في هذه الدراسة، يمكن صياغتها في هذه الجملة المختصرة: الوحش يكمن في (أرثوذكسية السنة السلجوقية) هذا هو الوحش الذي يسرق وجوهنا.

نحاول عبر هذه الفرضية تفسير السياق التاريخي والسياسي الذي مكّن نصوص التوحش من أن يكون لها شرعيتها الدينية ومكنها من تثبيت أطروحاتها ضمن الحس الإسلامي العام، كيف صار التكفير موضوعًا سياسيًا، يشرعنه الفقهاء (رجل الملة) ضمن أجهزة الخلافة الإسلامية (رجل الدولة).

تربط هذه الفرضية نصوص التوحش بحركة السلاجقة ووصولهم إلى بغداد (447 هـ/ 1055م) وهذا الربط لا يعني أن التكفير موضوع استجد في القرن الخامس الهجري، فالأمر يعود إلى القرن الأول الهجري، لكن هذه الفترة المبكرة ليست ضمن نطاق اهتمام هذه الدراسة، من جانب ومن جانب آخر، نظن أن التكفير صار سياسة ممنهجة ضمن إدارة الدولة ومصالحها، في القرن الخامس الهجري، وأعني بالسياسة الممنهجة هنا أنه صار جزءًا من سياسة الدولة واستراتيجيتها أو تدبيرها حسب تعبير (الماوردي) مؤلف الآداب السلطانية وسفير الخليفة العباسي للسلاجقة قُبيل دخولهم بغداد، وهذا ما أثبته منظر السياسة السلجوقية نظام الملك في كتابه (سياسة نامه) الذي اعتبر دستورًا للدولة السلجوقية.

هذا لا يعني أن السلاجقة اخترعوا التكفير، أو المعنى الأحادي لمفهوم سنة النبي، فقبل أن يدخلوا إلى بغداد كان هناك المعتقد القادري الذي هو النموذج الرسمي المقنن للمعتقد الصحيح لسنة النبي، ففي سنة 408هـ /1017م يقول ابن الأثير: «استتاب القادر بالله المعتزلة والشيعة وغيرهما من أرباب المقالات المخالفة لما يعتقده من مذاهبهم، ونهى من المناظرة في شيء منها، ومن فعل ذلك نكل به وعوقب». لقد أصدر الخليفة العباسي القادر ما عُرف بـ (الاعتقاد القادري) وهو مرسوم يحدد مفهوم الألوهية والصفات والأسماء المثبتة لله، ومفهوم الإيمان والكفر، والاعتقاد الواجب اتجاه الله واتجاه الصحابة.

الدفاع عن السنة القادرية

وجد السلاجقة أن مهمتهم في الدفاع عن الإسلام والسنة، تتمثل في تبني هذا الاعتقاد والدفاع عنه، كان هذا المعتقد يُخرج ويقرأ على الناس في المشاهد والمجامع العامة، وفي المساجد والجوامع، وعند حدوث الاضطرابات والنزاعات العقدية بين الفرق والمذاهب. اعتبر هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر.

تمّ إسكات جميع الأصوات المختلفة خصوصًا أصوات المعتزلة والشيعة، والمدارس الّتي أُنْشِئت منذ العصر السلجوقي، وهي المدارس النظامية، والمدارس النورية في عهد نور الدين زنكي، ومدارس صلاح الدين الأيوبي، كلّ هذه المدارس تكاد لا تخرج على هذا المعتقد «الأرثوذكسي»، ولا مكان فيها للفلسفة وعلم الكلام أو لتدريس المذاهب المختلفة، لم يخرج عن ذلك غير مدارس قليلة مثل المدارس التي عرفتها مصر في العهد الفاطمي، قبل أن يأتي صلاح الدين ويغلقها.

لقد عملت الدولة الزنكية والدولة الأيوبية باعتبارهما امتدادات مباشرة للدولة السلجوقية، على نشر (أرثوذكسية السنة السلجوقية) على جغرافيا أوسع، امتدت إلى الشام ومصر.

خلف خارطة هذه المدارس والاتجاهات الكلامية والفقهية يكمن التاريخ السياسي، كما عبر عنه ياسين عبد الجواد «نجد التاريخ السياسي كامنًا خلف تاريخ العقيدة والفقه والأصول».

معنى الأرثوذكسية

يعتبر المفكر الجزائري محمد أركون، أول من استخدم مصطلح تفكيك «الأرثوذكسية» في قراءته للتراث الإسلامي و«الأرثوذكسية» في معناها الحرفي تشير إلى الطريق المستقيم؛ بما يتقاطع مع مفهوم الفرقة الناجية. والطريق المستقيم هو بمثابة السنّة الصحيحة، أي طريق النبي. في الحضارة الاسلامية اعتُبِر المذهب السنّي على الطريقة الأشعرية، ووفق المذاهب الفقهية الأربعة هو الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يخضع له الجميع، فتم فرضه عبر سلطة الخلافة الإسلامية.

دعا أركون إلى تفكيك هذه الأرثوذكسية، أي تفكيك النصوص الّتي تدّعي أنها وحدها تمثل الإسلام الصحيح. والمُراد من تفكيكها هو إعادة إنتاجها، بعد تفكيك السياقات السياسية والتاريخية الّتي تقوم عليها، وهذه الأرثوذكسية ليست سنية فقط، فهناك النسخة الشيعية أيضًا. لكن السنية هي التي حكمت العالم الإسلامي بمجمله لأنها كانت تمثل الخلافة المركزية وهي التي تحكمت وصاغت الحس الإسلامي بشكل عام.

احتاج السلاجقة إلى جيش من الفقهاء والقضاة والعلماء والخطباء والمحدثين، لتثبيت مهمتهم الدينية المتمثلة في الدفاع عن السنة وتثبيت (الأرثوذكسية السنية السلجوقية) وهم وجدوا أن هذه المهمة تعطي لوجودهم شرعية وتعطي لحروبهم ضد أعداء الخلافة العباسية شرعية مضاعفة.

السلاجقة المعروفون بأنهم جماعات قتالية، أخذتهم شهوة الجهاد، وأعطوا لـ(السنة) مفهوما أحاديًا وقطيعًا لا يقبل التعدد والاختلاف، صارت (السنة) أيديولوجيا جهادية، مشبعة بشهوة القتل وغريزة التوحش.

 تكفير الباطنية

لقد وصل السلاجقة إلى قصر الخلافة في بغداد قبل بدء الحروب الصليبية (1098م) بأربعة عقود تقريبًا، فبعد القضاء على دولة البويهيين في العراق دخل طغرل بك السلجوقي بغداد في 25 رمضان 447 هـ/23 ديسمبر/كانون الأول 1055م.

وقبل أن يجدوا في الصليبيين العدو الذي يهدد الإسلام والخلافة الشرعية، وجدوا ذلك في الباطنية، وحين بدأت الحروب الصليبية تمّ توسيع دائرة العدو، فألحق الباطنية بالصليبيين، وتم تعميم صورة أكثر تشويهًا للفاطميين، فاعتبروا خونة وحلفاء مع الصليبيين وسببًا في هزيمة المسلمين واحتلال بيت المقدس.

صار الجهاد هو القيمة الأكثر حضورًا فترة الحكم السلجوقي وما انبثق عنه من حكم الزنكيين والأيوبيين، وصارت الأرثوذكسية السنية كما تبناها هؤلاء هي الأيديولوجيا المعبرة عن فكرة الجهاد، فصار قتال الصليبيين والباطنية مهمة جهادية أولى، أعطت شهوة الجهاد عند المقاتلين الأتراك لـ (السنة الصحيحة) مفهومًا قاطعًا كحد السيف، لا يقبل التعدد والاختلاف، فراحوا يوحدون الجغرافيا والأفكار والعقائد.

هكذا تداخلت العملية العسكرية مع العملية الدينية عبر تجيير جيش من العلماء والقضاة والمحدثين والفقهاء وكتاب التاريخ، ليكتبوا بأقلامهم حدود العداوة والتكفير التي رسمها سيف الجهاديين الذين كانوا حماة الخلافة الإسلامية وشوكتها كما عبر الغزالي.

لقد خلعت (الأرثوذكسية السنية السلجوقية) مدعومة بالسلطة السياسية (السلاجقة، الزنكيون، الأيوبيون) كل المعاني التأثيمية على كلمة (باطني)، وصار معنى السنة يتوضح بمعارضته لمدلول (الباطنية) التي صارت تدل على معانٍ متعددة وربما متضاربة من نحو: كافر، مرتد، منافق، إسماعيلي، فاطمي، شيعي، رافضي، يضمر الشر للإسلام، معادٍ للسنة، يكفر الصحابة، عدو، خائن، متهتك، ضال، مبتدع.

مع السلاجقة بدأت حملة موسعة (دينية، سياسية، إعلامية) ضد الإسماعليين والفاطميين الخصوم السياسيين والعقائديين للخلافة العباسية، وجرى تثبيت مفهوم السنة كأحد أسلحة المواجهة. هكذا تم تحويل الفاطميين والإسماعيليين والشيعة والمعتزلة والجهمية كأعداء واعتبرت الجغرافيا التي يسكنون فيها دار كفر، لأنها خارجة عن ولاية الخليفة الشرعي العباسي الذي يمثل الإسلام الصحيح.

الكافر بالخليفة

 التكفير مسألة سياسية بوجه ديني، ماذا يعني هذا؟ يعني أن التكفير صراع حول السلطة أو حول شرعيتها، والتكفير هو عقوبة سياسية للمعارضين للخليفة الذي يتمكن من فرض سيطرته (صاحب الشوكة)، وهذا يحيلنا إلى الاختلاف حول من هو خليفة المسلمين: من هو الخليفة صاحب الشرعية؟ وهو السؤال الأول الذي طرح منذ وفاة النبي (ص)، وهذا ما سجله لنا أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) «وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم (ص) اختلافهم في الإمامة» وقاد هذا السؤال إلى الاختلاف حول الخليفة الأول ومقتل الخليفة الثاني والثالث والرابع، ولاحقًا إلى دويلات متعددة وحروب كبرى داخلية في الحضارة الإسلامية. ويستمر طرح السؤال نفسه: من هو خليفة النبي محمد؟ هل هو الإمام علي أم إنه أبو بكر، هل هم الأنصار؟ هل هم الأمويون؟ هل هو شخص من خارج قريش؟ هل هو شخص من قريش؟ هل هم العباسيون؟ هل هم الفاطميون؟ هل هم الصفويون؟ هل هم العثمانيون؟ هل هو أبو بكر البغدادي؟

الخلاف على تحديد الخليفة، أوجد الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، وقد دفع بهذه الفرق للاستناد إلى النصوص الدينية لتؤكد صوابية خياراتها ومواقفها: من هو الأحق في حكم المسلمين؟

التكفير عقوبة سياسية

النصوص المتوحشة أنتجت في سياقات تاريخية سياسية كانت تتصارع حول شرعية الخليفة، كما أن إعادة إحيائها من جديد في العصر الحديث فرضتها ظروف سياسية أيضًا. على سبيل المثال، كتاب الغزالي (فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية) هو كتاب تكفيري وتقتيلي، كتبه ليقدم بيانًا تأصيليًا يجعل من الخليفة العباسي مكلفًا شرعًا بقتل الفاطميين الذين لم يكونوا يقرون بشرعية الخليفة العباسي المستظهر في بغداد، كتب الغزالي كتابه في بلاط الخليفة 488هـ، وكما يقول في مقدمته أريد أن «أخدم المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية … بتصنيف كتاب في علم الدين أقضي به شكر النعمة وأقيم به رسم الخدمة» وليس هناك خدمة ممكن أن يقدمها عالم الدين للخليفة أكثر من تأليف كتاب يظهر فضائله ويكفر أعداءه ويشرح له وجوب قتلهم وقتل نسائهم وأطفالهم.

كل ذلك، كان يتم برسم خدمة الشريعة التي كانت برسم خدمة السياسة أو بدوافعها كما يقول الجابري “أزمة الثقافة العربية كانت -باستمرار-سياسية في دوافعها”

ثقافة التوحش

لقد صاغت أسماء كثيرة خطاب التكفير في ثقافتنا، منهم الغزالي في كتابه (فضائح الباطنية) و(الاقتصاد في الاعتقاد) وابن تومرت في كتابه (أعز ما يطلب) وابن تيمية في كتابه (العقيدة الواسطية) ولعل هذا الكتاب أهونها، فمجمل كتبه مبنية على خطاب التكفير. وهناك تلميذ ابن تيمية وهو ابن القيم الجوزية (ت 751هـ/1175م) وقصيدته (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) المشهورة بالقصيدة النونية، مكونة من (5769 بيتًا) ينتصر فيها -كما يقول محققها- لعقيدة السلف الصالح، ويرد فيها على مخالفيهم، وينقض حججهم ويكشف شبهاتهم وتمويهاتهم “لم يدع الناظم – رحمه الله – أصلًا من أصول عقيدة السلف إلا بينه، وأفاض في ذكره، ولم يترك بدعة كبرى أو مبتدعًا خطيرًا إلا تناوله ورد عليه؛ فغدا هذا الكتاب – النظم – أشبه ما يكون  بالموسوعة الجامعة لعيون عقائد أهل السنة، والرد على أعدائها من جهال وضلال وأهل أهواء”

تتوافر القصيدة على الانترنت على شكل ملفات صوتية متعددة الألحان، وهي بمثابة النشيد الحربي ضد الفرق والطوائف والمذاهب. ولعل الحاجة لها اليوم أشد من الأمس، في نظر المحاربين العقائديين.

يقول ابن القيم في قصيدته:

وكذا ابن سينا والنصير نصير أهـ ـل الشرك والتكذيب والكفران
وكذاك أفراخ المجوس وشِبههم والصابئين وكل ذي بهتان
إخوان إبليس اللعين وجنده لا مرحبًا بعساكر الشيطان

هذه النماذج من المعتقدات هي نسخ مبيضة من مسودة الاعتقاد القادري، وما زالت المسودة تُبيض وتصقل وتزداد توحشًا، لتكون رأس حربة قاتلة في المعارك السياسية.

العبور نحو الدولة الحديثة، البحرين ما بين 1919م – 1939م

العبور نحو الدولة الحديثة، البحرين ما بين 1919م – 1939م
المؤلف: رملة عبدالحميد
عدد الصفحات: 357
تاريخ الإصدار: 2015
الناشر: مركز أوال للدراسات والتوثيق

مقدمة الكتاب

التاريخ ليس سردا، بقدر ما هو تأمل وعبرة، واستنطاق للمستقبل، التاريخ كاشف لآثار مضت، مخلدا لحراك شعوبا وأمم، بعض من حوادث التاريخ حركها قادة افذاذ وأصحاب جرأة واقدام، وبعضها كان محورها جماعات أبت ان الا تضع بصمتها على تاريخها ليكون عابرا لأجيالها، جزءا من التاريخ ساكن أو يتحرك ببطء، وآخر منه ثائر كأمواج البحر العاتية، سنون مشتعلة، وسنون ميتة، بعضها مثير وأخرى مؤلمة قاسية، لكن من يحرك الحدث ومن يصنعه؟؟

تاريخ البحرين، هو تاريخ شعب سكن هذه البقعة الجغرافية منذ الخليقة، تفاعل الانسان البحريني مع البحر الذي هو قدره، فكان مده وجزره، بمثابة وثوبه وتعثره، انفتح على العالم بمد البحر وسعة أفقه، تطلع لما ورائه، عبره بشق الانفس ليرى من حوله، وغاص في اعماقه لكي يعيش، عانق النخلة حيث استقى منها الاستقرار والعلو والشموخ والعزة التي دفع من اجلها الكثير ليبقى، هو الانسان البحريني في كل مرحلة من تاريخه يطمح نحو التغيير، يقفز الى مرحلة جيدة يرويها بدمه وصبره.

1919م – 1939م، مرحلة جديدة بناها البحريني لينتقل من القبيلة الى الدولة، وبفضل حراكه انطلقت البحرين نحو الحداثة والتنظيم والتطور، ففي الجانب السياسي، انتقلت البحرين من النظام القبلي التقليدي إلى الحكم المركزي القائم على أساس التنظيم الإداري والمالي، وتشكيل المجالس البلدية المنتخبة، كما إنها فترة سياسية مضطربة عرفت فيها البحرين المعارضة السياسية بشكليها السلمي والثوري. أما الجانب الاقتصادي فقد شهدت البحرين انتكاسة الغوص، بظهور النفط الذي غيّر مجرى الحياة الاجتماعية من حيث تغير في أنماط العيش والتفكير الناتجان عن الوفرة المالية والتنمية البشرية والاحتكاك بالعمالة الأجنبية المرتبطة بالنفط. وفي المجال التعليمي والثقافي، أٌنشئت لأول مرة المدارس النظامية في البحرين، والتي بدأت بإدارة أهلية ثم خضعت للحكومة، ومع النهضة التعليمية انطلقت الأندية الأدبية الثّقافية والرياضية، وبرزت الصحافة، والمجالس الأهلية، والمسارح الفنية.

الكتاب هو دراسة تاريخية للأوضاع السياسية، والثّقافية، والاجتماعية والاقتصادية للبحرين خلال الفترة الممتدة من 1919م – 1939م، وهي فترة مهمة في تاريخ البحرين، وذلك تشجيع المهتمين بتاريخ المنطقة على البحث والاستقصاء. ما يدفعنا هو حسنا الوطني نحو البحث عن الحقيقة حول تاريخ الوطن، والمساهمة الجادة في تزويد المكتبة العربية بالدراسات العلمية التي تتناول تاريخ البحرين الحديث.

جريدة الأخبار: ديفيدسون: انهيار ممالك النفط

صحيح أنّ عرض النسخة الأصلية من أي كتاب أفضل من عرض ترجمته. لكن بما أن صحيفة «الأخبار» نشرت عرضاَ لـ «ما بعد الشيوخ – الانهيار المقبل للمالك الخليجية» في قسمها الإنكليزي الرقمي عندما صدر عام 2013، فمن الضروري عرض النسخة العربية، لكن من دون العودة إلى النسخة الإنكليزية وعقد مقارنة أو البحث عن أخطاء محتملة.

الكاتب، أستاذ العلوم السياسية في «جامعة درهام» البريطانية عاش سنوات في إمارة رأس الخيمة، الفقيرة مقارنة بالإمارات الأخرى التي تشكل دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد اشتهر ديفيدسون عالمياً بعدما ثبتت صحة توقعه انهيار دبي المالي (الفقاعة) عام 2009.

في هذا المؤلف، يؤكد الكاتب أن دول الخليج العربي، العضو في مجلس التعاون ستنهار في غضون سنتين إلى خمس سنوات. هو لم يقصد اختفاءها وإنما انهيار شكل الحكم فيها، العشيري المطلق، وحل مكانها نظم ديمقراطية على الطراز الغربي. حسناً، ها قد مرت سنتان، وعلى من يود مناقشة صحة هذا التنبؤ انتظار عام 2017.

تنبؤ ديفيدسون قائم على حسمه بأن النفط والغاز، اللذين يشكلان عصب الاقتصاد في تلك الدول، سينضبان ما يقود بالتالي إلى عدم تمكن الحكومات المعنية من رشوة مواطنيها كي يقبلوا بالنظم السياسية القائمة التي تعود إلى ما قبل التاريخ – دوماً بحسب الكاتب، وسيفرضون واقعاً جديداً يمكن كل مواطن من المشاركة في حكم البلاد وتقرير مصير ثرواتها، أو ما قد يتبقى منها بالأحرى. لكن المشاكل الأخرى التي تواجه تلك البلاد، ومنها، على سبيل المثال، البطالة بين الشباب، ستسهم في سقوط تلك الأنظمة التي ستصاب بعدوى الربيع العربي.

ثبتت صحة توقع الكاتب بانهيار
دبي المالي
عام 2009

بصرف النظر عن مدى صحة تنبؤ الكاتب بمآل دول الخليج، والأفقر منها في المقام الأول، فإن عمله هذا ثروة حقيقية لمن يبحث في بنية المجتمعات في تلك الدول والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. هنا يظهر تألق الكاتب العلمي، لكن من دون الاختلاف معه في وصفه طبيعة الأنظمة الخليجية.

التنبؤات بقرب سقوط الدول الخليجية، قديمة بقدم تلك الدول. تلك التنبؤات لم تأخذ في الاعتبار مقدرة حكامها على تحويل العلاقات والتقاليد الاجتماعية إلى مؤسسات، واستفادتهم من الثروات الوطنية لتمكين حكمهم المطلق، مع تأكيد تباين درجات القمع، أو الحريات، بين دولة وأخرى. الحريات المتوافرة في الكويت تعتبر ثورية بمقياس الخليج، والتباين السكاني المذهبي لم يسقط حكومة البحرين حيث قامت السعودية بغزوها دعماً لحكامها. كما وجب عدم نسيان دور واشنطن واستخباراتها في المحافظة على تلك الأنظمة. التغير سيحدث، شاء من شاء وأبى من أبى، لكن من دون الغوص في تحديد تواريخ. اللجوء إلى السلاح لحل مشاكل تلك الدول سيسرع حتماً في انهيارها، مع تمنياتنا أن تتمكن شعوبها من الانتقال سلمياً إلى نماذج حكم حداثية.

رابط الموضوع

مركز “أوال”يترجم كتاب “ما بعد الشيوخ”

مرآة البحرين (خاص): أعلن مركز “أوال” للدراسات والتوثيق، عن تدشين النسخة العربية من كتاب “ما بعد الشيوخ: الانهيار المقبل للممالك الخليجية”، للبروفيسور “كريستوفر ديفيدسون”، أستاذ التاريخ والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، المتخصص في دراسات الشرق الأوسط بجامعة درهام بالمملكة المتحدة.

وكان ديفيدسون قد أعلن هو أيضا، من على حسابه في تويتر، عن صدور النسخة العربية من كتابه، عن مركز “أوال” للدراسات والتوثيق. وقال في مقدّمة الكتاب إنه يصادق على هذه الترجمة الرسمية آملا أن تساعد في إيصال أفكار الكتاب إلى شريحة أكبر وأكثر نقدًا من القراء.

ويدشّن الكتاب في جناح المركز بمعرض بيروت الدولي للكتاب، غدا الثلاثاء 2 ديسمبر/كانون الثاني، الساعة السادسة والنصف عصرا.

ما بعد الشيوخ

وأثار كتاب “ما بعد الشيوخ”الذي صدر لأول مرة في العام 2012 جدلا واسعا حين توقّع انهيار الممالك الخليجية قريبا، وهو أول بحث أكاديمي معتبر يخرج بهذه التوقع المثير. وقد صدرت طبعته الأولى عن مطبعة “هيرست” ومن ثم مطبعة جامعة “أكسفورد”.

وقد صنّف الكتاب على رأس قائمة مجلة “فورين بوليسي” لأفضل 20 كتابا عن الشرق الأوسط في العام 2012. كما كتبت عنه الكثير من المراجعات والمقالات في الصحف الدولية والعربية، مثل صحيفة “الإيكونومست”، وصحيفة “الإندبندنت”، و “الغارديان”، كما اقتُبِسَت بعض أقسام الكتاب ونشرتها مجلتا “فورين أفيرز”، و “فورين بوليسي”. وقد صدرت نسخة باللغة الفارسية عن الكتاب في وقت سابق من هذا العام.

وتصدّى لترجمة النسخة العربية من الكتاب الشهير، مركز “أوال” للدراسات والتوثيق، وهو مركز دراسات بحريني مقره لندن- بيروت، ويعنى بقضايا البحرين والخليج.

وبعد تأليفه هذا الكتاب العام الماضي، بات ديفيدسون مؤلفا معروفا في العالم العربي، كما طلبت تعليقاته وتصريحاته من وكالات الأنباء ووسائل الإعلام في العديد من التقارير الإخبارية التي تخص التطورات السياسية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج تحديدا.

وديفيدسون، خبير سياسي وتاريخي واقتصادي في شؤون دول الخليج، كان قد توقع في مقال له الكارثة الاقتصادية التي حلت بدبي في عام 2009 قبل حدوثها بأشهر قليلة.

وقد نشرت “مرآة البحرين” مقالين لديفيدسون في سياق الكتاب ذاته، أحدهما كتبه في صحيفة نيويورك تايمز، والآخر في صحيفة فورين بوليسي.

ما بعد الشيوخ: انهيار هذه الممالك سيحدث كما كان يحدث دائما

ويقول ديفيدسون، في كتابه إنه “برغم نشر الكثير من النعي للممالك التقليدية (الخليجية) إلا أن تلك الأنظمة القروسطية المطلقة لا تزال تشكل المعضلة السابقة نفسها، حيث تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها المعاقل الحقيقية الوحيدة للاستقرار في الشرق الأوسط”، متوقعاً أن “انهيار هذه الممالك سوف يحدث كما كان يحدث دائم”.

ما بعد الشيوخ

ويضيف ديفيدسون أنه “في حين أن الحركات الثورية في شمال وفريقيا وسوريا، ستعمل ـ من دون شك ـ كمحفز هام وغير مباشر للزلزال المقبل، فإن العديد من الضغوط الاجتماعية / الاقتصادية نفسها التي سببت الثورات في الجمهوريات العربية، أصبحت الآن موجودة في ممالك الخليج”، موضحا أن “الأمر ببساطة لم يعد مسألة: (هل) ولكن (متى) ستنهار تلك الممالك الحليفة بقوة للغرب”.

ديفيدسون في مقدمة النسخة العربية: نقاشاتي في 2013 أثبتت اليوم صحتها

وفي مقدّمة الكتاب، التي حصلت عليها “مرآة البحرين”، قال ديفيدسون إنه “مما لا شك فيه أن الكثير قد تغير منذ نشر الإصدار الأول للكتاب، في ظل الاضطرابات غير المسبوقة التي ما زالت تواجهها منطقة الخليج، والعالم العربي في أعقاب ثورات الربيع العربي في العام 2011”.

وأوضح أنه “على الرغم من أن الهدف من كتاب “ما بعد الشيوخ” لم يكن يومًا التنبؤ بكرة بلورية، إلا أنني مدرك تمامًا أن الكثير من النقاشات التي طرحتها في بداية العام 2013، أثبتت اليوم صحتها للأسف”.

وقال إن المحاولات التي قامت بها هذه الأنظمة لــ “احتواء” النسخة الخليجية من الربيع العربي اليوم بشكل ملحوظ، أدت إلى اعتماد سياسات قمعية هائلة، وغير مسبوقة، مع انتشار الاعتقالات السياسية في المملكة العربية السعودية، والبحرين، والكويت، وحتى في الإمارات العربية المتحدة.

وقال ديفيديسون إنه يمكن اليوم، لأي تغريدة ناقدة “أن ترمي مواطنًا خليجيًّا شابًا خلف القضبان. وقريبًا، سيكون لنشوء “الدول البوليسية” في الخليج، في فترة التحديث السريع، وتكنولوجيات الاتصالات القوية الجديدة، نتائج خطرة على العقود الاجتماعية وصيغ الشرعية للحكام المتعددين”.

مردفا “ويمكن أن تكون استراتيجية “تشويه سمعة” المعارضة، التي ناقشناها في “كتاب ما بعد الشيوخ”، هي الأكثر خطورة، فهي تتفاقم حتى تكاد تخرج عن السيطرة، في ظل تحريض كل من البحرين، والمملكة العربية السعودية، بشكل فاعل، على النزاع الطائفي”.

وعلى الصعيد الاقتصادي قال ديفيدسون إنه “قريبًا جدًا، ربما في الأشهر القليلة القادمة، سنرى أن الكثير من الممالك الخليجية ستضطر إلى خفض المعونات وغيرها من عمليات نقل الثروات إلى مواطنيها – وهو حدث هام سيكون له تأثير عميق ونهائي، على الأغلب، في شرعية الممالك الخليجية وشعبيتها”.

رابط الموضوع

10 آلاف وثيقة عن البحرين

بمناسبة يوم الأرشيف العالمي يتيح مركز أوال للمهتمين 10 آلاف وثيقة عن البحرين

مرآة البحرين (خاص): يعتزم مركز أوال للدراسات والتوثيق فتح أبوابه لأول مرة لاستقبال الزائرين يومي الإثنين والثلثاء 8-9 يونيو/حزيران بين الساعة 10 صباحاً و6 مساءً، وسيعرض خلال هذه الفترة للجمهور أكثر من 10 آلاف وثيقة تختص بفترة قانون الطواري (قانون السلامة الوطنية) من منتصف مارس/آذار 2011 لغاية أواخر مايو/أيار 2011، وذلك كمشاركة من المركز في يوم الأرشيف العالمي.

ومركز أوال للدراسات والتوثيق هو مؤسسة بحرينية، أنشئت في العاصمة البريطانية لندن في 2013، ويعنى بقضايا الخليج عامةً والبحرين بشكل خاص، ويهدف إلى “حفظ الذاكرة الوطنية البحرينية عبر توثيق كل المستندات الورقية والإلكترونية المتعلقة بهذه الذاكرة، ومواكبة الأحداث المستجدة أولاً بأول”.

ويهدف مشروع التوثيق والأرشفة وفق ما يقول العاملون في مركز أوال إلى “مساعدة كل باحث ومتخصص وطالب معرفة، في الوصول إلى الوثائق والمصادر المتعلقة بالبحرين للاستفادة منها في مختلف المجالات”، قائلين إنهم يبتعدون عن “الانتقائية في توثيق الوقائع لتأسيس ذاكرة بحرينية بعيدة عن التنميط والمثالية”.

واستطاع المركز حتى الآن من أرشفة أكثر من 22 ألف وثيقة، شملت ملفات مختلفة لتوثيق الحراك البحريني أهمها “فترة السلامة الوطنية، انتخابات 2014، اعتقال الشيخ علي سلمان، محاكمة جمعية الوفاق، وغيرها من الملفات”، كما ويتابع المركز المستجدات على الساحة البحرينية لتوثيقها بشكل مستمر.

وسيستقبل مركز أوال للدراسات والتوثيق ابتداءً من نهار الأحد 7 يونيو/حزيران الجاري، طلبات المهتمين والباحثين على بريده الالكتروني وحساباته في موقع التواصل الاجتماعي كما هو مبين أدناه.

رابط الموضوع

علي الديري: “أخطر حتى من داعش” رحلة مثيرة في نصوص متوحشة

جريدة الجريدة: فكرتان رائجتان اليوم حول نشأة تنظيم «داعش» الإرهابي. «إنه رد على تحديات عصرنا». هذه واحدة من الأفكار التي يدافع عنها أحد أبرز الفلاسفة السياسيين إثارة للجدل في عصرنا فرانسيس فوكوياما. لكن ماذا لو أنها لم تكن كذلك، وكانت «داعش» على العكس تماماً فكرة عميقة الجذور وأبعد زماناً من زماننا بكثير. على الأقل، هذا ما يدافع عنه الناقد د. علي الديري الذي انتهى حديثاً من رحلة بحث غاص فيها في عشرات بل مئات الوثائق والمصنفات التي تمثل ما يمكن اعتبارها نصوصاً مؤسسة للفكر الإرهابي. إنها «النصوص المتوحشة» أو نصوص التوحش التي تستند إليها حركات التطرف كافة في تأصيل فكرها ومنهجها الدمويّ. وهي نفسها عنوان الكتاب الذي دوّن فيه خلاصات هذه الرحلة البحثية الشاقّة والصادر حديثاً (2015) عن مركز أوال للدراسات والتوثيق «نصوص متوحشة… التكفير من سنة السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية». وحول ذلك يقول الديري: «ذهبت إلى النصوص المؤسسة، قاربت نصوص التكفير؛ كنصوص سياسية لا فقهية».

حاول الديري تتبع جذور «داعش» ليس من الآن؛ إنما انطلاقاً من نصوص التكفير في القرن الخامس الهجري (الغزاليّ) مروراً بالقرن السادس الهجري (ابن تومرت) وانتهاء بالقرن الثامن الهجري؛ حيث بلغ التكفير أوج قوّته مع إسلام ابن تيمية. ويجادل بأن هذه النصوص «هي التي تغذي التكفير الذي يستخدمه داعش اليوم وأخواته»، موضحاً «بضغطة زر في يوتيوب يمكنك أن تعثر على دروس  تركي البنعلي وهو يشرح هذه النصوص منذ أن كان في البحرين».

للمزيد حول ذلك التقينا الناقد علي الديري للحوار حول مؤلفه الجديد.

نصوص متوحشة”.. وأفعال كارثية مدمرة، رأينا نتائجها في الوطن العربي، وها هي تفجع المملكة العربية السعودية والكويت وتهدد الدول المجاورة، ما الذي يحدث؟”

في الوقفة الاحتجاجية على الفيلم المسيء للنبي، أمام السفارة الأميركية بالبحرين في 2012، وقف منظر داعش الشرعي تركي البنعلي محاطاً بأعلام القاعدة وتكبيرات الجمهور، وهو يرفع كتاب ابن تيمية (الصارم المسلول على شاتم الرسول): (عليكم أن تأخذوا إسلامكم من الإمام الجبل الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث صنف هذا الكتاب لما تجرأ عساف النصراني على شتم الرسول).

هذا الكتاب واحد من نصوص التوحش، التي لا نجرؤ على نقدها، بل هي تحظى بحماية ورعاية وترويج، وتعتبر منهجاً فكرياً مشتركاً لحركات متطرفة ولنظام سياسي له سطوته في السياسة الإقليمية والدولية. تفجيرات مساجد الشيعة في الدمام والقديح والصوابر وقبلها في مأتم الدالوة، كلها تمت من خريجي هذا المنهج وأتباعه. والمثقفون والإعلاميون لا يجرأون على قول هذه الحقيقة، بل هم يغمغمون عليها، فيفاقمون من أمراض التوحش في بيئاتهم.

إنها نصوص منسلخة من الإنسانية، يستدل بها ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول) على القتل البشع الذي يمارسه (داعش) اليوم، كما في استدلاله بقتل الشاعرة الهجاءة عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ، برواية موضوعة.

ومن هنا اتخذ كتابك الجديد «نصوص متوحشة» عنواناً، ماذا عن تصدر شعار حركة «داعش» مموهاً، لم اخترت هذا التشكيل عنوانا لكتابك الجديد؟

اللوحة للصديق الفنان التشكيلي البحريني عباس يوسف، نشرها على صفحته في الفيسبوك، مع صعود نجم (داعش) ودخوله الموصل، وجدتها تعبر عن مفهوم (نصوص التوحش) تعبيراً فنياً رائعاً، هي تستخدم شعارهم مقلوباً في إشارة إلى أنهم يقرأون النصوص قراءة مقلوبة، ويفهمون شعار الإسلام فهماً مقلوباً، يفهمون الرحمة توحشاً والتوحيد توحداً بمعنى أنهم وحدهم الذين لا شريك لهم في فهم الإسلام وكل ما عداهم مشركون وكافرون ويجب قتلهم ليبقوا وحدهم. في داخل اللوحة ثمة علامة استفهام، وهي تثير تساؤلاً عن الإله الذي يتكلم باسمه هؤلاء والرسول الذي يدعون أنهم يطبقون رسالته.

في مقابل هذا الفهم الساذج المتوحش لـ (لا إله إلا الله)، ثمة الفهم الصوفي العميق في روحانيته، كما في تجربة جلال الدين الرومي مثلاً وهو يقول “من ذا الذي نجا من (لا) – قل لي؟ -هو العاشق الذي رأى البلاء). يقيم الرومي جدلاً روحياً بين (لا)، و(إلا) في (لا إله إلا الله) لكل منهما مقامها الروحي الذي يفتح قلب الإنسان على الكون وكائناته وإلهه.

قبال تجربة العشق، ثمة تجربة التوحش التي جعلت لشعار (لا إله إلا الله) معنى وحيداً هو (جئناكم بالذبح). وجدت في لوحة عباس يوسف هذا العمق المعبر عن كل ذلك.

تطرف الإسلام السياسي

ركزت على حركة “داعش”، أتجدها وفق هذا العنوان الجماعة الإسلامية الأكثر تطرفاً أم تجدها مثالاً يمكن أن نقرأ من خلاله تطرف الإسلام السياسي، أياً كان مذهبه؟

ينطلق كتابي (نصوص متوحشة… التكفير من سنة السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) من لحظة داعش الآن، لكنها ليست موضوع الكتاب، فأنا ذهبت إلى النصوص المؤسسة، قاربت نصوص التكفير؛ كنصوص سياسية لافقهية.

حاولت قراءة نصوص التكفير قراءة تاريخية، في ثلاث بيئات سياسية، استخدمتْ التكفير ضد أعدائها: بيئة السلطة السلجوقية (القرن الخامس الهجري}، من خلال نصوص الغزالي، وبيئة سلطة الموحدين (القرن السادس الهجري) من خلال نصوص ابن تومرت، وبيئة سلطة المماليك (القرن الثامن الهجري) من خلال نصوص ابن تيمية.

يتغذى التكفير، الذي يستخدمه داعش اليوم وأخواته، من هذه النصوص. على سبيل المثال تغذي هذه النصوص منظر داعش الشرعي تركي البنعلي، وبضغطة زر يمكنك أن تعثر في اليوتيوب على دروسه وهو يشرح هذه النصوص حين كان في البحرين، والأكيد أن طلابه ما زالوا يواصلون رسالته، وربما أحدهم يعد عدته لتفجير يوم الجمعة المقبل.

بين فكر متشدد تكفيري وفكر يدعو إلى الانفتاح والعقلانية وجدت الصورتان على السواء، ما قضية الأوطان مع الأفكار؟

الوطن هو فعلاً فكرة، فكرة الوطن في زمن الخلافة الإسلامية، ليست هي نفسها فكرة الوطن اليوم بعد أن راح عشرات المفكرين والفلاسفة يصوغون مفاهيم: المواطنة، العقد الاجتماعي، السلطات الثلاث، التعددية، الدستور، وقد دفعوا حياتهم ثمناً لهذه الأفكار.

ما زلنا نصارع لأجل بلورة الوطن واقعاً حقيقياً نعيش فيه، وأعني المعنى المباشر لكلمة صراع الذي يهدف إلى تحقيق اعتراف، اعتراف بي كمكون للوطن، لا كتابع أو ملحق. أفهم وجود صورتي في قائمة واحدة في يناير 2015 مع منظر(داعش) في صحيفة رسمية في وطني، انتقاصاً من مواطنتي وما أنتمي إليه من طيف سياسي واجتماعي وديني.

وكما دفع روسو وفولتير وغيرهما حياتهم ثمناً لبلورة مفاهيم الدولة الحديثة، فعلينا نحن كمثقفين، وكمثقفين خليجيين خصوصاً، أن ندفع حياتنا ثمناً لتحقيق هذه المفاهيم في أوطاننا التي هي شبه أوطان.

أرثوذكسية السلاجقة

 ماذا تعني بعنوان الكتاب الفرعي (التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية)؟

أظن أن التكفير صار سياسة ممنهجة ضمن إدارة الدولة ومصالحها، في القرن الخامس الهجري، حين وصل السلاجقة إلى بغداد 447 هـ/ 1055م وصارت الخلافة العباسية تحت سلطتهم.
هذا لا يعني أن السلاجقة اخترعوا التكفير، أو المعنى الأحادي لمفهوم سنة النبي، فقبل أن يدخلوا إلى بغداد كان ثمة المعتقد القادري الذي هو النموذج الرسمي المقنن للمعتقد الصحيح لسنة النبي، وهو مرسوم أصدره الخليفة العباسي القادر بالله، وفيه يحدد مفهوم الألوهية والصفات والأسماء المثبتة لله، ومفهوم الإيمان والكفر، والاعتقاد الواجب تجاه الله وتجاه الصحابة. وجد السلاجقة مهمتهم في الدفاع عن الإسلام والسنة، تتمثَّل في تبني هذا الاعتقاد والدفاع عنه، كان هذا المعتقد يُخرج ويقرأ على الناس في المشاهد والمجامع العامة، وفي المساجد والجوامع، وعند حدوث الاضطرابات والنزاعات العقدية بين الفرق والمذاهب، اعتبر هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر.

 ماذا تعني بالسنة أو الأرثوذكسية السلجوقية؟

يعتبر المفكر الجزائري محمد أركون، أول من أستخدم  مصطلح تفكيك (الأرثوذكسية) في قراءته التراث الإسلامي و(الأرثوذكسية) في معناها الحرفي تشير إلى الطريق المستقيم؛ بما يتقاطع مع مفهوم الفرقة الناجية والسلفية، والطريق المستقيم هو بمثابة السنّة الصحيحة المعتمدة من السلطة السياسية.
احتاج السلاجقة إلى جيش من الفقهاء والقضاة والعلماء والخطباء والمحدثين، لتثبيت مهمتهم الدينية المتمثلة في الدفاع عن السنة الرسمية وتثبيت (الأرثوكسية السنية السلجوقية) وهذه المهمة تعطي لوجودهم شرعية وتعطي لحروبهم ضد أعداء الخلافة العباسية شرعية مضاعفة.
السلاجقة المعروفون بأنهم جماعات قتالية، أخذتهم شهوة الجهاد، وأعطوا لـ(السنة) مفهوماً أحادياً وقطيعاً لا يقبل التعدد والاختلاف، صارت (السنة) أيديولوجيا جهادية، مشبعة.

جريدة الجريدة في حوار عن نصوص متوحشة

رابط الموضوع

نصوص متوحشة: قراءة سياسية لفكرة التكفير

عبد الرحمن جاسم

“لا تتسرعوا في ابداء الحكم، ففي ذلك مقتل”
راينر ماريا ريلكه (شاعر ألماني)

منذ البداية أحسست بأنني مشدود لقراءة كتاب “نصوص متوحشة: التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيميه” لكاتبه البحراني د. علي الديري، قبل أي شيء، فتمهيد الكتاب –والذي أنصح الجميع بقراءته- هو “عين” الدكتور علي وروحه التي تبدو معلقة بين الكلمات. إنه يريد منا جميعاً أن نفهم ما هو هدفه الخاص من جراء هكذا “دراسة” .  تبدو الأسباب الشخصية بائنةً للعيان. قد يرى البعض هذا مشكلةً في النص، بل قد يراها بعض آخر أنها “تضعفه” ولكن المدرسة الحديثة في “الأبحاث” ترى أن “رغبة” الشخص “الخاصة” في “كشف” الحقيقة و”إيضاحها” للناس تجعله باحثاً “شرساً” ومغامراً عنيداً في سبيل المعرفة، لا بل إن بعض الجامعات يحض عليها، وتعطي الأفضلية للباحثين المرتبطين بقضايا شخصية مع المادة “المبحوث” فيها وعنها.

هذا كله، لم يمنع حس الناقد بداخلي من التحرك، كنت أريد أجوبة عن أربعة أسئلة يعتبرها الناقد سلاحه الأبرز: ماذا؟ لماذا؟ كيف؟ أين؟. كنت أريد أن أسأل ماذا يكتنز هذا الكتاب؟ خصوصاً لعلمي أن الدكتور علي يمتلك خلفيةً مرتبطة بتحليل الخطاب، وكذلك كيفية استعمال “المجاز” فضلاً عن إدراكه كيفية استعمال “الفلاسفة” لمنطقهم التفكيري. لكن هذه المرة هو يتحدث عن “التكفير”، لربما لما للمعنى/الفكرة من أهمية في عصرنا الحالي أو كما كتبه هو على غلاف الكتاب: إننا نفتح نصوص التوحش في تراثنا الآن لأن هناك وحشا حقيرا يسرق وجوهنا باسم الدين، والخلافة الإسلامية والمدارس الإسلامية والأئمة الإسلاميين. يعتبرنا هذا الوحش أعداء يجب قتلهم وسبيهم، وينظر إلى ممارساته هذه كعبادةٍ كما سائر العبادات من حيث كون التكفير شعيرةً دينية. ولا ريب أن هكذا كلمات هي الإجابة الرئيسية عن “ماذا” و”لماذا” هذا الكتاب.

ماذا عن “كيف” إذاً؟ يتناول د. علي القضية الشائكة بين أيدينا بهدأةٍ شديدة، وإن “بشراسة” المحقق، فهو يبدأ بتعرية الموضوع الماثل أمامنا تاريخياً متناولاً إياه “كموضوع سياسي” بحت، يعيده إلى مراحله الأولى من خلال ثلاثة فصولٍ يتناول فيها أبرز مراحل القضية المطروحة:
بيئة السلاجقة (في القرن الخامس الهجري) مع قراءة لنصوص الغزالي الخاصة بهذا النوع من الفكر، بيئة الموحدين (القرن السادس الهجري) من خلال نصوص ابن تومرت، وأخيراً بيئة القرن الثامن الهجري مع سلطة المماليك ونصوص ابن تيمية). يبدأ البحث من خلال “نقاشٍ تمهيدي” عن التكفير منقسماً بين “رجل الدولة ورجل الملة” وكيف أن كليهما ظهر بهذا الشكل الواضح والمباشر عند قيام الدولة السلجوقية بتطبيق “السلطة الدينية التكفيرية” كنظام حكم (وليس قبلها كما يدعي البعض، ففي السابق كان الأمر مجرد سلوكٍ فردي”، ولكن هذا لا يعني البتة اختراع السلاجقة للتكفير).

يتناول في الفصل الأول المرحلة السلجوقية الأولى التي أدخلت المفهوم كتحرك سياسي “نظامي”، فيتحدث عن كتاب “سياست نامه” أو ما عرف بالعربية بكتاب “سير الملوك” للوزير السلجوقي الشهير نظام الملك الطوسي، وزير ملكشاه ابن محمد؛ إنه كتابٌ يعين “الحاكم على أمته” ويدله على أيسر وأبسط السبل التي تجعله قادراً على “خنق” معارضيه والإمساك بتلابيب الحكم حتى يشاء. أنشأ الوزير نظام الملك مدارس عرفت باسم المدارس النظامية، هذه المدارس التي من شأنها حماية الحكم السلجوقي ونشر “المذهب الشافعي” الذي كان نظام الملك “متعصباً شرساً” له، ولمعاداة الشيعة الإسماعيلية تحديداً (الذين كانوا يمتلكون قوة آنذاك).

لقد كانت هذه المدارس التي انتشرت بكثرة سبباً رئيسياً في تخليق “الأرثوذكسية” الدينية (وهو مصطلح استعمله محمد أركون بدايةً لتوصيف تأطير الدين بهذه الطريقة القاسية). وقد تأطر هذا النظام إلى الدرجة التي أصبح فيها ممثلاً للدولة السلجوقية بأكملها. طبعاً هذه كانت المرحلة الأولى من “التكفير” لتتبعها المرحلة الثانية مع أبي حامد الغزالي، ويستعير كتاباً للرجل وهو “فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية” وفيه يتعامل الغزالي مع الباطنيين بمنطق “التكفير” المطلق وبصفتهم خارجين على ولي الأمر والإسلام وإجماع الأمة حكماً، فيما يظهر كتابه “فضائل المستظهرية” كتكريس لشرعية الخليفة العباسي المستظهر بالله (والذي كان في الـ 17 فقط من عمره آنذاك) كخليفة حق وولي أمر مفترض الطاعة. يظهر “التوحش” ههنا بشكلٍ واضح: إذ يكفي أن نعرف فقط أن أكل ذبائح “هؤلاء” هو “محرم” حتى نعرف عمّ تحدث الغزالي هنا، إن هؤلاء يصبحون حين تكفيرهم: خروجاً عن الإنسانية بشكلٍ كامل قاطع.

nousous 3

قراءة سياسية لفكرة التكفير

يأتي الفصل الثاني ليبتعد قليلاً عن مركزية الدولة المتمركزة في بغداد، ليقترب إلى المغرب العربي من خلال تجربة “دولة الموحدين” مع مفكرها ابن تومرت، الفقيه المغربي الشهير ورجل الدولة الأول هناك. وابن تومرت هذا لمن لا يعرفه، هو خريج من خريجي ذات المدرسة، أي النظامية، وقد التقى أثناء زيارته للمشرق والتي طالت سنين عدة (وقد أعطته هالةً مقدسة استخدمها في كل معاركه لاحقاً)، بالغزالي بحسب رواياتٍ كثيرة، وتأثر به كثيراً وقد أعجب الرجل بأسلوب أئمة الأشعرية واستحسن أسلوبهم في الدفاع عن العقائد السلفية، واستطاب رأيهم فيها. ربط ابن تومرت بين فكرتي التوحيد والتوحش معاً ودمجهما مع “لذة الجهاد”، وقد أدت “مواجهته” العنيفة مع “المرابطون” (الذين سيكون القاضي عليهم لاحقاً) وفقهائهم من المالكية إلى تخليق مذهبه الخاص وجماعته الخاصة التي دعت نفسها “الموحدون” في إيحاءٍ دقيق: نحن الوحيدون الذين نعتنق التوحيد الصحيح. ويستعير الدكتور علي كلماتٍ للذهبي في كتابه “العبر في خبر من غبر” حالة ابن تومرت: جره إقدامه وجرأته إلى حب الرئاسة والظهور وارتكاب المحظور”. ويشير الكتاب إلى أنَّ “عقوبة الحرق” (والتي استخدمتها داعش لاحقاً بعدهم بسنين) تم استخدامها من قبل “الموحدين”.

أما الفصل الثالث والأخير من الكتاب فهو يتناول لربما أحد أشهر الأسماء في “عالم” التكفير اليوم والتوحش بلغته الحديثة، إنه ابن تيمية متمظهراً في دولة المماليك وإن بفشلٍ كبير مقارنةً مع من سبقوه (فهو لم يتمكن من أن يؤسس دولةً، بل سجن، وبقيت كتبه تنتظر مئات السنين حتى ظهور محمد بن عبد الوهاب وتمكنه من جعلها عقيدة الدولة السعودية الرسمية في العام 1745 م). سيشتهر الرجل بعد معركة “شقحب” الشهيرة بين المغول والمماليك، والتي كان فيها بطلاً ونازع فيها السلطان الناصر بن قلاوون الضجة والشهرة، يومها قال ابن تيمية كلمته الشهيرة: “انا رجل ملة لا رجل دولة”. وهي جملةٌ “كاذبة” للغاية من رجلٍ يبحث عن “السلطة قبل أي شيء”. عارض الشيخ كل شيء، وأحكمت فتاويه “السيف” في جميع “المخالفين” والأقليات التي عدّها كلها “كافرة” وتستحق “الموت”، ولكن أبرز من عاداهم وللمفارقة هم “الأشاعرة” بالذات.

حارب الرجل مذهب الأشاعرة لا لسبب إلا لأنهم ينافسونه على ملعبه وبين جمهوره، فهم يقولون “زوراً وبهتاناً” بحسب كلامه إنهم “مذهب الدولة” و”مذهب أهل السنة والجماعة”. وهذا أمرٌ لا يرتضيه أبداً. تظهر الخلافات ههنا بين المذهبين وبحدةٍ أيضاً: فابن تيمية يحاسب الأشعري على كتابه الأخير الذي كتبه أي “الإبانة” ويعتبره أنه “سلفي” كما يرغب، بينما يأتي الأشاعرة ميالين لقراءة كل تاريخه والتعامل على هذا الأساس مع ما يحدث.

يشرح الفصل صراعات ابن تيمية الكثيرة ضد أي شيء يخالفه، وكل شيءٍ “يمكن استخدامه” لتضعيف خصومه والقضاء عليهم. ويكفي أن نتحدث عن “توحش” ابن تيمية في الرسالة “الفتوى” التي أرسها إلى السلطان الملك الناصر بن قلاوون حيث يعطيه فيها “الشرعية الكاملة” لكل ما قام به من مذابح قتل خلالها “الشيعة” المعارضين له، معتبراً أنه في كل 100 عام يأتي مجددٌ للدين وهذا المجدد هو قلاوون، ويعتبر أنَّ ما فعله الناصر هو نفس ما فعله الخلفاء الراشدون في حروب الردة، قائلاً في فتواه: “يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة”.

في الختام؛ هو كتابٌ ذو جهدٍ كبير وحثيث في تناول “التوحش” من منابعه، وكيف أنّه يتعدى مرحلة الفكرة الدينية بكثير ليصلها بفكرة السياسة، وكيف أن هذه الدول استخدمت الدين/المذهب كوسيلةٍ للقضاء على أعدائها دون أي مسوغٍ منطقي سوى ألعاب حواة من قبل شخصياتٍ كانت تمتلك لساناً حذقاً، وعقلاً خلبياً يمكنهم من “قتل معارضيهم بكل طمأنينة بال، وهدوء سريرة”.